تجاوز إلى المحتوى

من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)

اليمامة

مدينة متصلة بأرض عُمان من جهة المغرب مع الشمال، كان اسمها جوّاً، وسميت اليمامة بامرأة، وهي الزرقاء، زرقاء اليمامة، وهي المشهورة في الجاهلية بجودة النظر وصحة إدراك البصر، وهي التي يقول فيها النابغة:

احكم كحكم فتاة الحيِّ إذ نظرتإلى حمامً شراعً واردِ الثمد الأبيات، وفيها يقول الأعشى:
قالت أرى رجلاً في كفه كتفأو يخصف النعل لهفي أيَّةً صنعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا ومدينتهم المشهورة الخضرمة وهي مدينة عامرة فيها مزارع ونخل كثير أكثر من بلاد الحجاز.

قالوا: وبأرض اليمامة نوع من الحيات سمي العربد لا يوجد في غيرها وقد جهد حنين بن إسحاق أن يجلبه إلى المتوكل بسرّ من رأى حين كلف مثل هذا من الأعاجيب فلم يستطع، وذلك لأنه إذا خرج به عن اليمامة إلى موضع معروف المسافة عدم من الوعاء، أهل اليمامة ينتفعون به لمنع الحيات والعقارب وسائر الهوام كانتفاع أهل سجستان بالقنافذ، وفي عهد سجستان بالقنافذ ألا تقتل قنفذة ببلدهم لأنه بلد كثير الرمل بناه ذو القرنين في مطافه وهو كثير الأفاعي والحيات، ولولا كثرة القنافذ لتلف مَن هناك. وقد جلب حنين إلى المتوكل اثنين من النسناس، إلى سائر المستغربات، ولم يقدر على الحيات.

وذكر الجاحظ أن اليمامة كانت من بنات لقمان بن عاد.

وفتحت اليمامة صلحاً في سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق ﵁، على يد خالد بن الوليد ﵁، بعد أن قتل مسيلمة الكذَّاب ودجّال بني حنيفة.

قالوا: لمّا قدمت وفود العرب على رسول الله ﷺ لم يقدم وفدٌ أسوأ قلوباً ولا أحرى أن يكون الإسلام لم يقر فيهم من بني حنيفة، وذكر مسيلمة لرسول الله: فقال: " اما أنه ليس بشرَكم مكاناً "، لما كانوا أخبروه من أنهم تركوه في رحالهم حافظاً لها، وكان قال عندما قدم في قومه: لو جعل لي محمد الخلافة من بعده لاتبعته، فجاءه رسول الله ﷺ فقال له: " لئن أقبلت ليفعلنَّ الله بك، ولئن أدبرت ليقطعنَّ الله دابرك، وما أراك إلا الذي رأيت فيه ما رأيت "؟ وكان ﷺ قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا، فوقع أحدهما باليمامة والآخر باليمن "، قيل: ما أولتهما يا رسول الله؟ قال: " أولتهما كذّابين يخرجان من بعدي ".

فلما انصرف في قومه إلى اليمامة ارتدّ عدوّ الله وادعى الشركة في النبوّة مع النبي ﷺ، وقال للوفد الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني: أما إنه ليس بشركم مكاناً، ما ذاك إلا لما علم أني أشركت في الأمر معه؟ وجدَّ له ضلاله بعد وفاة رسول الله ﷺ وأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك، إلا أفذاذاً من ذوي عقولهم.

فوجَّه الصدّيق ﵁ إليه خالداً ﵁، وكتب إليه: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك الله بأهل بزاخة وما فعلت بأسد وغطفان، وإنك سائر إلى اليمامة، وذلك عهدي إليك، فاتق الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين، كن لهم كالوالد، وإياك يا خالد بن الوليد ونخوة بني المغيرة فاني عصيت فيك من لم أعصه في شيء قط، فانظر بني حنيفة إذا لقيتهم إن شاء الله، فإنك لم تلق قوماً يشبهون بني حنيفة، كلهم عليك ولهم بلاد واسعة، فإذا قدمتَ فباشر الأمر بنفسك، واجعل على ميمنتك رجلاً، وعلى ميسرتك رجلاً، واجعل على خيلك رجلاً، واستشر مَن معك من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، واعرف لهم فضلهم، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم فالقهم إن شاء الله وقد أعددت للأمور أقرانها، فالسهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإذا صرت إلى السيف فهو الثكل، فإن أظفرك الله بهم فاياك والابقاء عليهم، أجهز على جريحهم واطلب مُدْبرهم، واحمل أسيرهم على السيف، وهوّل فيهم القتل وأحرقهم بالنار، وإياك أن تخالف أمري، والسلام.

ومضى خالد ﵁ حتى نزل منزله باليمامة في بعض أوديتها، وخرج الناس مع مسيلمة، ورتب خالد صفوفه، ثم وضع فسطاطه واضطجع عليه، وسلَّتْ بنو حنيفة السيوف فقال خالد ﵁: يا معشر المسلمين أبشروا فقد كفاكم الله عدوّكم، ما سلوا السيوف من بعيد إلا ليرهِبونا، وان هذا منهم لجبنٌ وفشل، فقال له مجاعة - وكان أسيراً عنده -: كلا والله يا أبا سليمان، ولكنها الهندوانية خشوا من تحطمها، وهي غداة باردة، فابرزوها للشمس لأن تسخن متونها، فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر من سلّنا سيوفنا حين سللناها، والله ما سللناها ترهيباً لكم ولا جُبْناً عنكم، ولكها الهندوانيّة، وكانت غداة باردة فخشينا تحطمها، فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم، فسترون. قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر الفريقان جميعاً صبراً طويلاً حتى كثرت القتلى والجراح في الفريقين، واستلحم من المسلمين حملة القرآن حتى فنوا إلا قليلاً، وهزم كِلا الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين والمشركون عسكر المسلمين مراراً، وقُتِل أصحاب الرايات، ومكثتِ الراية ساعة لا يرفعها أحد، فحملها يزيد بن قيس، وكان بدرياً، حتى قُتِل وهُزم المسلمون ثلاث مرات، وفي الرابعة تاب الله عليهم وثبَّت أقدامهم وصبروا لوقع السيوف، واختلف بينهم وبين بني حنيفة السيوف حتى رئيت شهب النار تخرج من خلالها، وسمع لها أصوات كالأجراس، وأنزل الله نصره وهزم بني حنيفة، وقتل الله مسيلمة، والقصة أطول من هذا.

وكانت طسم وجديس نزلوا البحرين واليمامة، فمكثوا برهة وبلادهم أفضل البلاد وأكثرها خيراً وحدائق ملتفة وقصور مصطفّة، إلى أن غمصوا الحقَّ وانتهكوا الحرمة، فبدَّل الله نعمتهم وتقاتلوا ففنوا.

وقيل إن تبعاً الأخير خرج بجيش عظيم فعدموا الماء، وعطش الجيش، فحفر كل أحد منهم قبره وهو حي من شدة العطش، فمرَّت بهم يمامة فقال لهم تبع: اتبعوها فإنها إنما ترد الماء، فاتبعوها فأصابوها نازلة على نهر، وهو الفرات، فنزلوا عليه فشربوا واستقوا.

النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الياء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.