من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
القرافة
والقرافة على نحو ميلين من القاهرة، قال في المُغْرِبْ في أخبار المَغْرِب وبت ليالي بقرافة الفسطاط وهي في شرقيها، وبها قبور عليها مبانٍ معتنى بها، وفيها القبة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعي، وبها مسجد وجامع، ومدرسة كبيرة للشافعية، وترب كثيرة، ولا تكاد تخلو من الطرب ولا سيما الليالي المقمرة، وهي أعظم مجتمعات أهل مصر. وفوق القرافة من شرقيها جبل المقطم، وليس له علو ولا عليه اخضرار، وإنَّما يقصد للبركة والإجماع على أنه ليس في الدنيا مقبرة
أعجب منها، ولا أبهى من أبنيتها، ولا أحسن تربة منها، كأنَّها الكافور والزعفران، مقدسة في جميع الكتب، من أشرف عليها رآها كأنَّها مدينة بيضاء، والمقطم عليها كأنَّه حائط من ورائها. وقال شافع بن علي:
تعجبتُ من أمر القرافة إذ غدتعلى وحشة الموتى لها قلبنا يصبو
فألفيتها مأوى الأحبة كلّهمومستوطن الأحباب يصبو له القلبُ
وقال آخر:
إذا ما ضاقَ صدري لم أجد ليمقر نزاهة إلا القرافه
لئن لم يرحم المولى افتقاريوقلةَ ناصري لم ألقَ رافه
وفيها تربة الليث بن سعد الحنفي ويكون عنده سُرُج وخيرات وجمع، بحيث لا يوجد في مكانه قدر شبر خالٍ من القراء والفقراء والزوار، وهو مجرب لتفريج المضايق، وفيه قيل:
الليثُ قُدّس سرّهوزكا أريجاً نشرُه
ما أَمَّهُ ذو كُربةٍإلا وآذن بِشْرُه
قال ابن خلكان: إن الليث كان حنفي المذهب وإنه ولي القضاء بمصر، وإن مالكاً أهدى إليه صينية تمر فأعادها مملوءة ذهباً، توفي سنة خمس وسبعين ومائة، وسمع من الهاتف عند دفنه:
دُفن الليثُ فلا ليثَ لكمومضى العلمُ غريباً وقُبِر
وهنالك تربة الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدّس الله سره، وهي تحت العارض، وهو مفازة بجبل المقطم، وفيه يقول أبو الحسين القصاب:
لم يبق صَيّبُ مُزْنةٍ إلا وقدوجبت عليه زيارةُ ابن الفارضِ
لا غرو أن يروي الصديّ ولحدُهُأبداً ليوم العرضِ تحت العارضِ
ولابن حجلة:
-
سقى السفح من ذيل المقطّم عارضٌتعارضهُ من دمع عيني مواطره
فكم فيه من صبٍ قضى وغرامهأوائله لا تنقضي وأواخره
وهذه التربة تجلو عن القلب الصدأ، وترشده إلى سبيل الهدى، وفيها يجد الفؤاد من السرور ما يملأ ألف وادٍ، قال في البرق الوامض: ولد ابن الفارض لست وأربعين وخمسمائة، وحَدّث عن القاسم بن عساكر وسمع منه الحافظ المنذري وروى شعره، قال: وكان قد جمع بين الجزالة والحلاوة في شعره. وكان أبوه يتولى الفروض بالقاهرة، قال ابن خلكان: كان على قدم التجريد، كثير الخير، جاور بمكة زماناً، وكان محمود العشرة. وفي تذكرة الكندي قال: حدّث شيخنا شهاب الدين محمود، أن ابن الفارض كان قاضياً، فلما كان في بعض الأيام من يوم جمعة دخل المسجد للصلاة وقت الخطبة، فوجد شخصاً يغني فنوى تأديبه، فلما انقضت الصلاة وانتشر الناس، برز، فناداه المذكور أن أقبل، فلما أقبل أنشده:
قسمَ الإلهُ الأمرَ بين عبادهِفالصبُّ ينشد والخَلىّ يسبحُ
ولعمري التسبيح خير عبادةللناسكين، وذا لقوم يصلحُ
فكان ذلك سبب زهده وفراق رسوم تهامته ونجده، وفي تذكرة الصلاح للصفدي أنه لما اجتمع بالشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة المشرفة أنشده:
في حالةِ البعدِ روحي كنتُ أُرسلهاتقبّل الأرض عني فهي نائبتي
وهذه نوبةُ الأشباحِ قد حضرتفامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
وتوقف النيل في أيامه، فأرسل إليه الملك الكامل وهو بالروضة، فكتب رقعة وأمرهم أن يلقوها في النيل، فلما ألقوها فيه زاد وغمر البلاد، وهي هذه الأبيات:
يا أيها النيلُ المباركُ إن تكنمن عندِ ربكَ تأتِ فاجْرِ بأمرِه
أو إن تكن من عند نفسك آتياًفالله يبسط بِرَّه في بَرِّه
كم من بلاد لست تسلك أرضهاملأ الإله بيوتها من بِرِّه
قال الصليبي اللعين بكفرهوالكفر يركض في جوانب صدرِه
مسرى سرى والنيل أضحى واقفاًوالدمع يجري من توقف بحرِه
ومضى النسيء وليس فيه زيادةإن النسيء زيادة في كفرِه
نحن الألى فزنا بجاه محمدٍوبدينه وبفضله وبفخرِه
فغنيّنا يرجوه ذُخْرَ غنائهوفقيرنا يرجو نداه لفقرِه
يا بَرُّ إن البُرَّ أصبح غالياًفارخص بحق ما غلا من سعرِه
وأفض على السد المبارك ماءهواكسره ربّ فجبرنا في كسرِه
ومن أحسن ما رأيت بمصر المحروسة خان الخليلي فإنه كنز جمع من المحاسن أسناها، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن سَعَته وتشعب طرقه يكاد يكون مدينة مستقلة، وفيه قيل:
كلُّ أرضٍ قد تسامتباقتضا أمر جليلِ
فعليها مصر جَلّتإذ حوت خان الخليلِ
ورأيت بها محلاً يسمّى الماورديين، يحويه ثمانية أبواب، وهو مرتب الوضع متشعب، يكاد يضل فيه من لم يعرفه، بل ويقول بلسان الحال:
لا تسلكن طريقاً لستَ تعرفهابلا دليلٍ فتهوى في مغاويها
وقد جمع أنواع العطر وأصناف الثياب، إلى غير ذلك من المحاسن واللطائف، وبقربه صاغة اليهود، ولها سبعة أبواب، فلهما مناسبة بالجنة والنار، من حيث عدد الأبواب والكفر والإسلام.
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع