من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
مدرسة ألجاي
هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، كان موضعها وما حولها مقبرة، ويعرف الآن خطها بخط سويقة العزي، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين الجاي في سنة ثمان وستين وسبعمائة، وجعل بها درسا للفقهاء الشافعية، ودرسا للفقهاء الحنفية، وخزانة كتب، وأقام بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة، وهي من المدارس المعتبرة الجليلة، ودرّس بها شيخنا جلال الدين البنانيّ الحنفيّ، وكانت سكنه.
ألجاي بن عبد اللّه اليوسفيّ الأمير سيف الدين، تنقل في الخدم حتى صار من جملة الأمراء بديار مصر، فلما أقام الأمير الأستدمر الناصريّ بأمر الدولة بعد قتل الأمير يلبغا الخاصكي العمريّ، في شوّال سنة ثمان وستين وسبعمائة، قبض على الجاي في عدّة من الأمراء وقيدهم وبعث بهم إلى الإسكندرية، فسجنوا إلى عاشر صفر سنة تسع وستين، فأفرج الملك الأشرف شعبان بن حسين عنه وأعطاه أمرة مائة، وتقدمة ألف، وجعله أمير سلاح برّاني، ثم جعله أمير سلاح أتابك العساكر، وناظر المارستان المنصوريّ عوضا عن الأمير منكلي بغا الشمسيّ، في سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وتزوّج بخوند بركة أم السلطان الملك الأشرف، فعظم قدره واشتهر ذكره، وتحكم في الدولة تحكما زائدا إلى يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فركب يريد محاربة السلطان بسبب طلبه ميراث أمّ السلطان بعد موتها، فركب السلطان وأمراؤه وبات الفريقان ليلة الأربعاء على الاستعداد للقتال إلى بكرة نهار الأربعاء تواقع الجاي مع أمراء السلطان إحدى عشرة وقعة انكسر في آخرها الجاي وفرّ إلى جهة بركة الحبش، وصعد من الجبل من عند الجبل الأحمر إلى قبة النصر ووقف هناك، فاشتدّ على السلطان فبعث إليه خلعة بنيابة حماه، فقال لا أتوجه إلاّ
ومعي مماليكي كلهم وجميع أموالي، فلم يوافقه السلطان على ذلك، وبات الفريقان على الحرب، فانسلّ أكثر مماليك الجاي في الليل إلى السلطان، وعند ما طلع النهار يوم الخميس بعث السلطان عساكره لمحاربة الجاي بقبة النصر، فلم يقاتلهم وولى منهزما والطلب وراءه إلى ناحية الخرقانية بشاطئ النيل، قريبا من قليوب، فتحير وقد أدركه العسكر، فألقى نفسه بفرسه في البحر يريد النجاة إلى البرّ الغربيّ فغرق بفرسه. ثم خلص الفرس وهلك الجاي، فوقع النداء بالقاهرة وظواهرها على إحضار مماليكه، فأمسك منهم جماعة وبعث السلطان الغطاسين إلى البحر تتطلبه فتبعوه حتى أخرجوه إلى البرّ في يوم الجمعة تاسع المحرّم سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فحمل في تابوت على لباد أحمر إلى مدرسته هذه وغسل وكفن ودفن بها، وكان مهابا جبارا عسوفا عتيا، تحدّث في الأوقاف فشدّد على الفقهاء وأهان جماعة منهم، وكان معروفا بالإقدام والشجاعة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع