من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر مدينة بلبيس
وسميت في التوراة: أرض حاشان، وفيها نزل يعقوب لما قدم على ولده يوسف ﵉، فأنزله بأرض حاشان، وهي: بلبيس إلى العلاقمة من أجل مواشيهم. قال ابن سعيد: بلبيس واليها يصل حكمه إلى الواردة وهي آخر حدّ مصر، وإليها تنتهي المعادلة بفضة السواد، ويصير الناس يتعاملون بالفلوس بعدها إلى العريش، وهي أوّل الشام، وقيل:
هي آخر مصر.
وقال أبو عبيد البكريّ: بلبيس، فتح أوّله وإسكان ثانيه بعده باء مثل الأولى مفتوحة أيضا وياء ساكنة وسين مهملة، وهو موضع قريب مصر معروف، وذكر ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك: أن بين بلبيس، ومدينة فسطاط مصر، أربعة وعشرين ميلا.
وذكر الواقديّ: أنّ المقوقس زوّج ابنته أرمانوسة من قسطنطين بن هرقل، وجهزها بأموالها وجواريها وغلمانها وحشمها لتسير إليه حتى يبني عليها في مدينة فيسارية، وهم محاصرون لها، فخرجت إلى بلبيس، وأقامت بها، وبعثت حاجبها الكبير في ألفي فارس إلى الفرما ليحفظ الطريق، ولا يدع أحدا من الروم ولا غيرهم يعبر إلى مصر، وبعث
المقوقس رسله إلى أطراف بلاده مما يلي الشام، أن لا يتركوا أحدا يدخل أرض مصر مخافة أن يتحدّثوا بغلبة المسلمين على الشام، فيدخل الرعب في قلوب عساكره، فلما قدم عمر بن الخطاب الجابية، وسار عمرو بن العاص إلى مصر، نزل على بلبيس، وبها أرمانوسة ابنة المقوقس، فقاتل من بها وقتل منهم زهاء ألف فارس، وأسر ثلاثة آلاف، وانهزم من بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسة وجميع مالها وسائر ما كان للقبط في بلبيس، فأحب عمرو ملاطفة المقوقس، فسيّر إليه ابنته أرمانوسة مكرمة في جميع مالها مع قيس بن أبي العاص السهميّ، فسرّ بقدومها، ثم سار عمرو إلى القصر، ولم تزل من مدائن مصر الكبار، حتى نزل عليها مري ملك الفرنج، وأخذها عنوة بعد حصار طويل، وقتل منها آلافا، ولها أخبار كثيرة وقد خربت منذ عهد الحوادث بديار مصر، بعد سنة ست وثمانمائة بعد ما أدركناه، وبها عمارة كثيرة، وفيها عدّة بساتين وأهلها أصحاب يسار ونعم سنية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع