من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر مدينة مدين
اعلم أن مدين أمّة شعيب هم: بنو مديان بن إبراهيم ﵇، وأمهم قنطوراء ابنة يقطان الكنعانية، ولدت له ثمانية من الولد، تناسلت منهم أمم، ومدين على بحر القلزم تحاذي تبوك على نحو ست مراحل وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب، وعمل عليها بيت.
قال الفرّاء: مدين اسم بلد وقطر، وقيل: اسم قبيلة سميت باسم أبيها مدين.
ويقال له: مديان بن إبراهيم، قاله مقاتل وغيره، والجمهور على أنّ مدين أعجميّ، وقيل: عربيّ، فإن كان عربيا فإنه يحتمل أن يكون فعيلا من مدّن بالمكان، أقام به، وهو بناء نادر، وقيل: مهمل أو مفعلا من دان فتصحيحه شاذ، وهو ممنوع الصرف على كل حال، سواء كان اسم الأرض أو اسم القبيلة عجميا أو عربيا.
وقال المسعوديّ: قد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نوفل بن رعويل بن مرّ بن عيقا بن مدين بن إبراهيم ﵇، وكان لسانه العربية، فمنهم من رأى أنهم من العرب الدائرة والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحصن بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم الخليل، وأنّ شعيبا آخرهم في النسب، وقد كانوا عدّة ملوك تفرّقوا في ممالك متصلة، فمنهم المسمى: بأبجد، وهوّز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحصن بن جندل.
وأحرف الجمل هي: أسماء هؤلاء الملوك وهي الاثنان والعشرون حرفا التي عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الحروف غير ما ذكرنا من الوجوه، فكان أبجد، ملك مكة، وما يليها من الحجاز، وكان هوّز وحطي، ملكين ببلادوج، وهي الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشت، ملوك بمدين، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس من رأى أنه كان ملك جميع من سمينا مشاعا متصلا على ما ذكرنا، وإنّ عذاب يوم الظلة كان في ملك، كلمن منهم، وإنّ شعيبا دعاهم، فكذبوه وعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، ونجا شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بأيلة، وهي غيضة نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتدّ عليهم الحرّ، وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيبا، ومن آمن معه، وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم
والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيبا ومن آمن معه من مواضعهم، وأزالوهم عن أماكنهم، وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم، فجعلها اللّه عليهم نارا، فأتت عليهم فرثت جارية بنت كلمن أباها، وكانت بالحجاز فقالت:
كلمن هدّم ركنيهلكه وسط المحله
سيد القوم أتاه الحتف نارا وسط ظله
كوّنت نارا فأضحتدار قومي مضمحله
وقال المتنصر بن المنذر المدينيّ:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالةأبدت بها عمرا وتحيي بني عمرو
هم ملكوا أرض الحجاز بأوجهكمثل شعاع الشمس في صورة البدر
وهم قطنوا البيت الحرام وزينواقطورا وفازوا بالمكارم والفخر
ملوك بني حطي وسعفص ذي الندىوهوّز أرباب الثنية والحجر
قال المسعوديّ: ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك، وتملكهم عليها وإبادتهم من كان فيها قبلهم من الأمم، وقيل: إنّ الأيكة المذكورة في قوله ﷿: ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ اَلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء/]، وفي قوله ﷾: ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ [الحجر/] هي مدين، وقيل: من ساحل البحر إلى مدين، وقيل: هي غيضة نحو مدين، وقيل: بل أصحاب الأيكة، الذين بعث إليهم شعيب كانوا بتبوك بين الحجر، وأوّل الشام، ولم يكن شعيب منهم، وإنما كان من مدين.
وقال أبو عبيد البكريّ: الأيكة المذكورة في كتاب اللّه تعالى التي كانت منازل قوم شعيب، روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فيها روايتان، إحداهما: إنّ الأيكة من مدين إلى شعيب، والرواية الثانية: إنها من ساحل البحر إلى مدين، وكان شجرهم المقل والأيكة عند أهل اللغة الشجر الملتف، وكانوا أصحاب شجر ملتف، وقال قوم: الأيكة:
الغيضة، وليكة: اسم البلد وما حولها كما قيل: مكة، وبكة.
وقال أبو جعفر النحاس: ولا يعلم ليكة اسم البلد، وقال ابن قتيبة: وكان بعضهم يزعم أن بكة، هو موضع المسجد وما حولها مكة كما فرق بين الأيكة وليكة، فقيل:
الأيكة: الغيضة، وليكة البلد: حولها.
وقال البكريّ: مدين بلد بالشام معلوم تلقاء غزة، وهو المذكور في كتاب اللّه تعالى، وهذا وهم، بل مدين من أرض مصر، وبعث رسول اللّه ﷺ، سرية إلى مدينة مدين، أميرهم: زيد بن حارثة ﵁، فأصاب سبيا من أهل ميتا. قال ابن إسحاق: وميتا هي السواحل، فبيعوا وفرّق بين الأمهات والأولاد، فخرج رسول اللّه ﷺ وهم يبكون فقال:
«ما لهم»؟ فأخبر خبرهم، فقال: «لا تبيعوهم إلاّ جميعا». ومدين من منازل جذام بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عزيب بن زيد بن كهلان.
وشعيب النبيّ المبعوث إلى أهل مدينة أحد بني وائل بن جذام.
وقد روي أن رسول اللّه ﷺ قال لوفد جذام: «مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى ولا تقوم الساعة حتى يتزوّج فيكم المسيح ويولد له».
وقال محمد بن سهل الأحول: مدين من أعراض المدينة مثل فدك والفرع ورهاط.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: وكان بأرض مدين، عدّة مدائن كثيرة قد باد أهلها، وخربت، وبقي منها إلى يومنا هذا، وهو سنة خمس وعشرين وثمانمائة نحو الأربعين مدينة قائمة منها ما يعرف اسمه، ومنها ما قد جهل اسمه، فمما يعرف اسمه فيما بين أرض الحجاز، وبلاد فلسطين، وديار مصر، ست عشرة مدينة منها: في ناحية فلسطين، عشر مدائن، وهي الخلصة، والسنيطة، والمدرة، والمنية، والأعوج، والخويرق، والبئرين، والماءين، والسبع، والمعلق، وأعظم هذه المدائن العشر: الخلصة والسنيطة، وكثيرا ما تنقل حجارتها إلى غزة ويبنى بها هناك، ومن مدائن مدين بناحية بحر القلزم والطور مدينة فاران، ومدينة الرقة، ومدينة القلزم، ومدينة أيلة، ومدينة مدين، وبمدينة مدين إلى الآن آثار عجيبة وعمد عظيمة.
ووجد في مدينة الأعوج، أعوام بضع وستين وسبعمائة جب بقلعتها بعيد المهوى يبلغ عمقه نحو مائة ذراع، وبقاعه عدة أسفار على رفوف حمل منها سفر طوله، ذراعان وأزيد، قد غلف بلوحين من خشب، وكتابته بالقلم المسند، طول الألف واللام، نحو شبر، فوجد ببلاد الكرك من قرأه، فإذا هو سفر من عشرة أسفار قد ابتدأه، بحمد اللّه، ثم قال: خروج موسى من أرض مصر إلى بلاد مدين، وملوك بني مدين فيما بعد شعيب، فذكر لموسى ﵇، عدّة أسماء منها، اسمه بالعربية: موسى بن عمران، وبالعبرانية: موشي، وبالفارسية: داران، وبالقبطية: هروسيس، وذكر أنه تزوّج ابنة شعيب، وأنه أقام بمدينة ثماني حجج، ثم قال لابن شعيب: قد أتممت لك شرطك، وسأزيدك سنتين فضلا مني.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع