تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

الصراة

نهر ينشعب من الفرات ويجري إلى بغداد، ويقال: الصرا، بلا هاء أيضاً، لأنه صري عن الفرات، أي: قطع.

وقيل هو مجتمع دجلة والفرات وعليه دل قول أبي العلاء المعري يذم إبلاً له:

تمنت قويقاً، والصراة حيالها ... تراب لها من أينق وجمال قويق: نهر حلب، وهو صغير، فدعا عليها حين آثرت قويقاً على الصراة جهلاً منها.

وقال إبراهيم بن المهدي: كنت مع محمد الأمين في الحصار وقد اشتد علينا، فخرج من قصر الذهب ليلة وصار إلى قصر القرار بقرب الصراة، وأحضرني فقال: يا عم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر فيها ومكاننا على دجلة والصراة؟

فهل لك في أن نشرب فيها من وقتنا ونخفف بها الهم عن قلوبنا. فقلت: من أعظم الميل، والمكان في غاية الحسن، فعلى اسم الله فاشرب، فشرب رطلاً وسقاني مثله، ثم قال: ما ترى في الغناء على ما نحن فيه؟ قلت: ما نستغني عنه، فدعا بجارية متقدمة يقال لها ضعفاء، فتطيرت من اسمها، فحضرت فقال: غني، فغنت بشعر النابغة الجعدي:

كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم فنظر إلي واشتد عليه وعلي، إلا أني لم أره ذلك، فقال لها: غني غير هذا، فغنت:

أبكى فراقهم عيني وأرقهاإن التفرق للأحباب بكاء

ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم ... حتى تفانوا وصرف الدهر عداء فصاح عليها: لعنك الله، أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقالت: ما تغنيت إلا ما عهدتك تحبه، ثم غنت:

أما ورب السكون والحركإن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولادارت نجوم السماء في فلك
إلا بنقل السلطان من ملكقد انقضى ملكه إلى ملك

وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفان ولا بمشترك فصاح بها: قومي، غضب الله عليك ولعنك، فقامت مذعورة وعثرت بقدح بلور حسن الصنعة جداً كان يختصه ويسميه: رب رباح، كان موضوعاً إلى ناحيته، فكسرته، فزاد عليه الأمر وقال: أما ترى يا عم ما قد منيت به الليلة؟ ما أرى السرور إلا قد قوض والأمر قد اقترب، فقلت: إنما هو اتفاق وقع، والله يطيل عمرك ويكبت عدوك، فسمعنا قائلاً يقول من الشط:

قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فوثب عن المجلس وقال: أما سمعت يا إبراهيم؟ فقلت: ما سعت شيئاً، وقد كنت سمعت، فقال: ما بعد الفأل دليل، فما عدت إلى المجالسة بعد ذلك، وقتل محمد بعد أيام.

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الصاد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.