تجاوز إلى المحتوى

من «المطالع البدرية في المنازل الرومية» لبدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ)

الخروج من دمشق

وصحبت معي من الكتب النافعة في الأسفار بعض أجزاء وأسفار، وخرجت من المدينة وقت الإسفار، وصحبني جماعة من الأصحاب للوداع، وأسرعنا في السير قبل أن يتكاثروا غاية الإسراع، هذا والدموع لا ينحبس وَبْلُها إلاّ وأخلفه طَلُّها، وكلما أفرغ ذَنوبُها امتلأ سَجْلُها، والجوانح لا يهمد وقْدُ ضرامها، إلاّ وأخلفه حرّ أوامها، ولا يخمد تأجج نيرانها إلاّ وأردفه توهج دخانها والشوق بالأحشاء عابث

وبجوانب الضلوع عابث، والقلب من اضطراب أهوائه خافق، وغراب البين ببعد الأحبة ناعق، وسرنا سير مُشمَعِلّ نطوي البيد كطي السجل، فوصلنا بعد تعالي الصباح وارتفاع الشمس قيد ثلاثة رماح إلى المنزل المقرر، وهو قرية ابن فُرْفُور دُمَّر، وهي قرية كبيرة كثيرة الخيرات وافرة الغلات طيبة النبات، فنزلنا بها بمرج لطيف، بديع التدبيج والتفويف، ذي عَرْفٍ أعطر، وربيع أزهر، من عُشْب أخضر، وأقحوان أصفر، وشقيق أحمر، وغير ذلك مما هو عجيب التلوين غريب التكوين، وقد حفّ به من غالب جوانبه نهر بَرَدَى وهو أكبر أنهار الشَّام وأكثرها مددا بل هو أصل

الأنهار ومَصْرِفها وأوسعها وأسرعها وأشرفها، يسقي ما لا يُحصى من القُرى، ويسدّ عند كل قرية ثم يعود كما كان نهراً. فهو من المِنَنِ الغزيرة، ومن الأعاجيب الشهيرة، كما قيل:

نهرٌ يسيل كما يذوب نُضارُوتدور في أيدي الس ُّقاة عُقارُ
فإذا استقام فصارم دامي الظُّباوإذا انحنا جنبٌ به فسِوار
مغرورقُ التيار ملتطم كماخفقت بظهر مهب ريح نار
أحْمَرَّ وأخضرَّ النبات بشطِهِفكأنَّ ذا خدُّ وذاك عِذار

وكما قيل:

نهرٌ يَهيمُ بحُسنهِ مَن لم يَهمْويُجيدُ فيهِ الشِّعرَ من لم يَشْعُرِ
للشاعر مرج الكحل، اقرأ القصيدة
ما اصفرَّ وجهُ الشّمس عند غُروبهاإلاّ لفُرقةِ حُسنِ ذَاك المَنظرِ
للشاعر مرج الكحل، اقرأ القصيدة

ومن أحسن ما قيل في وصف نهر عند الأصيل قول عبد الله بن شارة الإشبيليّ:

النهرُ قد رقّتْ غِلالةُ صبغهوعليه من ذهب الأصيل طرازُ
تترَقرَقُ الأمواجُ فيه كأنهاعُكَنُ الخصُور تهزُّها الأعجازُ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

فأقمنا بذلك المنزل نهارَ الثلاثاء تاسعَ عشرَ شهر رمضان بالتمام، فيا له من يوم ما كان أطولَه، وأخلَقَه بقول أبي تمام:

يومَ الفراقِ لقد خُلِقْتَ طويلالم تُبْقِ لي صبراً ولا مَعْقُولا

وما أحسن ما قال بعده:

لَوْ حَارَ مُرْتَادُ المَنيَّةِ لم يجِدْإلاّ الفراقَ على النفُوسِ سبيلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»
قالوا: الرحيلُ، فما شككْتُ بأنهنَفْسٌ عن الدنيا تُريدُ رَحيلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»

وفي معناه قول المتنبيّ رحمه الله تعالى:

أحْيَا وأيسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلاوالبينُ جارَ على ضُعْفي وَمَا عَدَلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
والوجدُ يَقْوَى كما يَقْوَى النّوى أبداًوالصّبرُ يَنْحَلُ في جسمي كما نَحَلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»
لولا مُفارَقَةُ الأحْبَابِ ما وَجَدَتْلها المَنَايَا إلى أرْوَاحِنَا سُبُلا
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «يا راحلين بقلبي والنهى أفلا»

فلم أزل أتقلّى بجمر ذلك النهار، وأجاري ذلك النهر من دموعي بأنهار، أكنُّ من الوجد ما غاية الثكلى تكنه، وأبدي من الحنين ما لا تطيق الجوانح تُجِنُّه:

فلله كم من لوعة كنت كاتماًلها خيفة العُذّال نَمَّ بها دمعي
إذا كان من عيني على ما تُكنّهضلوعي من الأسرار عين فما صنعي

وقد بَرَّح الخفا بما أخفيه من البُرَحاء، ونزحت أرشية جفوني مياه عيوني بيد البكاء:

أهذا ولما تمض للبين ليلةٌفكيف إذا مرّت عليه شهورُ

فما انقضى ذلك النهار، وحلّ من الصوم الإفطار، إلاّ وقد أشرفت النفس على الزُّهوق والقلب على الانفطار، ثم أقمنا من ليلة الأربعاء أطول الليال إلى مقدار حد الوصية من المال، فما كان أقصر ليلةَ الثلاثاءِ وأطولَ ليلة بعدها، فيا لها من ليلة ما

أخفها يتلوها ليلة ما أشدها كما قيل:

إنّ الليالي للأنامِ مَنَاهلُتُطوى وتُنْشرُ بينها الأعْمَارُ
فقِصارُهنّ مع الهُمُومِ طويلةٌوطِوالهنّ مع السرورِ قصارُ
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة

فلما طلع القمر وسطع نوره وانتشر، ومد بساطه الأزهر على ذلك الزهر، وصقل

نور ضيائه صداد ذلك النهر، عزمنا على الترحال، وشددنا الأحمال على البغال، وودعنا من الأصحاب من بقي وأنشدناهم إن نعش نلتقي، وسرنا وقلبي يتوقف عن اللحاق، ويتخلف عن الرفاق، ويتخوف من فرق الفراق بعد فرح التلاق:

ولولا الترجي للمحبين لم تكنقلوبُهُم يوم النّوى تعمر الصَّدرا

واستمر بنا السير من ذلك الوقت إلى وقت الغداء وجزنا في خلاله بوادي بَرَدَى وهو وادٍ أفيح كثير الأشجار، بعيد القرار عظيم المقدار، عديم المماثل والنظير، ذو مرأى حسن ومنظر نضير، يحف كل قطر منه بستان، ويدور بجنباته نهر بَرَدَى كالثعبان، قد بسطت يد السماء به بُسُطاً سُنْدُسيّة، وطرحت عليه مطارح بالزهر موشية، وقد جر عليه النسيم بعد ذلك ذيوله، وأجال بميدانه خيوله، واستنطق أطياره، وشقق أزراره، وأفشى أسراره، وأذاع رنده وعَرَاره، وفضض نُوّاره، وذهّب

أزهاره، ونثر درهمه وديناره، وحيا ورده وبُهاره، وصافح آسه وجُلّناره، وأطاب تنآه وأخباره، وأمالت بنشأتها قدوده، وأخجلت بقبلتها خدوده، وحشّدت جنوده، وحشرت بيضه وسوده، ونشرت ألويته وبنوده، وملأت تهائمه ونجوده، ونظمت جواهره وعقوده، وأعطت مواثيقه وعهوده:

محلُّ كأنّ الشمسَ تخجل كلمانَضَتْ ثوبِها عن معطفيه مغيبا
تنم رياح الخلد منه لأهلهويطفح تسنيم ويرشح طيبا

ثم جزنا بأعين التُّوت وهي في أمر مريج، وشهيق وعجيج، وزفير ونشيج، ولغط وضجيج، واضطراب والتواء، واعوجاج واستواء، وشكوى مما صنعته يد النّوى، وما أثارته وأثرته شدة الهوى، (ولم نزل) نجدّ في السير ولا نرفق، حتى نزلنا تعالي النهار من يوم الأربعاء عشرين شهر رمضان بمنزلة خَان الفُنْدُق على عين ماء بارد

عذب غدق يغدق، فأقمنا به ريثما نستريح، ونزيح علل الرفاق والدّواب ونريح، ثم ترحلنا منه عندما حان وقت الزوال وامتد الظل ومال، وكان ذلك اليوم

أطول من ظل القناة، وأحرّ من دمع المقلاة، وسرنا والقَيْظُ يشتد حَرُّه، والهجير يتلظَّى جمره، إلى أن وافينا وادي الزَّبَدَانيّ، وقد أعرس بالورد وتزين بالعَرَار والرند، واطردت جداوله أي طرد، وفاح نسيمه المنعش للروح بالطيب والبرد، فتلقانا أهله بحُزم الورد النصيبي، وَوَفُر منه ذلك اليوم حظي ونصيبي، وقلت:

جُزْنا بقومٍ كرامٍوافوا بوردٍ نصيبي
فاجزلوا منه حَظّيومنه وفّوا نصيبي

فيا له من وادٍ ما أحلاه وأملحه، وأفسحه وأفيحه وأفوحه، كأن رياضه سماء زُيّنت بالزواهر، أو قباب زمرد رصعت من الدر والياقوت بأنفس الجواهر، أو عذارى تتجلّى في حلل سندسيّة باسطة أكفها للتسليم، أو مهدية أقداحاً ختامها مسك ومزاجها من صفاء التسنيم، فتركنا عشه ودرجنا، وما عجنا على غير المسير ولا عرجنا، فوصلنا قرية صرغايا أصيل ذلك اليوم، فنزلنا في أحسن المنازل بخلاف بقية القوم في أرض خضرة، بين مياه خصرة وأزهار عطرة، وأشجار نضرة، وجورات تميس بقدود الحور، وتتستر بالأوراق تسترها بالشعور، وحمائم تترنم على أعواد الغصون، وتبدي فنون الأشواق والشجون، كما قيل:

تشدوا بعيدان الأراك حمائمُشدوَ القيان عزفنَ بالأعوادِ
مال النسيم بقضيبه فتمايلتمهتزة الأعطافِ والأجيادِ
هذي تودعُ تلك توديعَ التيقد أيقنت منها بوشك بِِعادِِ
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
واستعبرت بفراقها عين الندىفابتلّ مئزرُ غصنِها المَيّادِ

فبتنا في ذلك المنزل المعظم القدر ليلة الخميس حادي عشر، وهي في أرجح مَيْلَيّ الإمام الشَّافِعيّ ﵁ ليلةُ القدر، وقلت من أبيات:

وقرية صرغايا المعظمةُ القدرِنزلنا بها في مرجها ليلةَ القدر

ثم رحلنا منها وقد بزغ القمر بين النجوم كالملك لابس التاج، مرتدياً بين عساكره

بأبيض الديباج، وقد عوَّض نوره وأغنى في الحالين عن السراج، فسلكنا مسالك سهلة ثم أدركنا مدارك مستصعبة وأعقبنا رقي عقبة، وما أدريك ما العقبة، هي عقبة الرُّمَّانة التي منها القلوب ملانة، ذات مدارجَ وَعِرة، ومناهِجَ عَسِرَة، ومهاد ومشارف، ومثان ومعاطف، تخلع القلب وتقطع النِيَاط، وتذكر بالحشر والحساب والصراط، فزاد حَزْنُها على الفؤاد أحزانه، ورادف بثه وأشجانه، ثم قطعناها عند الصباح، وسرنا في مهامة فيحٍ وفيافٍ فساح، ولم نزل في إتهامٍ وإنجاد، وصعود ربوة وهبوط واد، حتى انتهينا إلى واد كبير، ذي منظر نضير، وعشب كثير، وعينان تجريان على صخر بماء زلال خصر نمير، كما قيل:

ووادٍ حَكَى الخَنْسَاَء لا في شجونهاولكن له عَيْنَانِ تجري على صَخْرِ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «أخلاي بالفيحاء إن طال بعدكم»

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المطالع البدرية في المنازل الرومية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.