من «المطالع البدرية في المنازل الرومية» لبدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ)
فاتحة الكتاب
﷽
وبه أكتفي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات، وتدر البركات، وبمنّته تُغْفَر الزلات وتُقَال العثرات، وبرحمته تقرّ العيون السخِنَات، بلمّ الشَّمل بعد الشتات، وبرأفته يحصل للقلوب القلقة الثبات، بوصل الحبل بعد البتات، أحمده على توافر نعمائه التي مدّها علينا ظلاً ظليلاً، وتواتر آلائه التي أولاها ووالاها مقاماًَ ورحيلا، وأشكره شكراً يكون بمزيد النعم كفيلا، ولمديد الكرم الوافر الوافي منيلا، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادةَ معترف بوجوب وجوده، مغترف من بحار كرمه وجوده، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أشرف رسله وسيد عبيده وناصر دينه القيم وصاحب لواء تحميده، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأشياعه وجنوده، ما عزمت همة امرءٍ على إقامة، أو همت عزيمته بسفر، وما تجلّى صبح بلوغ المآرب عن سُرى ليل المطالب وسَفَر، أما بعد.
فهذا تعليق، أبرزه عون من الله تعالى وتوفيق، قصدتُ به ضبط موارد الرحلة الرُّوميّة، وذكر معاهد الوجهة الشَّماليّة، والتنويه بأسماء بعض من جمعتنا به الرحلة من الأئمة الشيوخ، ذوي التحقيق والرسوخ، من أصحابٍ وخلاّن وأصدقاء وإخوان، ما بين أقران نبلاء، وأعيان كملاء، وتلامذة فضلاء، زادهم الله عِلْمَاً وعملاً، ومن أركان دولة ملك البسيطة، وقطب الدائرة التي هي بالعالم محيطة، ظل الله في الأرض، النافذ الأمر في الطول منها والعرض، ملك البرين والبحرين والعراقين، وحامي الحرمين الشريفين، سليمان الزمان وإسكندر العصر والأوان السُّلطان سليمان خان بن عثمان، لا زالت شمس ملكه مشرقة الأنوار، والدنيا لابسة من شعار سُلطانه حُلل الفخار، ولا زالوا هم مقيمين في دولته ميزان العدل بالقسط، متعاضدين متفقين في نصرة الحق وإعلاء كلمته على أحسن نظام وأنسب
شمط، مطرزاً حلته بذكر بعض ما فتح الله تعالى به من منثور ومنظوم، ومهمات
لطيفة من غوامض العلوم، وقد وسمته بالمطالع البدريّة في المنازل الرُّوميّة، والله تعالى أسأل أن يجعله لوجهه الكريم خالصاً، وأن يظلنا بظله العميم حيث يكون الظل قالصاً بمنه ويمنه، وفضله وطَوْله، فأقول مستعيناً بالله سبحانه، ومؤملاً فضله وغفرانه، ومتوكلاً في كل أحوالي عليه، ومفوضاً جميع أموري إليه: إنني استخرت الله تعالى - وما خاب من استخاره - واستشرت كما أُمرت من هو أهل للاستشارة، في السفر إلى البلاد الرُّوميّة قاصداً محل تخت المُلْك مدينة قُسْطَنْطِينيّة لأمرٍ اقتضى ذلك، وألجأ إلى سلوك هذه المسالك في مدينة دِمَشْق الشَّام، بعد فراق روحها سيدي الوالد شيخ الإسلام، حين نضب المَعين، وفقد المُعين، وخان الأمين، وَمَان من لم نعهده، يمين وقلّ الناصر، وعزّ المواصر، وخذل المؤازر، وصدّت الإخوان، وندت الخلاّن، وافتضح من ذلك الخطب اليسير، من مدعي الصُّحبة والأخوَّة خلق كثير بحيث:
لم يبقَ صافٍ ولا مصافٍولا مَعينٌ ولا مُعين
وفي المساوي بدا التساويفلا أمينٌ ولا يمين
فضاقت الأرض والنفس والمعيشة، وناوشَتْ كلاب المزابل أُسْدَ بِيشَة، فتعينتُ الرِّحْلَة عن المملكة فضلاً عن البلد، وحسنت مفارقة النفس فضلاً عن الأهل والولد.
ولا يقيمُ على ضَيْمٍ يسامُ بهِِإلاّ الأذَلاَّن عَيْرُ الحيِّ والوَتِدُ
إنّ الهَوانَ حمارُ الدار يألفهُوالحرّ ينكرهُ والفيل والأسدُ
هذا على الخسفِ مربوطٌ برُمَّتِهِوذا يُشجُّ فلا يَرْثى له أَحدُ
فاستعذتُ بالله من العجز والكسل، ورفضتُ التعلل بعسى ولعل، ولبستُ جلباب العزم، وامتطيتُ مطية الحَزْم، وأدخلتُ على معتل التواني حرف الجَزْم، وجزمتُ على ترك الدَّعَة والسكون أيَّ جزم، وأخذتُ في إعداد الأهبّة وارتياد الصحبة، إلى
أن كمل الاستعداد، وحصلت الراحلة والرفقة والزاد، وخرجت من مدينة دِمَشْق المحروسة، ومن المنازل والديار المأنوسة، عصرَ يوم الاثنين المكرّم، ثامن عشر شهر رمضان المعظم، سنة ستٍ وثلاثين وتسعمائة، وصحبني من الخدم والرفاق والأصحاب فئة صحبةَ قاضي القضاة ولي الدِّين ابن الفُرْفُور، (وقد حصل عنده
بصحبتي في الظّاهر غاية السرور، والله يعلم خافية الأعين وما تُخفي الصدور)، فوصلت معه إلى الأَسْعَديّة والناصرية، وهما بسفح جبل قَاسِيُون من الصَّالحيّة، ثم أرسلت معه إلى قرية دُمَّر جماعة من الرفاق مع الأحمال، وعَنَّ لي الرجوع إلى الديار لقضاء مآرب وأشغال، وأنشد لسان الحال فقال:
أقول لصحبي حين ساروا، ترفّقوالعلي أرى مَنْ بالجناب الممنعِ
وألثم أرضاً ينبتُ العزّ تربُهاوأسقي ثراها من سحائبِ أدمعي
وينظر طرفي أين أترك مهجتيفقد أقسمتُ أن لا تسيرَ غداً معي
وما أنا إن خلّفتها متأسفٌعليها وقد حلّت بأكرمَ موضعِ
ولكن أخاف العمرُ في البين ينقضيعلى ما أرى والشملُ غيرَ مجمّعِ
وأرجو إلهي أن يمنّ بجمعِناقريباً بخير فهو أكرمُ من دُعي
فوصلتُ إلى الدّار آخر ذلك النهار، والشمس كحبيب يودّع حبيبه، وقد عراه
من ألم الوداع اصفرار كما قيل:
ورُبَّ نهارٍ للفراقِ أصيلُهُووجهي كلا لونَيْهما مُتَنَاسِبُ
ثم فطرت في المنزل عل عادتي المألوفة، وفطر عندي من الأصحاب جماعة لطيفة، ثم احتفت بي الوالدة والأولاد، وتشاكينا حرارة الأكباد ولهيب الفؤاد، وأنشدت بلسان الحال قول من قال:
غداً أودّعُ قوماً أوْدَعُوا كبديناراً، وعهدي بهمْ برداً على الكبدِ
أُبْدي التجلُّدَ أحياناً فيبهرنيريقٌ يجفُّ وخدٌّ بالدُّموعِ ندي
لم أنسَ يوماً تنازَعنا حديث نَوىًوقَوْلَها وهي تبكي: آه يا سندي
كُنَّا إلى القرب أخلدنا فنغَّصَهُهذا الرحيلُ الذي ما مرَّ في خَلدِي
ثم خرجت إلى مدرسة الكامليَّة، وتمشيت ومعي ولدي أحمد - أنشأه الله
تعالى - في جامع بني أمية، فصار لا يفارقني لحظة، ويعيرني في كل ساعة لحظه، وقلت:
لم أنسَ يوم الفراق المرِّ حين دناوالقلبُ باكٍ وطرف العين منبهتُ
ونور عيني المفدى أحمد ولدييمشي قليلاً أمامي ثم يلتفتُ
ثم أُسْرِجَتْ في الكامليّة على عادتها الشموع والمصابيح، وصليت فيها مع جماعة من الأصحاب صلاة التراويح، ثم بِتُّ تلك الليلة في قلق وألم، واستيقظت أواخر الليل فإذا والدتي عند رأسي لم تنم:
أتغلبني عيناي ليلة بينناووالدتي من شدّة الوجد لم تنمْ
أمن قسوةٍ هذا أم الكربُ غامرٌلقلبي مما حلّ فيه من الألمْ
أي والله إنّ القلب لشديد الاحتراق، موثق من الكرب بأشد الوثاق، مثخن بجراحات الفراق:
خليلي لا والله ما القلبُ سالمٌوإن ظهرتْ مِنيّ مخايلُ صاحي
وإلاّ فَما بالي ولم أشْهَدِ الوغاأبيتُ كأني مُثْخَنٌ بجراحِ
فتهيأت حينئذ للصلاة بعد الطهور، وتناولت مما حضر من السحور، وتمليت بوجه
الوالدة والأولاد بقية تلك الليلة، في تلك السويعات اليسيرة القليلة إلى أن أذّن داعي الفلاح، ولمع الفجر بضيائه ولاح وسطع وجه المحجة وبان فتصدع الشمل حينئذٍ وبان:
قالوا الرحيلَ وما تملّت باللقاعيني ولا امتلأت بغير مدامعي
فتيّقَنَتْ روحي بأن مقالهمأن يصدق الحادي أشدَّ مصارع
فيا لله ما ألفه الصباح من عوائد الفراق وما أثره في الأكباد من الانفلاق، وقلت:
أقولُ للصبحِ حين أجْرَىعوائداً منه بالفراقِ
لا أشكر السعي منكَ حتىتكون لي رائدَ التلاقِ
ولما بلغ مولانا المقر الكريم، شيخ المسلمين السيد عبد الرحيم هذان البيتان، أنشدني لنفسه في هذا الشأن قوله:
إن يكن للصباح فضلٌ على الليلبتنويره دجى الأحلاكِ
فله في تفرقِ الشملِ فعلٌلم تسَعْه دوائرُ الأفلاكِ
ثم نهضت إلى صلاة الصبح، مؤملاً من الله تعالى الصلاح والنُّجْح، ثم لمّا ابتسم وجه الصباح وسفر، شددت عليّ باكياً أهبّة السفر:
عَجَبَاً لِقَلْبي يومَ راعتني النَّوَىودنا التفرق كيفَ لَمْ يَتَفَطَّرِ
ثم طافت بي الأحباب للوداع، وتعين العزم على الإزماع، فودّعت الوالدة والأولاد وسائر الأهل، وتجرّعت من ذلك ما ليس بالعذب ولا بالسهل، فما منهم إلاّ من لزمني وانتحب، فما أحقَّ المتلازمين منّا بقول بعض العرب:
بَاتا بأنْعَمِ ليلةٍ حتى بَداصُبْحٌ تلوّح كالأغرِّ الأشقَرِ
فتلازَما عندَ الفرَاقِ صبَابةًأخْذَ الغَريمِ بِفَضْلِ ثوب المُعْسِرِ
والأولاد إذ ذاك ثلاثة، كل منهم في أول سنّ الحداثة، أكبرهم لم يبلغ السبع ولا عرف الضُّرَ والنّفع، وهم يبكون ويتعللون بالمُحال، وينشدون بلسان الحال:
أيا أبتا لا تَرُمْ عندنافإنا بخيرٍ إذا لم تَرِم
نخافُ إذا أضْمَرتَكَ البلادُ نُجْفَى ويُقْطَع عنا الرَّحِم
واندفعت في سرِّي منشداً والدموع تستوقف القُطَار، وتستوكف الأمطار وتبلّ تلك الأقطار، والقلب في وَلَهٍ وعدم إشعار، عمّا عليه من إنشاد أشعار، فقلت:
ودّعتُ قلبي يومَ ودعتُهموقلتُ للنوم انصرف راشدا
وقلتُ للأفراح عنّي ارحليحتى تريني لهمُ شاهدا
وكان لذلك الوداع موقف مشهود، ينثر فيه من الدمع لؤلؤ منضود، وينظم عقوداً في نواحي الخدود، وقلت:
موقفٌ للوداع ينثر فيهدرر نظمت من الآماقِ
كوّنت مثلَ وجدنا في اجتماعوبدت مثل شملنا في افتراقِ
وقد أُسْرِجَتْ الفوانيس والخيول، وأُلجِمتْ الأفواه بما أجرت العيون من السيول، وطاشت الألباب وذَهَلَت العقول من توادع الأحباب، وصبرنا على ما هو أمرُّ من الحَيْن من معالجة شِدّة البَيْن:
مَنْ لم يكن أخذ الهوى بفؤادهفلقد أخذت من الهوى بنصيبِ
فرأيت أنّ أشدَّ كلِ بليةٍقُضيت على أحدٍ فراقُ حبيب
-
ولقد نَظرتُ إلى الفراق فلم أجدللموت لو فقد الفراق سبيلا
ثم ركبت الجواد بعد أن استودعت الله تعالى جميع الأهل والوالدة والأولاد ولقد أصابني بفراقهم ما أنّه:
لو كانَ بالفلك الدوّار لم يَدُرِأو كانَ بالماء لم يُشْرَب من الكدرِ
أو كانَ بالعيس ما بي يوم فرقتهمأعيتْ على السابق الحادي فلم يَسِرِ
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع