تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

جمة

موضع المهدية من البلاد الإفريقية، ولما بنيت المهدية غلب عليها هذا الاسم، وكان عبيد الله بن عبد الله بن سالم صاحب شرطة زياد ومن مواليه، وسالم جده قتله المهدي على الزندقة، وهو الشيعي الملقب بالمهدي، قد سار يرتاد موضعاً يبني فيه لنفسه مدينة، فجاء تونس ودخل قرطاجنة وغيرها فلم يجد موضعاً أحصن من موضع المهدية فبناها وجعلها دار ملكه، وكان ابتداء بنائها سنة ثلاث وثلثمائة وسماها المهدية، وكان قبل ذلك يقال لها جمة.

وبين المهدية والقيروان ستون ميلاً والبحر قد أحاط بالمهدية من جميع جهاتها إلا من الجانب الغربي وفيه بابها، ولها ربض كبير يسمى زويلة وفيه الأسواق، ودرس ذلك كله ولم يبق الآن إلا حصن المهدية مبنية بالصخر الجليل، ولها بابان من حديد لا خشب فيهما زنة كل واحد منهما ألف قنطار، طوله ثلاثون شبراً، وهو من أعجب ما عمل في الإسلام، وفي المهدية ثلثمائة وستون ماجلاً لماء المطر سوى ما يجري إليها من القناة التي جلب إليها عبيد الله من قرية مشانس، وهي على مقربة من المهدية، ومرسى المهدية من عجائب العالم فإنه منقور في حجر صلد يسع ثلاثين مركباً، وكان على المرسى برجان بينهما سلسلة حديد من أغرب ما عمل، وإذا أرادوا أن تدخل سفينة أرسل حراس البحر السلسلة حتى تدخل السفينة ثم مدوها كما كانت وذلك تحصيناً لئلا تطرقها مراكب الروم من صقلية وغيرها، كما كان ذلك في أيام الحسن بن علي الصنهاجي إذ نزلها عليه الروم وغلبوه عليها وملكوها حتى استنقذها منهم عبد المؤمن بن علي في طلعته إلى إفريقية سنة أربع وخمسين وخمسمائة.

ولابن بشير المهدوي كتاب " الروضة الموشية في شعراء المهدية " ذكر منهم ابن الصبان وأنشد له:

بين المصلى وكثيب الحمىأجرت دم الأسد لحاظ الدمى
قالت لتربيها ولم تعلمنوكان من شأني أن تعلما
من فيكما بغية هذا الفتىبالله قولا لي ولا تكتما
أضحى طموح الطرف لا ينثنيباللحظ عني لا ولا عنكما
فقلت والعبرة قد أعربتعن سر مكنوني الذي استعجما
عيناك قاداني إلى محنتيما آفتي والله إلا هما

يا حبذا جمة من منزل ... وحبذا عيشي بها كيف ما ومن متأخري أهلها عثمان بن عتيق المعروف بابن عربية، له يذكر المهدية ويتشوق إليها أو إلى من بها من أهله بعد انتقاله عنها إلى تونس:

أقول لركب قافل عن معرسبجمة تردي بالحمول مساحجه
لك الله أمتعنا عن البلد الذيأكابره أسلافنا وأبالجه
وعن وطن لولا العلا وطلابهالعز على مثواه أني خارجه
وما صنع القصر العبيدي والحمىوسور المصلى والكثيب وعالجه
وشاطئه أنى تنوع حسنهوخضرمه أنى تدفع مائجه

سلام على المهديتين ففيهما ... أب بنت عنه قاصر الخطو هادجه وهي طويلة، وهو القائل من قصيدة مدح بها الأمير أبا زكريا ﵀:

ذكرت جمة والذكرى تهيج أسىوأين جمة مني والمنستير
وما مناي لياليها التي سلفتولا هواي مجانيها المعاطير
لكن بها رحم مجفوة يئستمن أن تقربني منها المقادير

فإن رأى من أدام الله نعمته ... لعبده خطة فيها فمأجور عرض له فيها بالرغبة في تقديمه لقضاء المهدية، وفي ذلك أيضاً قال من قصيدة:

فأطل يدي وانهض بضبعي وارع ليحمداً له علق لديك ثمين
وإلى ذرى المهدية اثن أعنتيفبموطني أنا مغرم مفتون

؟

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الجيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.