من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
حمة مطماطة
مدينة في جهة قصطيلية بمقربة من مدينة قابس ماؤها شروب وبها نخل كثير، وأهلها موصوفون بالنجدة والشهامة.
وعليها كانت الوقيعة لمنصور الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب على الموارقة والأغزاز سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، لأن المنصور كان تحرك من مراكش إلى البلاد الإفريقية لما بلغه من سوء آثار العرب والموارقة فيها وتحيفهم لبلادها، فاتصل به وهو بتونس ما نال جماعة أصحابه بوطاء
عمرة من الموارقة والأغزاز في هذه السنة، وكانت وقيعة شديدة على الموحدين أثخن فيهم الموارقة والأغزاز وهزموهم، فامتعض المنصور من ذلك واستبد برأيه، وتحرك من تونس في رجب هذه السنة واشتد على من تخلف عنه، وتمادى إلى القيروان فدخلها وتطوف على آثارها وصلى بجامعها وزار مقبرتها، ولما كان على فرسخين من الحمة هذه وجه خيلاً لمنازل الأعراب الذين مع الموارقة فشنوا الغارة هناك مع الصباح واكتسحوهم وساقوا أموالهم وقفلوا، وبلغ ذلك العرب فارفضت جموعهم وتضعضعت محلة الموارقة بسبب ذلك، ثم ناجز القوم وباشر الحرب بنفسه فاستؤصلت الموارقة في المعترك وأفلت قراقش وابن غانية واتبعهم السيف إلى الليل، ثم توجه إلى قابس فاستسلم أهلها وفتحوا له أبوابها، وأسلموا أصحاب قراقش وشيعته، وكان اتخذها حصناً وشحنها بشيعته وأصحابه، وامتنعت شيعته بقصر العروسين منها يومين، ثم نزلوا إليه من الأسوار راغبين في الأمان، فبعث بهم في البحر إلى تونس ووبخ أهل قابس على اتباع كل ناعق، ثم انحفز إلى توزر فأعلنوا له الطاعة. وفي ذلك يقول أبو بكر بن مجبر:
أسائلكم لمن جيش لهامطلائعه الملائكة الكرام
تجاذب خيله اليمن اغتباطاًبعصمته وتخطبه الشآم
ويعطو المسجد الأقصى إليهويشرف نحوه البيت الحرام ومنها:
مضى متقلداً سيفي مضاءهما الإلهام والجيش اللهام
فسل ما حل بالأعداء منهوكيف استؤصل الداء العقام
لقد برزت إلى هول المناياوجوه كان يحجبها اللثام
وما أغنت قسي الغز عنهافليست تدفع القدر السهام
كأن الحرب كانت ذات عقلصحيح لم يحل به سقام
فأفنت كل من دمه حلالوأبقت كل من دمه حرام
متى يك من ذوي الكفر اعتداءيكن من فرقة التقوى انتقام وقال هو أو الجراوي في ذلك أيضاً:
رأى الشقاء ابن إسحاق أحق بهمن السعادة والمحدود محدود
وكيف يحظى بدنيا أو بآخرةمحلأ عن طريق الخير مطرود
أعمى ونور الهدى باد له وكذامن لم يساعده توفيق وتسديد
لم يصغ للوعظ لا قلباً ولا أذناًوكيف تصغي إلى الوعظ الجلاميد
لجت ثمود وعاد في ضلالهمولم يدع صالح نصحاً ولا هود
والسيف أبلغ فيمن ليس يردعهعن الغواية إيعاد وتهديد
أولى له لو تراخى ساعة لغداوريده وهو بالخطي مورود
أنحى الزمان على الأعداء واجتهدتفي قطع دابرهم أحداثه السود
يوم جدير بتعظيم الأنام لهفما يقاس به في حسنه عيد
أضحت على فضله الأيام تحسده ... إن النبيه الرفيع القدر محسود وسميت المدينة بالحمة لأن بها حمة عظيمة مشهورة.
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع