من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
حراء
بكسر أوله ممدود، جبل بمكة، قال الأصمعي: بعضهم يذكره ويصرفه وبعضهم يؤنثه ولا يصرفه.
وفي الخبر أن النبي ﷺ قال: " اثبت حراء فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد ". وكان ﷺ يتحنث في هذا الجبل الليالي ذوات العدد قبل أن يوحى إليه وفيه نزل عليه جبريل ﵇ أول ما أوحي إليه وفيه بشره بالنبوة.
وبينه وبين مكة ميل ونصف، وهو جبل منفرد على طريق حنين من مكة، وهو منيف صعب المرتقى لا يصعد إلى أعلاه إلا من موضع واحد في صفاة ملساء، وهو من جميع نواحيه منقطع لا يرقاه راق، والموضع الذي نزل فيه جبريل ﵇ في أعلاه من مؤخره إلى شق هناك معروف.
حروراء:
قرية من قرى الكوفة، بينها وبين الكوفة نصف فرسخ بها اجتمع الخوارج على علي ﵁ فسماهم بالحرورية، ولقي جمعهم هناك فأوقع بهم في تسع وثلاثين، وذلك أنه لما فرغ علي ﵁ من صفين نادى في الناس بالرحيل فرحلوا، فمضى حتى دخل قصر الكوفة، وكان أهلها قد خرجوا مع علي ﵁ إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا وهم متباغضون أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم، وأقبلوا في طريقهم يتدافعون ويتشاتمون ويضطربون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله وحكمتم، ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا. فلما دخل علي ﵁ الكوفة لم يدخلوا معه وأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً، ويسمى هؤلاء بالحرورية لنزولهم بهذه القرية، ومضى إليهم علي ﵁ فجلس إليهم
وحاجهم ووعظهم، فرجع منهم ستة آلاف، رجعوا إلى الكوفة، وبقي من بقي منهم، ثم اجتمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، ومضى القوم إلى النهروان ومضى إليهم عبد الله بن عباس ﵄ فقال: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: قد كان للمؤمنين أميراً فلما حكم في دين الله تعالى خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس ﵄: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك أن يقر على نفسه بالكفر، قالوا: إنه حكم، قال: إن الله تعالى قد أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال: " يحكم به ذوا عدل منكم " فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ قالوا: إنه حكم عليه فلم يرض، قال: إن الحكمين لما خالفا نبذت أقاويلهما، كما في الإمامة إذا فسق الإمام وجبت معصيته، فقال بعضهم لبعض: لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإن هذا من القوم الذين قال الله ﷾ فيهم: " بل هم قوم خصمون " وقال ﷿ " وتنفر به قوماً لداً "، وقال مصعب بن سعد: سألت أبي عن هذه الآية " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " أهم أهل حروراء؟ قال: هم اليهود والنصارى كذبوا وكفروا، لكن الحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وكان يسميهم الفاسقين، وآل الأمر إلى أن تجبروا وخرج إليهم علي ﵁ فأوقع بهم بالنهروان، وفي شرح ذلك طول ليس هذا موضعه.
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع