من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
قصة
حكي أن الإمام زين العابدين لما أُتيَ به إلى يزيد قال له: أنت ابن الذي قتله الله!؟ فقال: أنا ابن الذي قتله الناس. فقرأ يزيد وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فتلا الإمام زين العابدين ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها فلم يُحِرْ يزيد جواباً. وهذا من أعظم مواقف الحيرة، وإن تشعّب فيه طرق التأويل.
(وأما المشهد) فقال المقريزي: إن الأفضل ابن أمير الجيوش خرج في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى البيت المقدس، ولما دخل عسقلان أخرج رأس الحسين من مكان دارس، فعطّره وحمله إلى القاهرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وبنى بها ذلك المشهد الذي يشهد له بالإحسان، وكان الذي نقله إلى عسقلان من دار السلاح سليمان بن عبد الملك، ولما تكامل البناء حمل الرأس على صدره، وسعى به ماشياً إلى أن أحله في مقره، فكان كما قيل:
وضعوهُ في جَدَثٍ كأن ضريحهُفي قلبِ كلّ موحدٍ محفورُ
فيه السماحةُ والفصاحةُ والتقىوترابُ تربة قبرهِ الكافورُ
وفي هذا المجال قال من قال:
عجباً لهذا الدهرِ في أفعالهِرأسٌ بمصر وجثة في كربلا
يا قلب إن لم تعتبر مما ترىفي الكونِ من تصريفهِ كرُّ البلا
وقد اعتنيَ الدهر بهذا المشهد، وصاروا لله المنة من أحسن عمارات مصر، وعلى التربة رباط في غاية المحاسن، ومرتّبات يؤدى واجبها. ولهذا المشهد يوم من السنة وهو يوم عاشوراء، وفيه يقول البوصيري:
كل يومٍ وكل أرضٍ لكربيمنهم كربلا وعاشوراء
وهو يوم تجديد الأحزان، وتغيير وجه الزمان، ولو لم يكن فيه إلا إحياء سنة أكثروا من ذكر هاذم اللذات وإن أعرضت عن ذلك نفوس همتها قتل المذكور بقتل الذكر، إذ ليس في يدها غير ذلك. ولقد قيل:
أترجو أمة قتلت حسيناًشفاعةَ جدِّه يومَ الحسابِ
وللشيعة في هذا اليوم سُنن، منها عدم الاكتحال، وتلطّف في ذلك من قال:
ولائمٌ لامَ في اكتحالييومَ أراقوا دمَ الحسينِ
فقلتُ دعني أحق عضوفيه بلبس السواد عيني
ومنها الندب والنياحة، وإلى الصبر مصير الجزع، وما أحسن ما قال المتنبي:
علينا لك الإسعادُ إن كان نافعاًبشقِ قلوبٍ لا بشقِ جيوبِ
وقد فارقَ الناسُ الأحبةَ قبلناوأعيا دواءُ الموت كلّ طبيبِ
ومن المزارات التي بمصر مشهد السيدة نفيسة طيّب الله ثراها، وهي بنت الحسن ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أمها أم ولد، ولدت بمكة سنة أربع وخمسين ومائة، وقدمت مصر سنة إحدى وسبعين، وبها نشأت وتزوجت بإسحاق المؤتمن بن الإمام جعفر الصادق، فولدت منه القاسم وأم كلثوم ولم يعقبا، وكانت من الزهد والصلاح على ما لا مزيد عليه، وحجّت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن وتفسره، ولا تأكل إلا في ثلاثة أيام أكلة واحدة.
ويحكى أن النيل توقف مرة فَرُفع إليها خَبَرُه، وما حصل بسببه من القحط، فأمرت أن يلقى قناعها في النيل، فلما أُلقيَ زاد النيل، كذا في الخطط!
ومن المزارات بمصر تربة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وفي ذلك قيل:
لما خشيتُ من الجحيمِ وحرِّهاخوفاً وقد ضاقت عليّ مسالكي
زرتُ الإمامَ الشافعي لعلنيأجدُ الرضى بالشافعي من مالكي
بِتُّ بها ليلة تجاه ذلك القبر المُعطّر، والقراء حوله يتلون الكتاب المطهّر، بأحسن أداء يتحرك له الجماد ويصفو له الفؤاد، فبتنا تلك الليلة نحييها، ونميت النوم ونعصي بالسهر أمره، فماله من سلطان على أعين القوم، وكانت ليلة سبت مبارك، جاد بها الدهر من فضل الله تعالى وتبارك.
يا ليلة مرَّت لنا حلوةبها انتصفنا من صروفِ الزمانِ
كانت على وفق المنى ليلةكم جهد قولي كان فيها وكان
قال في إمتاع الأسماع: ولم يزل قبر الشافعي مزاراً يتبرك به إلى سنة ثمان وستمائة، حيث انتهى بناء هذه القبة التي هي على ضريحه، وقد أنشأها الملك العادل ابن
أيوب، وبلغت النفقه عليها خمسين ألف دينار، وقال الشعراء في شأن هذه القبة وأكثروا، فمن ذلك:
أتيت لقبرِ الشافعي أزورهُفعارضني فُلكٌ وما عنده بحرُ
فقلتُ تعالى الله تلك إشارةٌتشيرُ بأنَّ البحرَ قد ضمه قبرُ
وقال النابلسي:
لقد أصبحَ الشافعي الإمامٌوفينا له مذهبٌ مُذهبُ
ولو لم يكن بحر علمٍ لماغدا وعلى قبرهِ مركبُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع