من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
بربشتر
هي مدينة من بلاد بربطانية بالأندلس، وهي حصن على نهر مخرجه من عين قريبة منها، وبربشتر من أمهات مدن الثغر الفائقة في الحصانة والامتناع وقد غزاها على غرة وقلة عدد من أهلها وعدة، أهل غاليش والروذمانون وكان عليهم رئيس يسمى ألبيطش، وكان في عسكره نحو أربعين ألف فارس فحصرها أربعين يوما حتى افتتحها وذلك في سنة ست وخمسين وأربعمائة فقتلوا عامة رجالها وسبوا فيها من ذراري المسلمين ونسائهم ما لا يحصى كثرة، ويذكر أنهم اختاروا من أبكار جواري المسلمين وأهل الحسن منهن خمسة آلاف جارية فأهدوهن إلى صاحب القسطنطينية، وأصابوا فيها من الأموال ما يعجز عن الوصف وتخلفوا فيها من جلة رجالهم وأهل البأس منهم من وثقوا بضبطه لها ومنعه إياها واستوطنوها بالأهل والولد وجعلوها ثغراً من ثغورهم ثم انصرفوا عنها، وفي ذلك يقول الفقيه الزاهد ابن العسال من قصيدة:
ولقد رمانا المشركون بأسهملم تخط لكن شأنها الإصماء
هتكوا بخيلهم قصور حريمهالم يبق لا جبل ولا بطحاء
جاسوا خلال ديارهم فلهم بهافي كل يوم غارة شعواء
ماتت قلوب المسلمين برعبهمفحماتنا في حربهم جبناء
كم موضع غنموه لم يرحم بهطفل ولا شيخ ولا عذراء
ولكم رضيع فرقوا من أمهفله إليها ضجة وبغاء
ولرب مولود أبوه مجدلفوق التراب وفرشه البيداء
ومصونة في خدرها محجوبةقد أبرزوها ما لها استخفاء
وعزيز قوم صار في أيديهمفعليه بعد العزة استخذاء
لولا ذنوب المسلمين وانهمركبوا الكبائر ما لهن خفاء
ما كان ينصر للنصارى فارسأبداً عليهم فالذنوب الداء
فشرارها لا يختفون بشرهم ... وصلاح منتحلي الصلاح رياء ثم تداعت لأخذها ممالك الأندلس وجمع أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة وجهاتها أهل الثغور ونهد إليها في جمع كثيف ذوي حد وجد ففتحها الله ﷿ على يديه عنوة فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية ودخل منها سرقسطة نحو خمسة آلاف سبية مختارة ونحو ألف فرس وألف درع وأموال كثيرة وثياب جليلة وعدة وسلاح، وكان افتتاحه لها لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة ومذ ذاك تسمى بالمقتدر بالله، وكانت مدة ملك النصارى لها تسعة أشهر.
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع