من «المطالع البدرية في المنازل الرومية» لبدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ)
حمص
ولم نزل نعاني السرى، ونعاصي الكرى، إلى أن بلغ الليل غايته، ورفع الفجر رايته، ونكصت النجوم على أعقابها، وسفرت الجَوْنَة عن نقابها، وتجلى وجه النهار مستبشراً، ووفدت تباشير الصباح زُمَراً، ثمّ برزت الشّمس في مروط
الوَرْس، ثم صقلت مرآتها وانجلت، ورفعت رايتها وعلت، فوافينا مدينة حِمْص ذلك الوقت من يوم السبت، فنزلنا بمرج أخضر حسن النبت يجري به مياه لابدة بعاصم حَمَاة، ممدة مع طاعتها لعاصي حَمَاة، وتَحُفُّه بساتين حسنة مزدهاة، وتلقّانا بها جماعة من وجوه الناس، منهم الشيخ الصَّالح الفاضل عبد القادر ابن الدَّعاس، ثم دخلنا المدينة بنية الزيارة، فوجدنا غالب دورها سوداء الحجارة، لكنها واسعة الأفنية، متينة الأبنية، قديمة العمائر، عظيمة المآثر، ودخلنا إلى جامعها الكبير، وزرنا بظاهرها سيدي خالد ابن الوليد الصحابي الجليل الشهير، وهذه البلدة أصح بلاد الشَّام هواءً، وأعدلها تربة وماءً، وليس بها حيّة ولا عقرب، بل يُقال إن الحِمْصيّ بأي بلد كان لا تدنو منه عقرب ولا تقرب، وكذلك الثوب المغسول بمائها إلى أن يُغْسَل بغيره، قيل وهو مجرَّب، قال القزوينيّ: ومن عجائبها الصورة التي على باب المسجد، نصفها الأعلى على صورة إنسان، ونصفها الأسفل صورة عقرب بذنب وزُبان، تطبع تلك الصورة بالطين الحرّ وتُلقى في ماء، فإذا شرب منه الملدوغ برئ من الضرّ، وبظاهرها على نحو ميل بركتها المعظمة التي تصاد منها السمك الكبار، وتجلب إلى دِمَشْق وغيرها من الأقطار، وعند أهل حِمْص تغفّل شديد، وحماقة ما عليها من مزيد، فممَّا يحكى عنهم من الحكايات المشهورة، أن بخارج المدينة ناعورة فرآها مرّة رجل حَمَويّ، فقال: ما غرّبك بهذه الفلاة، أترى أهل حِمْص سرقوك من حَمَاة؟ فاختشوا أن يأخذها أهل حَمَاة ليلاً، فأعدوا لحراستها رَجْلاً وخيلاً، ومعهم أنواع السلاح، يدورون حولها كل ليلة إلى
الصباح، وحكى بعض ظرفاء المؤرخين في وقائع الحمقى والمغفلين: أن رَجلاً رأى بحِمْص يهودياً عطاراً في دكان يؤذن بها على باب الجامع في أوقات الأذان، يقول: أهل حِمْص يشهدون أن لا إله إلا الله، أهل حِمْص يشهدون أن محمداً رسول الله، ورأى الإمام يصلّي ورِجْله خارجة من المحراب، فسأل من
رجل عن دار القاضي ليشتكي له ذلك المصاب، فطأطأ برأسه وكشف عن فلسه، فدخل إلى القاضي يشتكي ما دهاه، فوجدَ عنده صبياً قد علاه، فخرج وهو يستغيث، فقال له: ارجع يا خبيث، ما بالك؟ وما حالك؟ فحكى له القصة، فقال: أنا أزيح عنك الغُصَّة، أمّا اليهوديّ فهو يؤدي للمسجد أجرة الدكان، ويؤذن دون المسلمين متبرعاً بالأذان، وأمّا الإمام فلعل أصاب رِجْله بعض نجاسة الكلاب، فما رأى أن يدخلها معه في المحراب، وأما الذي سألته عن الدار فقد أجابك بما به أشار، وذلك أن بابي مقنطر معلا، وعليه قنديل مدلى، وأما الصبي الذي كان فوق ظهره، فهو تحت نظره وحَجْره، وفي تربيته وحِجْره، وأحبّ أن يَعْلَم إن كان بلغ مبالغ الرجال يسلمه ما له تحت يده من المال.
ومن أغرب الحكايات واقعة عبد السلام الحِمْصيّ الملقب بدِيك الجِنِّ الشاعر، وهي واقعة غريبة لم يُسْمَع بمثلها في الدهور الغوائر، وذلك أنه كان يحب جارية له وغلاماً، وقد افتتن بهما عشقاً وهُياماً، فمن شدّة ما حصل له من قوة المحبة لهما والوله، خشي أن يفجعه فيهما الدهر ويمتع بهما غيره، فقتلهما وجداً عليهما وغِيْرَة، ثم صنع من رماديهما بُرْنيتين للمشروب وكان ينادمهما منادمة المحب المحبوب، وإذا اشتاق إلى الجارية قبّل البرنية المجبولة من رمادها المرصد، وملأ منها قدحه وبكى وأنشد:
يا طلعةً طَلَعَ الحِمامُ عَلَيْهاوجَنى لها ثَمَرَ الرَّدى بِيَدَيْها
رَوَّيْتُ من دَمْها الترابَ وطَالمارَوَّى الهوى شَفَتَيَّ من شَفَتَيْها
وأجلتُ سَيْفي في مَجال خناقهاومَدامِعي تجري على خَدَّيْها
فوَحَقِّ نَعْلَيْها وما وطىء الثَّرىشيءٌ أعَزُّ عَلَيَّ من نَعْلَيْها
ما كان قَتْلِيها لأنِّيَ لم أكُنْأبكي إذا سَقَط الغُبَارُ عليها
لكن بَخِلْتُ على سواي بحُسْنهاوأنِفْتُ من نَظَر العيونِ إليها
وإذا اشتاق إلى الغلام، قبّل البُرْنية المعمولة من رماده، وملأ قدحه منها، واندفع يقول في إنشاده:
أشفقتُ أن يَرِدَ الزَّمانُ بغَدْرِهِأو أُبْتَلى بعد الوِصَالِ بهَجْرهِ
قَمَرٌ أنا استخرجْتُهُ من دَجْنِهِلبليَّتي وأثرته من خدْرهِ
فَقَتَلْتُه ولَهُ عليَّ كرامةٌفليَ الحَشا وله الفؤادُ بأسْرهِ
عَهْدِي به مَيْتاً كأحسنِ نائمٍوالطرف يَسْفَحُ أدمعي في نَحْرهِِ
غُصَصٌ تكادُ تَفٍيضُ منها نَفْسُهُويكاد يخرج قَلْبَهُ مِنْ صَدْرهِ
لو كانَ يَدْرِي الميتُ ماذا بَعْدَهُبالحَيِّ منهُ بَكى لهُ في قَبرهِ
فأي رقاعة أعظم من هذه الرقاعة، وأي خلاعة تشبه هذه الخلاعة، والجنون فنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكان دِيكُ الجنِّ هذا ماجناً خليعاً ظريفاً مطبوعاً مغفلاً رقيعاً، عاكفاً على القَصْف واللهو، رافلاً في ثياب المجون والزهو، متلافاً لما يحصله (من المال)، وشعره في غاية الجودة والكمال، ولُقِّب بديك الجنّ لأنه كان يصبغ لحيته وشاربه وحاجبه بألوان مختلفة، ومات سنة خمسٍ أو ستٍ وثلاثين ومائتين.
وقد رأيت أنا بجامع حِمْص منبراً معظماً قديماً حسناً مطعماً، وكأنه تخلخل وتضعضع، وتقلقل وتقنع، فسمرت بعرضه دفة بيضاء ثقيلة خشنة عريضة طويلة غير مجلوة ولا مصقولة، وهذا من قبيل ما سردناه، ومن جنس ما أوردناه، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
(رجع) فلما أن دعى مؤذن حِمْص من المسلمين لصلاة الظهر وأذّن، أجبناه
بصلاتها مجموعة مع العصر، ثم رحلنا قاصدين الرَّسْتَن، وسرنا بعزمِ غيرِ مرتاب، وبسير يطوي البيد كطي السجل للكتاب، والحرّ قد قويت عزيمته واشتدت شكيمته.
والغبار الكثيف ألبس عطفيعسلياً ودينِيَ التوحيدُ
وكسى عارضيَّ ثوب مشيبورداءُ الشباب غضُّ جديدُ
فوصلناها عندما سئِمت الشمس من الحَرور، وركنت إلى الاكتنان والوكور، وكاد قرصها في العين الحَمِئة يغور، فنزلنا بمرج أريج، ذي نبت بهيج، ومنظر فريج، يحتوشه العاصي من جانبيه، ويتوصل من جسر على عشر قناطر إليه، وهذا الجسر واسع الفناء، محكم البناء، قد أحكم بالبلاط الأسود تبليطه، وله جوانب عالية من حافيته تحوطه، والرَّسْتَن لها ذكر في الملاحم والفتن، وهي قرية على تل قاطع الجسر من جهة حِمْص، ثم هي الآن مأوى لكل سارقٍ ولص.
(رجع) فلما تنبه القمر بعدما رقد، واستنار من مشرقه واتقد، وأسنَّ حسامه المجلو وأحدّ، وآن تجلى الواحد الأحد، من ليلة يسفر صباحها عن يوم الأحد، لم يبق منّا بذلك المحل أحد، وسرنا نقطع مسافة البيداء، ونطوي شُقّتها طي الرداء، فبينا أنا أسير أمام القوم، وقد غلب عليهم النعاس، وحكم عليهم النوم، وإذا باثنين من السرّاق يظنّ أنهما من الرفاق، فوقف المملوك الماشي أمامي وحار، وخاف منهما وجبن وخار، فزبرته وزجرته ونهرته، ثم تقدمت إليهما وسلّمت عليهما لأسبر كنههما وأخبر من هما، وأنا محترز منهما قابضة يدي على الحُسَام، فألقيا إليّ
السلام وعدلا عن الطريق بعد أن ردا عليّ السلام، فتبعتهما فذهبا وأسرعا في المشي وهربا، ثم وقفا يتوامران ويتشازران ويتشاوران، فسقت وراءهما فسقط أحدهما في بعض تلك الوهاد سقطة عظيمة هلك منها أو كاد، وحار الآخر وخاص، ثم ولى مدبراً وله خصاص، ولم نزل نسير مستعدين ونسري مجدين في تلك الفدافد والفيافي ونحن كما قال الرُّصافي:
ومُجِّدين في السُّرى قد تَعَاطوْاخمرات الكَرَى بغيرِ كؤُوسِ
جَنَحُوا وانحنوا على العِيْسِ حتَّىخِلتُهُمْ يعتبون أَيْدي العيسِ
نَبَذُوا الغُمْضَ وهو حُلْوٌ إلى أنْوَجَدوهُ سُلافةً في الرءُوسِ
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع