من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
الحوأب
بزيادة همزة بين الواو والباء، ماء قريب من البصرة على طريق مكة، وهو الذي مرت به عائشة ﵂ في توجهها إلى البصرة يوم الجمل، فلما انتهوا بها في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحوأب نبحت كلابهم الركب، فقالت عائشة ﵂: ما اسم هذا الموضع؟ فقال السائق لجملها: هذا الحوأب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك وقالت: إني لهيه، قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب "، وفي رواية أنه ﷺ قال لها: " لعلك صاحبة الجمل الأذنب تنبحها كلاب الحوأب "، وقالت لهم: ردوني إلى حرم رسول الله ﷺ، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير ﵁: بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط فيما أخبرك به، وكان طلحة ﵁ في ساقة الناس فلحقها وأقسما أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون ممن كان معهما، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام.
وكتبت أم سلمة زوج النبي ﷺ إلى عائشة أم المؤمنين ﵄ إذ عزمت على الخروج إلى الجمل: من أم سلمة زوج النبي ﷺ إلى عائشة أم المؤمنين، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك سدة بين رسول الله ﷺ وبين أمته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيولك فلا تسحبيها، وسكن عقائرك فلا تقدحيها فالله من وراء هذه الأمة، لو علم رسول الله ﷺ أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك، أما ترين أنه قد نهاك عن الفراطة في الدين، فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال ولا يرأب بهن إن انصدع، جهاد النساء غض الأطراف وضم الذيول. ما كنت قائلة لرسول الله ﷺ لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصة قعودك من منهل إلى منهل، وغداً تردين على رسول الله ﷺ، وأقسم لو قيل لي يا أم سلمة ادخلي الجنة لاستحييت أن ألق رسول الله ﷺ هاتكة حجاباً ضربه علي. فاجعليه سترك وقاعة البيت حسبك، فإنك أنصح ما تكونين لهذه الأمة ما قعدت عن نصرتهم، ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لنهشت نهش الحية الرقشاء المطرقة والسلام.
فأجابتها عائشة ﵂: من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فما أقبلني لوعظك وأعرفني بحق نصيحتك، وما أنا بمعتمرة بعد تعريج، ولنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متشاجرتين، فإن أقعد فعن غير حرج، وإن أمض فإلى ما لا غنى لي عن الازدياد منه، والسلام.
واستمرت عائشة ﵂ على المشي إلى أن انتهت إلى
البصرة، فكانت وقعة الجمل بالخريبة بمقربة من البصرة قتل فيها نحو ثلاثة عشر ألفاً، وقتل الزبير وطلحة بن عبيد الله ومحمد بن طلحة المدعو بالسجاد ﵃، وهو الذي قال فيه علي ﵁ حين رآه قتيلاً: هذا رجل قتله بره بأبيه. ورمي هودج عائشة ﵂ فجعلت تنادي: يا بني البقيا، يا بني البقيا، ويعلو صوتها، وكانت جهيرة، فأبوا إلا إقداماً، وماج الناس بعضهم في بعض، فصرخ صارخ: اعقروا الجمل، وقال عبد الله بن الزبير ﵄: أمسيت يوم الجمل وبي سبع وثمان جراحة من طعنة وضربة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط ما ينهزم منا أحد وما نحن إلا كالجبل الأسود وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل. ونادى علي ﵁: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتاً قط كان أشد من عجيج الجمل، وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة كلما قطعت يد رجل قام آخر وقال: أنا الغلام الضبي، ورمي الهودج بالنشاب حتى صار كالقنفذ، وقصة يوم الجمل مطولة شهيرة فليقتصر من خبرها على هذا القدر ففيه مقنع.
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع