تجاوز إلى المحتوى

من «المطالع البدرية في المنازل الرومية» لبدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ)

القسطنطينية

ولم نزل نسير ونحن جلوس، وهي تتبختر بنا تبختر العروس، وتجول بنا خلال ذلك البحر وتجوس، تارة بإبطاءٍ وطوراً بإسراع، وحيناً بمجاديف وآونة بأشراع، وذلك البحر قد راق نعتاً، ورق وصفاً، والأمواج به تعطف صفاً وتنقصف قصفاً، وتأتي خاضعة إلى البرّ فتقبل منه كفا وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفا وتثنى عن الإلمام به عطفاً، وتستحي تارة فتبدي له تملقاً ولطفاً، إلى أن أرسينا بمرسى قُسْطَنْطِينيّة العُظْمى، ذات المحل الأسمى والحمى الأحمى، فتلقانا الأمين سِنَان جلبي أمين الصقالة، وعظّمنا وأجلّنا غاية العظمة والجلالة، وأحلّنا منزلته وحلاله، وكان مولانا السيد أسبغ الله ظلاله، وختم بالصَّالحات أعماله، قد أرسل

إليه بسببنا رسالة، وأزاح عنه بمعرفتنا الجهالة، فحييناه بالتحية والسلام، ودخلنا المدينة بسلام، وذلك حين نشر الأصيل رداءه المذهب، وتقوّضت خيام الضياء ومدت سرادقات الغيهب:

والشّمسُ تَنفضُ زعفراناً في الرّباوتمدّ فوقَ الماء سيفاً مُذْهَبَا

ومعلوم أنّ هذه المدينة دار الطمأنينة وقاعدة الرُّوم وأم المدائن ومقر الملك، ومركز دوران الفلك، ومحطّ الرحال، ومآل الترحال، ومعدن الفخار، وموطن الرؤساء والكبار، ومنبع الإقبال، ومربع الآمال، ومنتهى المقاصد والمطالب، ومشتهى القاصد والطالب، ومظهر شموس السعادة، ومقر جيوش السيادة، آيات محاسنها لم تزل بألسن السمّار متلوة، وعرائس بدائعها لم تبرح على أعين النظّار مجلوّة، من أجلّ ما فُتٍحَ من البلاد، وأعظم ما استخلصته يد الصلاح من الفساد، كم خطبها عظيم من ملوك الزمان، وأمهرها مواضي المشرفيّة وعوالي المران، وهي أشدّ ما يكون إباءً وأقوى ما يمكن منعه واستعصاء إلى أن قصدها من ادخر

له ذلك الفتح في خبر طويل الشرح، وهو المرحوم السعيد الشهيد السُّلطان محمد خان بن مراد خان، ووالد السُّلطان بايزيد بوأهم الله غرف الجنان، بمزيد العفو والغفران، وذلك في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، فذلّت له صعابها، وخضعت لسطوته رقابها، ولان جماحها وتسنى انفتاحها وأعلن فيها بالتهليل والتكبير، وصُرح فيها بالصلاة على البشير النذير، وقامت بها قامات المنائر، وارتفعت فيها درجات المنابر، وأخرست

النواقيس، ونطق بالتأذين على رغم إبليس، وخُطَّت بها المساجد والمدارس، وعمرت بأوقات الخيرات بعدما كانت دوارس، ونصب الدِّين المحمدي خيامه، ورفع الشرع الأحمدي على قللها أعلامه، وبُدلت من الإنجيل بالقرآن، وعُوضت من الرهبان بعلماء الايمان، فأصبحت شموس الدِّين بآفاقها مشرقة، وسحب اليقين بجنباتها مغدقة. وبها من الأئمة الأعلام، وعلماء الإسلام، من العرب والعجم والأرْوَام، ما يتجمّل به الزمان، ويفتخر به العصر والأوان. ومن الجنود الوافرة والأمم المتكاثرة ما يُعزّ به الدِّين ويذلّ به الطغاة المعتدين والبغاة المفسدين، وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى بعضَ من اجتمع بنا من أعيانها وأهليها وقطّانها. وبها من المساجد والجوامع، التي هي لأنواع الخيرات جوامع، ما تقرّ به أعين الموحدين، وتزداد به عبادة المتعبدين، ومن العمارات العظيمة ذات الصدقات الجسيمة والمبرات العميمة ما هو جار أجره إلى يوم الدِّين، ويشهد لفاعله أنه من المحسنين المهتدين. ومن أجلّها المساجد الإحدى عشرة الفائقة المتقاربة المتلاصقة، البديعة الحسنة الرائقة، المنسوبة إلى السُّلطان محمد المشار اليه، أسبغ الله تعالى ملابس رحمته ورضوانه عليه، وهي المدارس الثمانية اللاتي مدرسوها أعظم مدرسي الرُّوم، ولكل منهم أجزل أجر وأجل معلوم، والتاسعة العمارة التي يطعم بها الفقهاء والمتفقهون، ويحلها وينزل بها المقيمون والقاطنون، والمسافرون والظاعنون، وتجري عليهم الأطعمة صباحاً

ومساءً، ويعم خيرها من لا يحصى رجالاً ونساءً، والعاشرة الجامع المعظم السامي الرفعة، المتسع الرقعة، التي تقال فيه الخطبة، وتقام فيه الجمعة، ويجرى في هذه الأماكن من الخيرات ما لا يمكن حده، ولا يحصر عده، والحادية عشرة المارستان وهو مدرسة على كيفية

العمارة. وبها امام مراتب وبجوانبها الحجرات المتعلقة بالمرضى، وهو من أعجب الأشياء لا يُرَى أحسن منه بناء، ولا أبدع إنشاءً، ولا أكمل انتهاء في الحسن وانتماء، ولا أكثر خيراً، ولا أحسن شرباً وميراً، وفيه من قناطير الأشربة والأكْحَال الرفيعة المطيبة، والأدوية الحسنة المعجبة، وسائر المعاجين المعمولة على القواعد الطبية والقوانين إلى ما يضاف إلى ذلك من لحوم الطيور والأغنام على اختلافها وتباين أصنافها، مع ما يحتاج إليه كل واحد ممن يوافيه ويحلّ فيه من غطاء ووطاء، ومشموم ومدرور وشبه ذلك على ما هو معد على أكمله هنالك، وقد رتب على ذلك كله من الأطباء الماهرين والشهود المبرزين والنظّار العارفين والخدّام المتصرفين كل ماهر في معالجته، موثوق بعدالته، مسلّم إليه في معرفته، غير مقصر في تصرفه وخدمته، ويحصل منه كل يوم من التفرقة على الصادرين والواردين ما لا يدخل تحت ضبط حيسوب، ولا يحيط به دفتر ولا مكتوب، وفي مبانيه الرائقة، وصناعاته الفائقة، وطرره الرهيبة ونقوشه العجيبة المنتخبة التي ترفل في ملابس الإعجاب، وتسحر العقول والألباب، ما يفتن النفوس، ويكشف البدور والشموس، ويعجز عن وصفها خطات الأقلام في ساحة الطروس.

وأمّا مسجدها الأعظم أيا صوفيا الذي كان كنيستها العظمى فهو من أعظم معاهدها وأجلّ مشاهدها، يحار النظر فيه، وينحسر دون تصور قوادمه وخوافيه، ذو أبنية غريبة جميلة، وأعمدة عجيبة جليلة، وقبّة عظيمة محيرة للعقل في التربيع والتسديس والتثمين والتدوير والتقويس، فكم من بناء داخل بناء وقوس داخل آخر،

وكم من إحكام وضع، وتحديق صنع، كاثر بذلك بها إرم ذات العماد

وفاخر، فلا يحيط به نظر ولا تفكر، ولا يحكيه عقل ولا تصور:

تجاوزَ حدّ الوهم واللّحظَ والمنَىوأعْشَى الحجى لألاؤه المُتَضَاوِي
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
فتنعكس الأفكار وهي حواسرٌوتنقلبُ الأبصارُ وهي خواسي

وقد كان بها صور أجسام عجيبة الأشكال والأجرام، وقد طمس أكثرها وبقي أثرها، وبها مسجد آخر كان كنيسة أخرى يقال له أيا صوفيا الصغرى ذو أبنية غريبة وأشكال عجيبة، ولكن ليس كالذي سبق ولا يقاربه ولا يناظره في جلالته ولا يناسبه، فما كل صهباء خمرة، ولا كل حمراء جمرة، ولا كل سوداء تمرة:

وما كل دارٍ آنست دارَةَ الحماولا كل بيضاء الترائب زينبُ

وبها من المباني الهائلة، والأسواق الحافلة، والمرابع الرائعة، والمصانع الناصعة، والقصور الشاهقة، والمساكن الرائقة، والمسالك المتسعة، والربوع المبدعة، والمرامي العالية والمراقي السامية، ما تحار فيه الأوهام، وتكلّ دون وصفه الأقلام:

هي القصورُ البيضُ لا ما حدّثواهي القصورُ البيضُ لا ما حدّثوا
تختطف الأبصارُ من لألائهاتختطف الأبصارُ من لألائها

وبها من المفترجات الظريفة، والمنتزهات اللطيفة، والرياض النضرة، والمروج الخضرة، والأزهار الزاهرة، والأشجار الباهرة، ما هو نزهة النفوس، ومسرة العبوس، وبهجة الخواطر، وقرّة النواظر، ومن محاسنها أيضاً أنّ بكل بيت منها روضاً وبئراً يفيض منها الماء فيضاً:

فالجوّ رقراق الشعاع مفوفٌوالماءُ فياض الآتي معسجدُ
والروضُ في حلى الربيعِ كأنمانَطَف الغمائِمَ لؤلؤٌ وزبرجدُ

وبها من الآثار القديمة، والأعمدة العظيمة، والمعالم الجسيمة، والمراسم المقيمة، ما

يذهل الألباب، ويستولي عليها منه العَجَب العُجَاب.

فلما دخلناها في الوقت المذكور، وركنا إلى الاكتنان والوكور، نزلنا أولاً كما أشار مولانا السيد في عمارة المرحوم السُّلطان محمد، شمله الله تعالى برحمته وتغمد، فشاهدنا منها أعظم مشهد وأكرم معبد ومعهد، وخيرات تدلّ على رحمة منشئها وتشهد، وحضر خادم المكان فتفقد مصالحنا وتعهد، وأخلى لنا مكاناً متسعاً فضياً وأفرد، وفرش لنا فرشاً موطاً موطد، وبتنا هناك بأنعم ليلة وأسعد، على مهاد وطى ووطاء ممهد، غير أنّ لواعج الأشواق لا تهمد، ونيران الفراق لا تنطفئ ولا تخمد، بل تتزايد ضراماً وتتوقد، وتتأطد وتتأكد، وكلما جمعنا شمل النوم تبدد، أو

عقلنا نادَّهُ تفلت وتشرد، والقلب كلما آلمه القلق رفع عقيرته وأنشد:

هل إلى أن تَنَامَ عيني سَبيلُإنَّ عهدي بالنومِ عهدٌ طويلُ
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وقد توارد على القلب تقلقان، أنتجهما تحرقان، وأوجبهما تشوقان، أحدهما إلى الأهل والأولاد والأوطان، والثاني إلى مشاهدة مالك الروح والجنان والفؤاد السيد الكريم عبد الرحيم، والثاني أغلب وللأرق أجلب وللب أسلب، إذ لا يقاس الشاهد بالغائب، ولا يلتحق أفراد الجمع بقوة الواحد، ولا الداني الدار بالبعيد المزار:

وأبْرَحُ ما يكون الشوقُ يوماًإذا دَنَتِ الخيامُ من الخيامِ

وقد طال ذلك الليل مع قصره وعَسْعَس، وسألته عن صبحه فقال لو كان حياً لتنفس، كما قال المنشد وهو ابن مُنْقِذ رحمه الله تعالى:

ولرُبَّ ليل تاهَ فيه نجمُهُقضيتهُ سهَراً فطَالَ وعَسْعَسَا
وسَألتهُ عن صُبحهِ فأجابنيلوْ كانَ في قَيدِ الحياةِ تَنفَّسا

فلما تنفس الصباح بعد ما أيسناه، وتحققنا أنّه في قيد الحياة، وأظهر نوره في الآفاق وسناه، وانجاب طيلسان الليل، وشمر للفرار من النهار الذيل، وستر كافور الفجر مسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة على الأنجم الثواقب، قصدت منزل

مولانا المشار إليه، للسلام عليه والمثول بين يديه، فوجدته قد جدّ به ذلك المرض، وأثر في جسمه بعد ذلك الجوهر العرض، وأثقله حمل عبئه وبهض، فلما رآني اجتهد في القيام ونهض، فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، وحنَّ كل منّا حنين المغرم المشتاق، وحمدنا الله تعالى على ما منّ به من التلاق، وتسابقت شهب الدموع من الآماق، وتراكضت جارية في جوانب الأحْدَاق، وتراكمت من العيون سُحبها، وقضى من النحيب نحبها، وأنشدت لبعضهم:

ولما وقفنا للسلام تبادرتدموعي إلى أن كدتُ بالدمع أغرقُ
فقلتُ لعيني هل مع الوصلِ عبرةفقالت ألسْنَا بعدَه نتفرقُ

ولبعضهم:

ووقفتُ بين تأملٍ وتململٍيبدو السرورُ على فؤادي الجازعِ
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، من قصيدة «ذاك الفراق وان أصم مسامعي»
حيرانَ لا أدري لقربٍ رائقأذري المدامعَ أم لبعدٍ رائعِ

ثم جدّد البكاء بالانتحاب الزائد، لفراق شيخ الإسلام الوالد، فحرك لواعج أحزان لم تفتر ولم تهمد، وأضرم نيران أشجان لم تنطف ولم تخمد، فأخذ كل منّا من ذلك حظه وبلغ منه نصيبه، واسترجعنا وحوقلنا من تلك المصيبة، وتوجعنا وتألمنا من رشق سهامها المصيبة، ثم أخذنا نجول في ميادين مذاكرة، ونخوض في بحار محاورة، ونستخرج كمائن محادثة، ونستفتح خزائن منافثه، ونجتلي أبكار أفكار، ونجتذب أهداب آداب، ونقيد شوارد فوائد وأوابد فرائد، فمضى لنا من ذلك يوم:

أشفُّ من الليالي في صفاءٍوأحلى من معاطاةِ الكؤوسِ

فلما استوت شمس ذلك اليوم، ومالت الرؤوس وقت القَيْلُولَة للنوم، خرجنا من عنده للسلام على صاحبنا وصديقنا وحبيبنا الشيخ الأوحد والإمام الأمجد ملا حاجي جلبي عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، هو صدر من صدور أئمة الدِّين،

وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، محافظٌ على الكتاب والسُّنَّة، قائمٌ بأداء الفرض والسُّنَّة، حاملٌ لأعباء صلاح الأمة، باسطٌ للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، ذو أوْرَاد وأذكار يعمّر بها مَجَالسه، وأحوال وأسرار يغمر بها مُجالسه، وجدّ في العبادة، وجهد في الزهادة، ومواظبة صيام، وملازمة قيام:

يقضى بنفع الناس سائرَ يومِهِويجفوه في جنحِ الظلامِ مضاجِعُ
فينفكّ عنه يومُهُ وهو ذاكرٌوينفكّ عنه ليلُهُ وهو راكعُ

فبادرته بالسلام عليه والذهاب إليه لعلمي بأنه ضعيف البُنْية، قديم السن عسر المشية، فقابلني بالرحب والترحيب، وعانقني معانقة الحبيب الحبيب، وترحّم على شيخ الإسلام وبالغ في الثناء وابتهل في الدُّعاء، ولم يدع شيئاً من أنواع الإكرام وأصناف الاحترام وأجناس التلطف في الكلام، فلم أرَ أحسن من لقائه، ولا أزين من ولائه، ولا أجلى من محادثته، ولا أحلى من منافثته، فلم أدر أأرد أم أرود، وافد على مجالس جود أو مجال سجود، وقد كان هو اجتمع بشيخ الإسلام في بلاد الشَّام حين قدمها قافلاً من الحِجَاز، وفاز بمشاهدته كل مفاز، فأكرمه وواخاه وخالله ووالاه، وشهد كل منهما في الآخر أنه ولي الله، فلبثنا عنده وقتاً نجوب في أرجاء المؤانسة ونجول، ثم ودعناه ومضينا إلى محل النزول، وأرسل هو خلف شخص من أكابر الرُّوْم، ليعلم صاحبنا الوزير بالقدوم، فأعاد الجواب بأنّه فرح بذلك وسُرَّ به، وابتهج غاية الابتهاج بسببه، وأن ميعاد الاجتماع به يوم الجمعة بكرة أو يوم الخميس عشية لتنقضي ضيافة السُّلطان بسبب مهم ختان أولاده للأمراء والينكجرية، وهذا المشار إليه هو الهمام المرتضى والحسام المنتضى، حسنة الأيام وغيث الأنام، غمام الندا الهاطل، وحِمَام العدا العاجل، ناظم شمل الفريق، وفاتح باب الأزمة والضيق، جامع أشتات المعالي ومحرز شرط الكمال،

فلم يصلح إلاّ له المقر الكريم العالي الأميري الكبير الوزير المشير العالم العادل الفاضل الكامل الممهدي

المشيدي الذخري العضدي، زعيم جيوش الموحدين، عاضد الغزاة والمجاهدين، آصف الدهر وفريد العصر ووجيد المصر وفخر القطر، وسم العداة وآفة الجُزر، ومالك بيض الطروس وسمر السطور بالبيض والسمر، عين الوزراء العظام، ورأس الأمراء الفخام، وأشدهم بأساً وأقواهم جأشاً، مولانا الوزير المعظم والمشير المفخم إياس باشا:

ذو عزمةٍ كالتماعِ البرقِ واقدةٌتجىءُ من نُصْره بالعارضِ الهطْلِ
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يخف بشرا إذا انهلت أنامله»
لولا السعوُد التي نيطت بهمتِهِلكنتُ أنسبها بُعْداً إلى زحلِ
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «أذوت سموم النوى ريحانة الأمل»

أدام الله سعده، وحرس بعين العناية مجده، ما دارت الأفلاك وسبحت الأملاك، وهو ممن له محبة واعتقاد تام، في سيدي الوالد شيخ الإسلام، وقد حضر إلى عند الوالد حين كان بكلربكي بالشَّام متخشعاً متواضعاً طالباً للبركة والدُّعاء، راغباً في اللحظ والإمداد، ملتمساً للصحبة والوداد، ولم تزل الصحبة بيننا وبينه من ذلك الزمان، والمكاتبات تتردد بيننا وبينه في كل حين وأوان، فوفينا له بما وَعَدَ به وشَرَطَه،

واجتمعنا به بكرة الجمعة في بستانه بر الغَلَطَة، فحصل منه غاية التعظيم، ونهاية التبجيل والتكريم، وتلقاني إلى خارج الدار، وهو مظهر للسرور والاستبشار، فبادر كل منّا لصاحبه وسابق، وصافح واستلم والتزم وعانق، وحيّا بأطيب السلام، ووانس بأعذب الكلام، وسألني عن جماعة من أهل الشَّام، وترحم وترضّى على سيدي شيخ الإسلام، وتألم لفراقه وتوجع وحوقل لتلك المصيبة واسترجع ثم قال: هو باق وسره ما فات، فإن من خلف مثلك ما مات، فإنك نعم الخلف، كما كان ﵀ نعم السلف، ونعتني بالعلم والفضل التام، وشهّرني بذلك عند الخاص والعام، وسألني ابتداءً منه فيما لنا من الحاجات والأشغال، لتقضى بإذن الله تعالى على أكمل الأحوال، والله تعالى هو المأمول، في المقاصد

كلها والمسؤول، في قضاء الحاجات جلّها وقلّها، وسألني عن محل النزول فقلت له الآن في عمارة السُّلطان محمد ويريد مولانا السيد أن ينزلنا عنده؛ فقد أخلى لنا مكاناً حسناً وأفرد، فقال: تقدمنا السيد وسبق، وإلاّ فنحن كنا بذلك أحق. وحصل منه من التواضع والرقة ما لا يعبر عنه ولم يصدر في حق أحد غيرنا منه ولله تعالى الحمد أهل الثناء والمجد، ثم اجتمعت به ببيته بالمدينة ثاني مرّة، فبالغ في الإكرام والمبرّة، وأظهر غاية البشر والمسرّة، وأهديت له مهاداة الأحباب، مُصْحَفاً معظماً بخط ابن البَوّاب، وبُرْدَة لطيفة، وسُبْحَة بَلُّور ظريفة، فقابل ذلك بالإقبال والقبول والتقبيل، وأنزل منزلة الكثير ذلك النزر القليل، وقرأ في المُصْحَف في أماكن عدّة، ثم قرأ بعض أبيات من البُرْدَة، وسألني عن معناها، فأجبته بأجوبة ارتضاها، وسألني: هل المعوذتان من القرآن قطعاً أو هما من قبيل التعوذ؟ فقلت له:

هما من القرآن قطعاً. وأمّا ما نقل عن ابن مَسْعود أنّه أسقطهما من مُصْحَفه وأنكر كونهما قرآناً؛ فعنه أجوبة منها أنّ هذا النقل لم يصح عن ابن مَسْعود كما قال الفخر الرَّازيّ وابن حزم في المحلى وغيرهما، وعليه شيخ الإسلام محيي الدين النوويّ، ومنها أنّه إنّما أنكر كتابتهما لا كونهما قرآناً، لأنّه كانت السُّنَّة عنده أن لا يكتب في المُصْحَف إلاّ ما أمر النبي ﷺ بإثباته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به، وعليه القاضي أبو بكر وغيره، واستحسنه ابن حَجَر ورد الجواب الأول بصحة النقل عن ابن مَسْعود بإسقاطهما من مُصْحَفه من طريق أحمد وابنه وابن حبّان والطبرانيّ وغيرهم، ومنها أنّه لم يستقر عنده القطع بأنهما من القرآن، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وحاصله أنهما كانتا متواترتين في عصره، لكنهما لم تتواترا عنده لا أنهما تواترا بعد ذلك، لما يلزم عليه من أنّ القرآن أو بعضه ليس بمتواتر في الأصل، وهذا الجواب لابن الصبّاغ وهو حسن. وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مَسْعود أنّ المعوذتين ليستا من القرآن

لأنه رأى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين ﵄ فأقام على ظنه، ولا نقول إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار، ومما يؤيد قوله رواية الدارقطنيّ والبزار عنه أنّه كان يحكِ المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر النبي ﷺ أن يتعوّذ بهما فأعجبه ذلك جداً وسألني في كتابته، ثم عَنّ لي كتابة شرح مختصر لطيف على البُرْدَة، فكتبته في مدّة يسيرة، وسميته الزُّبْدَة، وآخر على آية الكرسي محرر مطوَّل، ففرغ في مدة يسيرة وتكمل، وبيّضت للوزير نسخة بالأوّل، ففرح بها غاية الفرح، وسرّ كثيراً وانشرح، ثم اجتمع به قاضي العسكر قادري جلبي، فكلمه

وأكد عليه بسببي وقال: كل (ما هو) متعلق به فهو متعلق بي، وأمره بالاعتناء بشأني من كل الوجوه، وقال: ليس لي صديق في الشَّام إلاّ هذا الرجل وأبوه، وأمرني بالاجتماع بالقاضي المشار إليه للمعرفة به والسلام عليه، فأكرم غاية الإكرام، وبالغ في التعظيم والاحترام، ووعد بقضاء الأشغال على التمام، وصار بيننا وبينه صحبة ومودّة ومحبة، واجتمعت بمولانا الوزير، والمدبر المشير، قسيم المشار إليه، وتاليه وعاضده ومواليه، المقر الكريم العالي المولوي الأمير الكبير الزعيم المشير الذخري العضدي الممهدي الموطدي، فخر الملوك والسَّلاطين، ذخر الفقراء والمساكين، آصف الزمان وفريد الأوان، ضالة الناشىء الناشد، وبغية القاصي العاضد، وحديقة الرأي الرائد، غيث الندى الغائث، وليث الوغا اللايث، مولانا قاسم باشا الوزير الثالث:

خلّى له عن طريقِ المجدِ حاسدُهُومرّ ساحلَ صوبَ العارض الهَطِلِ
حلمٌ وعَزْمٌ ورأيٌ محصدٌ ونداسبحان جامع هذا الفَضْلِ في رجلِ

فأهّل غاية التأهيل، وبالغ في الإكرام والتبجيل، والتمس ما لنا من الضرورات والمهمات، ليسعى في قضائها على أكمل الحالات، والله تعالى هو المأمول

والمقصود والمسؤول. وصار بيننا وبين المشار إليه صداقة ومحبّة ومودّة ومؤانسة وصحبة، والله

تعالى يعاملنا وإياه بخفي ألطافه ووفي عونه وإسعافه بمنه وكرمه آمين).

هذا كله وأرباب الدولة مشتغلون بمهم الخِتَان، المتعلق بأولاد مولانا السُّلطان، وليس ثم موكب ولا ديوان، واستمر ذلك مدة وأيّاماً عدة، استوعبت غالب شهر ذي القعدة، فلما انفتح الديوان مفتتح ذي الحجة الحرام، اهتم الوزير بحاجتنا غاية الاهتمام، والتمس منا كتابة ورقة بما نطلبه، وما نحن بصدده، فكتبناها فسلّمها هو لقاضي العسكر بيده، وأكد عليه بسبب ذلك ووصى، فبادر ذلك سفر السُّلطان إلى مدينة برصاه وصحبه إبراهيم باشا الوزير الأعظم، ثم كان عودهما في أواخر شهر المحرم، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما جرى بعد ذلك من بلوغ المرام، ثم العود الى بلاد الشَّام إن شاء الله تعالى، ولنلتفت الآن الى سياق التنقلات فى المنازل الرُّوميّة والتفضلات الرحيميّة، فأقول:

لمّا نزلت بعمارة السُّلطان محمد، وانفردت بذلك المكان المفرد، وصرت بين أهل تلك المدينة كالشامة البيضاء فى الثور الأسود، أعاني الغربة وأقاسي الكربة، لا أجد مألفاً ولا صديقاً ولا أنيساً ولا شفيقاً ولا رفيقاً رفيقا، فاستوحش قلبي، وطاش لبي، وزاد كربي، وعظم خطبي، وضاق صدري، وقلّ صبري، وترادفت عليّ هموم، وتواردت لديّ غموم، من ذلك فراق الوالدة والأولاد والأهل، وارتكاب خطة أمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، ودخولي في أمر لم أعتده، وشأن لم آلفه ولم

أرتده وأعهده، وكنت سمعت من متمعقلين بالشَّام بأنّ هؤلاء الأروام لا يعرفون مقدار أحد، ولا يلتفتون إلى من صدر أو ورد، فزادني ذلك فرقاً، وأكسبني وسواساً وقلقاً، فألقى الله سبحانه على الجنان، ما نطق به اللسان، وأبان عنه البيان، وجرى به البنان، فقلت:

إلى الله في كل الأمور توسليبهادي الورى المختار أشرفَ مُرْسَلِ
محمدٍ المبعوثِ من آل هاشمٍإلى الخلْقِ بالدين القويمِ المكمَلِ
لقد خُصَّ بالإرسالِ حقاً بآخِرٍكما خُصَّ في الإنشاءِ خلقاً بأولِ
رفعتُ إليه قصتي من حوادثٍوَهَى جَلَدي منها وقلَّ تحمُّلي
ألا يا رسول الله أني عائذٌبجاهِكِ من خَطْبٍ عَراني مُجلّلِ
فراقٌ لأولادي وأمي وعشرتيوأهلي وأصحابي وداري ومنزلي
وتشتيتُ شملي في البلاد وغُربتيبغير شفوقٍ لي عليه مُعوّلي
وقَصْدِي لحاجاتٍ أروم قضاءَِهاسريعاً وأخشى أنها لا تعجّلِ
ويخفِقُ من إخفاقها القلبُ سيديويؤنِسُه علمي بأنك موئلي
وخوفي من كيدِ الحسود ومكرِهومن قصدِه بغياً إصابةَ مقتلي
ومن ذلّ نفسي عند إعراض مدبرٍوفتنةِ تعظيمٍ لإقبالِ مقبلِ
وكثرةِ تردادي لبابٍ محجّبٍعزيزٍ إليه كلّ وقتٍ تَوَصُلي
ومن رؤيتي غيرَ الإله وفعلهِلدي كل حالٍ مجمل ومفصّلِ
فقوتي منها الله ثم وسيلتيمحمد الهادي النبي المفضَّلِ
فليس على غيرِ الإله توكليوليس بغير الهاشمي توسُلي

فببركة التوجه إلى الله الملك العلام، والتوسل بنبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لم يقابلنا أحد من الأكابر إلاّ بغاية الإكرام والتعظيم والتبجيل والاحترام، والله تعالى هو المأمول في نجاح المطالب وبلوغ المآرب إنه سبحانه لا يخيب من توكّل عليه، والتجأ في كل أموره إليه، وكان من تمام السعد والتوفيق، الانتماء إلى جناب الجَنَاب الكريم العريق، الصَّديق الصديق، بل الشقيق الشفيق، بل الركن الوثيق، والسيد على التحقيق، ذي الحسب الصميم الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي الباهر، والجمال الزاهي الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى

كمالات المظاهر، والفضل الذي تطفَّل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير موارده، والبيت الذي نمي على قواعد الدِّين بل نمي الدِّين على قواعده، فقام على أرفع أركان وأثبت أساس، وارتفع بالفضل على سائر الناس، كيف وبانيه عمّ النبي صلّى الله عليه

وسلم أبو الفضل العباس، فهو ابن عمّ من ختمت به الرسالة والنبوة، وعمته بركة العمومة الزاكية والبنوَّة، السيد الكريم والسند العظيم الإمام بدر الدِّين أبو الفتح عبد الرحيم، فأنزلني بمنزل جوار منزله، وأنهلني من صافي منهله، وأغدق عليَّ سبب فضله وتفضله، فأقمنا بذلك المنزل حيناً من الدهر نحو شهر ونصف شهر، ثم انتقلنا إلى مكان نفيس لطيف حسن أنيس، أخلاه لنا داخل داره، بالقرب من مكانه الذّي هو مقيم به وجواره، فلم نزل مدة مقامنا في حماه وجواره، فكان لنا جاراً كجار إبي دُواد، وغمرتنا منه بوالغ نعم وسوابغ أياد، وأنالنا من شمول لطفه ولطف شمائله ما برَّد الكبد وأثلج الفؤاد، ومن القرب إلى حضرته ما خفف عن القلب حرّ نيران البعاد، أخالُني بمجالسته جليس القَعْقَاع بن شَوْر، وأقتطف من مؤانسته أنيق ثمر وأعبق نور، وأجتني من مفاكهاته الجنيات ما هو ألذ من فاكهة الجنات، وأتحلى بزلال بحره المتدفق الجاري، وأتجلّى بعقد نظمه الفائق على الدّرر بل الدراري، وأجمع من زهر منثوره ما فاق عَرار نجد، وسما على شذا البان والرند، وأربى على عرف النرجس والورد، وأنبسط في داره تبسطي في داري وأبلغ،

وأتنعم في ظلال جواره بأخفض عيش وأرفع وأرفغ، وأتفيأ من ظلاله أورف ظل وأسبغ، فألفى منه ركناً عظيماً، ومأوىً كريماً، وأباً براً رحيماً، فكان حكاية بعض ذلك الحال ما أنشده طفيل الغَنَويّ، فقال:

جزى الله خيراً جعفراً حين أزْلَقتبنا نعلُنَا في الواطئينَ فَزَلَّتِ
أبَو أن يَملُّونا ولو أنّ أمَّناتُلاقي الذي يَلقَوْنَ منا لمَلّتِ
هُم خَلَطونا في النفوسِ وألجأواإلى حُجُراتٍ أدفَأتْ وأظَلَّتِ

وقد كتبت عنه أشياء تفوق الحصر، وكتب عني أشياء قصد بها حصول الرفعة والجبر، فمّما كتبته عنه واستفدته منه مؤلَّفه شرح المقامات، وهو عجيب في بابه، ولم يكمل إلى الآن. وشرحه على الخَزْرجيّة، وهو جامع حسن، وشرحه على شواهد التلخيص المسمّى بمعاهد التنصيص، وقد لخصته في منزله في مختصر سميته تقريب المعاهد، وغير ذلك من مؤلفاته ومروياته، وحكى لي عن بعض مشايخ الكبار أنّ العالمة المحدثة فاطِمَة بنت المنجا التَّنُوخِيَّة كانت متزوجة برجل دونها في الفضل، ثم تغاضبا وتفارقا فلامها بعض تلامذتها على فراقه، فأنشدت:

لما رأيتُ الودَّ منه قد انقضىوأراد حبلَ الوصل أن يتمزَّقَا
فارقتُه ونفضتُ من يدهِ يديوقرأتُ لي وله وأن يتفرَّقَا

ونقل بلفظه وقرأته بخطه ما حكى أنّ الرشيد أجرى الخيل يوماً بالرَّقّة، فوقف متلوماً حتى طلعت، فإذا في أولها فرسَان في عنان، فتأملهما فقال: فرسي والله، ثم تبين وقال: وفرس ابني عبد الله، فجاء الفرسَان أمام الخيل، فرسه السابق وفرس المأمون المُصَلِّي فسرّ بذلك. قال الأصْمَعي: فقلت للفضل يا أبا العبّاس هذا من أيّامي فاحتل بأن توصلني فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الأصْمَعي قد أعدَّ في أمر الفرسين شيئاً يزيد به سرور أمير المؤمنين، فقال هات يا أصْمَعي. قلت: يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم وفرساكما كما قالت الخَنْساء، وقد قيل لها كدت تفضلين أخاك على أبيك:

جَارَى أَباهُ فأقْبَلا وَهُمَايَتَعاوَرَانِ مُلاَءةَ الحُضْرِ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «جارى أباه فأقبلا وهما»
وَهُما كأَنَّهُما وَقَد برَزَاصَقْرانِ قد حَطَّا على وَكْرِ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «جارى أباه فأقبلا وهما»
حتى إذا جدَّ الجراءُ وقَدْساوت هُنَاكَ العُذْرَ بالعُذْرِ
وَعَلاَ هُتَافُ النَّاسِ أيُّهُما؟قَالَ المُجِيبُ هُنَاكَ لا أدْري
للشاعر الخنساء، من قصيدة «جارى أباه فأقبلا وهما»
برقتْ صفحةُ وَجْهِ والدِهِومَضى عَلَى غراتِهِ يَجْري
أوْلى فأوْلى أنْ يُسَاوِيَهُلوْلا جَلالُ السِِّنِّ والكِِبْرِ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «جارى أباه فأقبلا وهما»

قيل لأبي عبيد: ليس هذا في مجموع شعرها، فقال: العامة أسقط من أن يجاد عليها بمثل هذا قولها مُلاَءَة الحُضْر، يعني به غبرة الفرسين اللذين أثاراهما جعلتهما كأنهما يرتديان بها ويتجاذبانها.

ونقل أن عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين كانتا تحت مُصْعب بن الزبير فحجتا معاً ومحملاهما متعادلان، فأنشد حادي عائشة:

عائشَ يا ذاتَ الحِمالِ السِّتينلا زِلْتِ مذ عِشْتِ كذا تَحُجِّين

فأجابه حادي سُكينة:

عائش ما ذي ضَرَّةٌ تشنوكِلولا أَبوها ما اهتدى أبوك

فقالت عائشةُ لحاديها: أكفف، والقصة مشهورة.

وحكى لي عن الشيخ العَلاَّمة زين الدِّين الأسديّ أنّه حكى له عمن نقل عن قاضي القُضاة صدر الدِّين المناويّ أنه قرأ قول الخَنْساء في أخيها:

ولوْلا كَثرَةُ البَاكينَ حَوْليعَلَى أمواتهم لقَتَلْتُ نَفْسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
ومَا يَبْكُونَ مثلَ أخي وَلكِنْأُسلّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي
للشاعر عبد الجليل الطباطبائي، اقرأ القصيدة

فصحفها وما بيكون بتقديم الباء الموحدَة، واحتج به على جواز إدخال الباء على الفعل المضارع كما هو في ألسنة العوام، فذكر ذلك للركراكيّ قاضي القضاة المالكيّ فأظهر استحسان ذلك، وحَسَن له أن يذكره بحضرة السُّلطان وكان في نفسه منه شيء، فلما ذكر ذلك بحضرة السُّلطان، قال المالكيّ: لعلّ هذا تصحف على مولانا، وإنما هو يبكون بتقديم الياء المثناة من تحت، فخجل صدر الدِّين، ويقال إنّ ذلك كان سبب موته والله تعالى أعلم.

وأنشدني للعلاّمة المُحَقِّق الشيخ شهاب الدِّين بن شُقَير التُّونسيّ ﵀:

سائلي عن قضيتي في البراغيثخُذ الشرحَ إن أردتَ التّقصّي
نحن فيها ما بين قَتْل وفتْلٍوهي فينا ما بين قَرْصٍ ورَقْصِ

وذكر أنّه أنشده أيضاً لنفسه أو غيره يهجو، وهو نوع لطيف:

جماعةٌ كلّهم قشورُما فيهم واحدٌ لبابُ
رابعهم كلبهم ولكنمن حيثُ ما يبدو الحسابُ

وأنشدني لسيدي الوالد شيخ الإسلام ﵁ مما أنشده إياه، وكان قد رآه راكباً في موكب السائر شخصاً أسود يقال له عبد القادر العدويّ:

لما رأيت البدرَ سائر أسوداًفي موكبٍ متلاطمِ الأمواجِ
ناديتهم لا تعجبوا من شأنِهالبدرُ يسري مع ظلامٍ داجي

وحكى عن سيدي الوالد ﵁ وأمدّنا بمدده في الدنيا والآخرة، أنّ ممّا وقع له معه وهو نازل عنده في بيته مختفياً في قَيْطُون بيت ابن حجر ببركة الرطلي من القَاهِرَة أنه كان كثيراً من الليالي ما يوقظه للقيام، ويسمع صوته عند رأسه يقول: يا هو قم. وبينه وبينه ثلاثة أبواب مغلقة، وأنه كان كثير التغلّق إذ ذاك، فقال له هذه خلوة حصلت لك فلا تخرج منها حتى تبلغ الأربعين فكان كذلك.

وحكى لي عنه ﵁ أنه حكى له أنه كان مغرماً بحب الجمال، فأراه الله تعالى في عالم الحسن صورة حورية، فانتسخ ذلك من قلبه بالكليّة، وأخبرني أنه كان جالساً بحضرته يوماً، ﵁، فدخل رجل يقال له وفا الجوهريّ وهو من محبيه وهو متغير الوجه فسأله عن حاله، فقال: يا سيدي رأيت الليلة مناماً وأنسيته، فقال له ﵁ وهو يضحك: أُخبرك به؟ فقال: نعم، فقال: رأيت النبي ﷺ وهو يخبرك أن أجلك اقترب فتيقظ لنفسك، فصرخ وفا

صرخة كادت روحه تخرج معها، وقال: نعم، هكذا والله رأيت، ثم قام من المجلس وهو مضطرب متواجد، فما كان إلاّ دون الشهر ومات وفا

المذكور. وحكى لي عنه أيضاً غير ذلك، وكراماته ﵁ أكثر من أن تُحْصَر، وقد ذكرت منها جانباً في القصيدة القافيّة التي رثيته بها، وسأذكرها قريباً إن شاء الله تعالى.

وأخبرني عن قاضي القضاة محب الدِّين بن الشِّحْنَة عمن ينقل عنه من أهل العرفان والعلم، أنّ من قرأ آية الكرسي إحدى عشرة مرة عند قصده حاجة أو دخوله على كبير، فإنه يقضي حاجته ويعظم في عين ذلك الكبير، ولم يزل في حرز وحماية ونجاح مقصد وكفاية، (وقد نقلت ذلك أيضاً عن بعض من اعتقد فيه الصلاح، وذكر أنها تقرأ سبع عشرة مرَّة)، ونقل عن بعض الصلحاء من أهل مِصْر أنه من قرأ بعد العُطَاس فاتحة الكتاب ثم قوله تعالى: (قال من يُحيى العِظَامَ وَهيَ رَمِيم، قل يُحيها الذي أنشأها أول مَرَّةٍ وهو بِكلِ خلقٍ عَليم) ومرّ بلسانه على أسنانه جميعها، فإنها تحفظ من الآفات، ولا يصيبه منها سوء، ومما أنشدنا إياه من نظمه، فسح الله في أجله، ونفع بعلمه قوله، وهو معنى مخترع:

أحبُّ من البريّةِ كلَّ سَمْحٍقريب المستقى سَهْلَ القيادِ
إذا ناداه مُفْتقِرٌ لبرٍّأجابَ نداهُ قبل صَدَى المنادي

وقوله مضمناً:

دَعْ الهوى واعزُمْ علىفِعْل التُّقى ولا تَسَلْ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «دع الهوى واعزم على»
فآفة الرأي الهوىوآفة العَجْز الكَسَلْ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «دع الهوى واعزم على»

وقوله أيضاً:

افعلْ جميلاً وانْسَه تُحصِهمن سرِّه يدري ونجواه
فإن أسنى حُلَّة لامرئٍأن يفعلَ الخيرَ وينساه
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «افعل جميلاً أنت تحصده»

وقوله وقد جلس فوقه في مجلس بعض الرؤساء جاهل:

إن يقعد الجاهلُ فوْقي ولمْيَرْعَ ذمامَ العلمِ والأصْلِ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «إن يقعد الجاهل فوقي ولم»
فالشمسُ يعلو زُحَلٌ أوجَهاوهي على الغاية في الفضلِ

وقوله:

كثير من الخلان يبدي تملقاًوفي قلبه داءٌ من الشر موبقُ
كبحرٍ أُجاجٍ لا يسوغُ مذاقُهُيُرِيكَ صَفاءً قاعُهُ وهو مغرِقُ

وقوله:

في الدهر قومٌ ملئت نفوسُهم من خبثِ

أجدُّ في فراق ما قد ألِفوا من رفثِ

اغسل رجلي فإنك نويت رفعَ الحدثِ

وقوله:

حالُ المقلّ لم يزلْيشكو اضطراراً مَسَّهُ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «حال المُقلَّ لم يزل»
يقول لما ضيفهيُذْهب عنه أُنسهُ
إنّ الذي يزورنييظلمني ونفسَهُ

وقوله:

يا واهباً غفرانَه لمن أعزّ شأنههبْ لفؤادي قوةً تزِدْ به إيمانَه
حتّى يقول دائماً لمن يرى جثمانهسبحانه سبحانه سبحانه سبحانه

وقوله:

أرى الدّهرَ يسعِفُ جُهَّالهفأوفرُ حظّ به الجَاهِلُ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «أرى الدَّهر يسعف جُهَّاله»
وانظر حَظِي به ناقصاًأيحسَبُنِي أنني فاضلُ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «أرى الدَّهر يسعف جُهَّاله»

فأجبته بديهة بقولي:

أعَبْدَ الرحيمِ سَليلَ العُلاويا فاضِلاً دونه الفاضِلُ
أتَعْتَب دهراً غداً موقناًبأنك في أهله الكامِلُ

وقوله أحجية:

يا سيداً قد تسامىعن كلِ شين ومقتِ
ما بنورِه منتهاهامرادف غِبَّ وقتِ

فأجبته بقولي:

يا سيداً ذا نعوتعلَتْ على كل نَعْتِ
لعلّ آخر صَادٍبما تحاجيه يأتي

وبقولي أيضاً:

يا بحرَ علم وجودٍلكل غادٍ وصَادِ
لعل ذا اللغز يأتيفي ختمٍ سورة صادِ

ومن الغرائب ما سمعه في المنام، وقد مات السُّلطان سليم خان، وأُخْفِي موَتُه إلى أن يحضر ولده سليمان:

قُل لشياطينَ البغاة اخسئواقد أوتي الملك سُلَيمان

وأخبرني أنه رأى نفسه في المنام وهو ينشد ويشير للأديب علاء الدِّين ابن مُلَيك وكان حيّاً:

هذا الأديبُ لص نشَّالفي كلّ بيتٍ كمْ لو خزيَهْ
يبطُّ يشْرُطُ ويشْتَالُوَيْش يعملوا أهلُ قطيَهْ

وكتب لبعض الأكابر وقد التمس منه حاجة ففوّض قضاءها لرجل اسمه صالح قوله:

يا مظْهرَ الآمل والمرتجيومَفْخَر الحامِد والمادحِ
خالص ودي لم يكن فَاسِدَاًفلا تَكِلْ أمري إلى صالحِ

وكتب لقاضي قُسْطَنْطِينيَّة سعدي، وقد عَمَّر منزلاً وسكن فيه يوم النيروز قوله:

يا عظيماً دونَه شمسُ الضحىبدليل قطٍ ما فيه خفا
هي بالمنزل تعطى شرفاًوبك المنزل يُعطى الشرفا

وأنشدني أول اجتماعي به في بيته بمنزلة القُسْطَنْطِينيّة في هذه الرحلة قوله:

عَجِبَ الأنامُ لنورِ قُطْرٍ زُرْتَهيا ذا العُلا والمجدِ والتمكين
فعجبتُ من إعجابهم وأجبتهملمَ لا يُضِيءُ الكونَ بدرُ الدينِ

وأنشدني من قصائده الطوال، حرس الله ذاته من عين الكمال، شيئاً كثيراً كتبت منها جملة في غير هذا الكتاب، واخترت أن أذكر هنا منها ما أَرْسَلهُ لشيخ الإسلام الوالد ضمن كتاب وهو قوله:

يا فؤادي وأين مني فؤاديلستُ أدريه ضلَّ في أي وادِ
شُعَبُ الحبِ قد تشعّبَ قلبيفي ذراها وغابَ عنه الهادي
يا خليليّ إن تَمُرَّا بلَعْلفانشداهُ ما بين تلك الوهادِ
وهو في قبضةِ الغرامِ أسيرٌدون فادٍ أو هالك دون وادي
ليس غيرُ الصّدى يردُّ جواباًلي عنه في حالةِ الإنشادِ
كلما قلتُ أينَ ضَلّ فؤاديرَدّ لي منه أينَ ضَلّ فؤادي
كم ليالٍ سهرتُها وسميريفي دُجَاها زُهْرُ النجومِ البوادي
أذْرَعُ الأفْقَ بين شرقٍ وغربٍبجفونٍ تعافُ طيبَ الرَّقَادِ
أحسنتُ صَنْعةَ البديعِ فوافتْبِجِناسٍ بين السّها والسُّهاد
وكذاك الطِباق لاح فصبريفي انتقاصٍ ومَدمعي في ازديادِ
والصباح استعار من هَجْرِ حُبيحُلّةً أورثته طُولَ التمَادِي
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
فترى الطّرفَ في ارتقابِ سناهمثل رُقْبَى أهِلّةِ الأعيَادِ
لو بدا لي وجهُ الرَّضِيّ لأغْنَىعن سناه بنورهِ الوقّادِ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
سيدٌ لم يزلْ يَمُدّ مواليهبفيضٍ من أغزرِ الأمدادِ
ولعبد الرحيم رَحْمَى لَديْهِهو في ظلها وثيرُ المِهَادِ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
لم يزلْ منه لي نتائجَ لطفٍغادياتٌ تفوقُ سحَّ الغوادي
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
والتفاتٍ بخاطرٍ حائلٍ مابين حالي وبين أهلِ العنادِ
وسلوكٍ على طريقٍ قويمٍمُوصِل هَديُه لنهجِ الرشادِ
لستُ أنسى لياليا بِحمَاهُبتُّ فيها قريرَ عينِ الودَادِ
راتعاً من ولائها في برودٍنَسْجُها محكمٍ بِصُنْعِ الأيادِ
وظلالٍ من فيضِهِ سابغاتٍلم يزلْ في جبرها فيَّ امتدادِ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
وتلافٍ لمّا بدا من تلافٍبصلاح يزيل عَيْثَ الفسادِ
ليتَ أيامُنا المواضي تفدّىبالبواقي من جالباتِ البعادِ
فله في الحَشَا اضطرامُ لهيبٍليس يُطْفى بغير نيل المرادِ
حقّق الله في التلاقي رجاءًهو للنفس أشرفُ الأزوادِ
وأزاحَ الأعذارَ عنه وحيَّاوأراح الفؤادَ ممّا يعادي
يا وليِّ الوجودِ عَطفاً على منهو من مُنْتداك في خير نادِ
ما له غيرُ ظلِّ جودك ظلٌفهو يعدو به على كلِ عادِ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
دمتَ للعالمين بحرُ علومٍيرتوي منه كلّ صادٍ وغادي
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
ولشيخِ الشيوخ نجلك سعدذو نمو من مالك الإسعادِ
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «والصباح استعار من هجر حبِّي»
ومعاليه قرّة لعيونٍمن نوالٍ وسخنة للمعادي
ما أذيل اللقاء من يوم بينوأعاد السرور لطفَ المعادِ

وما كتبه أيضاً لشيخ الإسلام أيضاً ضمن مطالعة وأراد إرسالها صحبة مولانا حاجي جلبي حين قدم الشَّام حَاجّاً، ثم لم يتيسر إرسالها معه فأرسلها صحبة غيره، واختصر منها الأبيات المتعلقة بالمشار إليه:

هل لي إلى سُبل اللقاءِ وُصُولُلأرى وحبل مسرتي موصولُ
وتقرّ عينٌ طالما باتت بهوالجفن معها بالقذا مكحُولُ
ويقرّ قلبٌ دائم خفقانهويصحّ جسْمٌ بالأسى مَعْلولُ
وأقولُ غفرا للذي جَنَتِ النّوىوأحيدُ عن ذمّي لها وأحولُ
وأرى الذي فوقَ العنان محلُّهرأي العَيان وينقضي التخييلُ
وتزولَ أوهام الحُلُوم وينتهيشبه يحقّق دَرْكَها التأميلُ
فهنالك الآمالُ يذهبُ عينُهاويفوت وسواسٌ بها ويزولُ
وأرى محيّاه رضياً كاسمهعني وبرغمِ حاسدٍ وجهولُ
فهو المنى والقصدُ والسؤلُ الذيأبغيه والمرجوّ والمأمولُ
يا من به وبحبِهِ وولائهأحيا وأُقْبَرُ لستُ عنه أزولُ
عودتني بلطيف برٍّ عادةًكم عادَ لي مما تُعِيدُ جميلُ
ترتاحُ روحي عندَ لقياها كمايرتاحُ من روح الشّفاءُ عليلُ
ويهزُّني عند إذكاري لطْفهاطربٌ كما هزَّ الحكيمَ شمولُ
وأظلّ مرتقباً طلوعَ سعودِهارُقْبى الهلال وقد أطلَّ حلولُ
والآن إبطاءُ سيبها في سحّهوغَدَتْ رياض الأنس وهي محولُ
وذوتْ غروس أنت غارسها ومِنْشأن السحابِ تكرم وهطولُ
فابلل بها رَمَقاً متى أهمَلْتَهحُقَّ الفناء وحُتّم التَحْويلُ
ولأنت أكرم شيمة من أن يرىلك سائل والدمع منه يسيلُ
واهنأ بلقيا سيد فرع الورىعِلْماً وقد طابت لديه أصولُ
متفرّدُ جمعت حسان خلالِهِغرراً لها زهرُ السّماءِ حُجولُ
عرف المعارفَ قد تضوّع نشرهُمنه وبقولهِ عليه دليلُ
حَسْبُ المشيد به اختصارُ حديثهمتعمداً فالشرحُ فيه يطولُ
يهوى لقاكَ بالسَّماع وقد أبىإلاّ العيان فجدَّ منه رحيلُ
وإذا التقى البحران قُلْ في مجمعِالبحرين مهما شئت فهو قليلُ
والعبدُ في حال التلاقي راغبٌفي دعوةٍ تعطى المُنَى وتُنيلُ
لا زلْتَ ظلاً سابغاً يأوي لهُمن كان في طلبِ الخلاصِ يجولُ
ولنجلك البدريّ أسنى رتبةٍتسمو إليها هِمّةٌ وتميلُ
ويدومُ كهفاً للأنام وملجأًفي ظلّه تأوي الورى وتقيلُ
ما سُلَّ سيفُ الفجرِ من غِمْدِ الدُّجىوَبَدا بكف الشّرقِ وهو صقيلُ

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المطالع البدرية في المنازل الرومية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.