تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

زبطرة

من الثغور الجزرية، بينها وبين ملطية أربعة فراسخ وزبطرة حصن منيع كثير الأهل قديم رومي، فتحه حبيب بن مسلمة الفهري وكان قائماً إلى أن أخربته الروم أيام الوليد بن يزيد، فبني بناء غير محكم فهدمته الروم في فتنة مروان، فأعاده المنصور فهدمته الروم فبناه الرشيد وشحنه، فطرقته الروم في خلافة المأمون وأغاروا على سرح أهله فأمر المأمون بمرمته وتحصينه.

ثم خرجت الروم إلى زبطرة أيام المعتصم بالله عليهم توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره، ومعه ملوك برجان والبرغز والصقالبة وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم، فنزلوا على زبطرة وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وفتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير، وسبى وأغار على ملطية، فضج الناس في الأمصار واستغاثوا في المساجد والديار، ودخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم فأنشده قصيدة طويلة منها:

يا غيرة الله قد عاينت فانتقميتلك النساء وما منهن يرتكب
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

هب الرجال على إجرامها قتلت ... ما بال أطفالها بالذبح تنتهب ويقال إن المعتصم بلغه أن رومياً لطم أسيرة في زبطرة فصاحت: وامعتصماه، فأحفظه ذلك وأغضبه، فخرج من فوره نافراً عليه دراعة من الصوف بيضاء قد تعمم بعمة الغزاة، فعسكر غربي دجلة، ونودي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسالت العساكر والمطوعة من سائر بلاد الإسلام، فمن مكثر يقول: سار في خمسمائة ألف، ومقلل يقول: سار في مائتي ألف، ولقي الأفشين أحد قواده ملك الروم فهزمه وقتل أكثر بطارقته ووجوه أصحابه، وفتح المعتصم حصوناً، ونزل على عمورية ففتحها الله على يديه، وخرج إليه لاوي البطريق منها وأسلمها إليه،

وأسر منها البطريق الكبير باطس، وقتل فيها ثلاثين ألفاً، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ويحرق. وفي وصف هذه الحال يقول أبو تمام حبيب بن أوس الطائي قصيدته المشهورة التي أولها:

السيف أصدق إنباء من الكتبفي حده الحد بين الجد واللعب يقول فيها:
يا يوم وقعة عمورية انصرفتمنك المنى حفلاً معسولة الشنب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ألفيت جد بني الإسلام في صعدوالمشركين وجد الشرك في صبب يقول فيها للمعتصم:

لبيت صوتاً زبطرياً هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب يعني صوت التي صاحت: وامعتصماه، ثم أمر المعتصم ببناء زبطرة وشحنها، فرامها العدو بعد ذلك فلم يقدر عليها.

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الزاي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.