تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

الحرة

حرة مدينة النبي ﷺ تعرف بحرة واقم فيها كانت الوقيعة الشنيعة بأهل المدينة، وذلك أنه لما شمل الناس جور يزيد بن معاوية وعماله وعمهم ظلمهم، وما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول الله ﷺ وأنصاره وما أظهر من شرب الخمور وسار بها فرعونية، أخرج أهل المدينة عامله عليهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان لمروان بن الحكم وسائر بني أمية، وذلك عند تنسك ابن الزبير وإظهاره الدعاء لنفسه سنة ثلاث وستين، وكان إخراجهم لمن ذكرناه عن إذن ابن الزبير، واغتنمها مروان منهم إذ لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزبير، فحثوا السير نحو الشام، ونمي فعل أهل المدينة ببني أمية ومن معهم إلى يزيد فسير إليهم جيوش أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد يزيد وسماها نتنة مناقضة لتسمية رسول الله ﷺ لها طيبة وقال: " من أخاف المدينة أخافه الله "، فسمي مسلم هذا بمجرم ومسرف لما كان من فعله، وقال يزيد حين عرض هذا الجند:

أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ... وأشرف القوم على وادي القرى ... أجمع سكران من القوم ترى ... يريد بهذا القول عبد الله بن الزبير وكان يكنى أبا بكر ويسمى يزيد السكران الخمير، وكتب لابن الزبير:

ادع إلاهك في السماء فإننيأدعو عليك رجال عك وأشعر

كيف النجاة أبا خبيب منهم ... فاحتل لنفسك قبل مأتى العسكر ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم مسلم، خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الأنصاري، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها خلق من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس، وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد ومن أبى ذلك أمره مسلم على السيف غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵃، وفي وقعة الحرة يقول محمد بن أسلم:

فإن تقتلونا يوم حرة واقمفنحن على الإسلام أول من قتل

ونحن تركناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسياف لنا منكم نفل ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر الشريف وهو يدعو فأتي به مسرف وهو مغتاظ عليه متبر منه ومن آبائه، فلما رآه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قدم للسيف إلا شفعه فيه وانصرف، فقيل لعلي ﵁: رأيناك تحرك شفتيك فما الذي قلت؟ قال، قلت: اللهم رب السموات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن ورب العرش العظيم ورب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره وتكفيني شره، وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه فلما أتي به إليك رفعت منزلته، قال: ما كان ذلك برأي مني ولقد ملىء قلبي منه رعباً.

وأما علي بن عبد الله بن العباس ﵄ فإن أخواله من كندة منعوه منه وأناس من ربيعة كانوا في جيشه فقال علي ﵁ في ذلك:

أبي العباس قرم بني لؤيوأخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءتكتائب مسرف وبنو اللكيعه

أراد بي التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدي ربيعه ونزل بأهل المدينة من القتل والنهب والسرق والسبي وشبه ذلك أمر عظيم. ثم خرج عنها يريد مكة في جنوده ليوقع بابن الزبير وأهل مكة بأمر يزيد، وذلك سنة أربع وستين، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف لعنه الله، فاستخلف على الجيش الحصين بن نمير حتى أتى مكة في محرم سنة أربع وستين، فحاصر مكة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام وسمى نفسه العائذ بالبيت، ونصب الحصين المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفجاج، فتواترت أحجار المجانيق والعرادات على البيت ورمي مع الأحجار النار والنفط ومشاقات الكتان فانهدمت الكعبة ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق أحد عشر رجلاً، واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير إلى أن بلغت الحصين وفاة يزيد بالشام فانحلت العزيمة ثم كانت بينه وبين ابن الزبير مخاطبات فآل الأمر إلى أن انصرف عنه إلى الشام.

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الحاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.