من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
فائدة (١٩)
حلب هذه المدينة الشهباء، وهي من أوسع البلاد قطراً، وأنجعها قَطراً، كثيرة الخيرات طيبة الهواء، صحيحة التربة، لها سور حصين وقلعة بديعة المثال، منيعة المنال.
ذكر اليافعي في تاريخه في حوادث سنة ما ملخصه: أنه لما فتح صلاح
الدين مدينة حلب، أنشده القاضي يحيى شرف الدين أبو المعالي بن الحسن علي محمد القرشي العثماني الأموي، قصيدة أجاد فيها كلّ الإجادة، وكان من جملتها هذا البيت:
وفتحكَ القلعةَ الشهباَء في صفرمبشرٌ بفتوح القدسِ في رجبْ
فكان ما قال، فُتِحتْ لثلاث بقين من رجب سنة، فقيل له من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن مرجانة في قوله تعالى ألم غُلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون في بضع سنين والمنقول عن ابن مرجانة أنه ذكر حساباً طويلاً، وطريقاً في استخراج ذلك من قوله بضع سنين انتهى المنقول من التاريخ.
قال الزَجّاجي: وكان الخليل ﵇ يحلب غنمه بها ويتصدق بثلثه، فيقول الفقراء على سبيل الاستفهام: حلب؟ فسمِّيت بذلك. وقيل كانت له ناقة شهباء وكان يفعل بها كذلك.
أرتك يدُ الخيرِ آثارهاوأخرَجت الأرضُ أثقالها
وما منعت جارَها بلدةٌكما منعت حلب جارها
هي الخلدُ تجمعُ ما يشتهيفزرها فطوبى لمن زارها
وقال:
حلبُ الشهباءُ قالتسائر المدنِ عبيدي
وأنا بختي ورختيبين سعد وسعيدِ
وقال:
غدت حلب تقولُ دمشقُ حُفَّتبأنواع من الورد العجيبِ
فبالجُورِيّ إن هي كاثرتنىقنعتُ أنا ببستان النقيبِ
رأيت بها الأبيض اليقق والأسود الحالك، والأصفر الفاقع، ورأيت بها أنواعاً من الأزهار العطرة، وأما المأكول فهو فيها على ضروب مختلفة، وأما قلعتها فهي من عجائب القلاع في حسن الأوضاع.
قال القزويني: ولها نهر تيار يأتيها من جهة الشمال يقال له قويق بالتصغير، فيخترق أرضها، ولها قناة مباركة تخترق شوارعها ودورها وحمّاماتها، وماؤها عذب فرات، ولها القلعة الراسخة يقال في أساسها ثمانية آلاف عمود، وهي ظاهرة الرؤوس بسفحها، وأبناؤها أهل السماحة والجود.
حُكيَ أن شخصاً كان بها يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف مالاً كثيراً، فأنفقه على الشعراء والزوّار، فقصده البحتري وقد أعدم، فلما قدم إلى حلب قيل إنه قعد في بيته لديون ركبته، فاغتمَّ لذلك وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه، فلما وصلته بكى وأمر غلامه أن يبيع داره، فقال له: تبيعها وتبقى على رؤوس الناس!؟ فقال: لا بد من ذلك. فباعها بثلاثمائة دينار وكتب معها:
لو يكون الحِباءُ حسب الذي أنتَ له عندنا محلُّ وأهلُ
لحثيتُ اللجينَ والدّرّ والياقوت حثواً وكان ذاك يقلُّ
والأديبُ الأريبُ يسمحُ بالعذرِ إذا قصّر الصديقُ المقلُّ
فلما وصلت إلى البحتري رَدَّ الدنانير وكتب معها:
بأبي أنت، أنت للبرِ أهلٌوالمساعي بعد وسعيك قبلُ
والنوال القليلُ بكثيرٍ إن شاءّ مرجِّيك والكثير يقلُّ
غير أني رددتُ برِّك إذ كانرباً منك والربا لا يحلُّ
وإذا ما جزيتَ شعراً بشعرٍقُضي الحقُ والدنانير فضلُ
فلما عادت الدنانير إليه ضمَّ إليها خمسين أخرى، وحلف أنه لا يردها عليه، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول:
شكرتكَ إن الشكر للعبدِ نعمةومن يشكر المعروفَ فالله زائده
لكل زمانٍ واحدٌ يقتدى بهِوهذا زمان أنت لا شكَّ واحدُه
انتهى من النوادر المأنوسة في أخبار حلب المحروسة:
ليس العطاءُ من الفضولِ سماحةٌحتى تجود وما لديك قليلُ
ومنها ما يُحكى أن شاعراً قصد الجواد الأفضل وكانت له أيام يحتجب فيها، فصادف أيام الاحتجاب فكتب في رقعة:
ماذا أقول إذا رجعتُ وقيل ليماذا رأيتَ من الجواد الأفضلِ
إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلَّبخل الجوادُ بمالهِ لم يَجْمُلِ
فاختر لنفسكَ ما أقول فإننيلا بدَّ أخبرهم وإن لم أُسألِ
ثم طوى الرقعة وجعلها في قصبة وختمها بشمع وأرسلها في قناة تسير بين يدي الجواد، فلما وصلت إليه ونظر فيها، أمر له ببدرة مال وكتب معها هذه الأبيات:
عاجلتنا فأتاك عاجلُ برّناقِلاً ولو أمهلتنا لم نقللِ
فخذ القليلَ وكن كأنّك لم تسلونكون نحن كأننا لم نُسألِ
فلما خرج الخازن ودفع إليه المال قال الشاعر:
يا أيها المولى الذيأضحى وليس له نظيرُ
لو كان مثلكَ آخرُما كان في الدنيا فقيرُ
ويحكى أن رجلاً قصد سيف الدولة وقد عمّ القحط، واشتدت الأزمة وقلّ المسعِد، واستوى المُقِلّ والمُكْثِر، والغني والمعسر، فكتب إليه رقعة وكان له إلى الفضل ميل، وله على أهله أيادٍ طويلة الذيل، وهذه صورة الكتابة: لقد عرضت فاقة أسقطتْ رداء الحياء عن منكب الحريّة، وأنطقت لسان التعفّف على خلاف العادة بالمسألة، وأحوجت أهل الصيانة إلى تحمّل ذلك الابتذال، وقد وقع في النفس أن في رأفة مولانا وبِرّه ما يكشف ضَرّاً، ويستوجب على الأبد حمداً وشكراً.
فامننْ بما يغني ويثمرُ دائماًحمداً يدومُ على مدى الأيامِ
فلما وقف على ذلك وقع منه بموقع، فأرسل على يد غلام ما دفع الحاجة، فكتب على يد الغلام:
شكرَتْك عنَّي كلُّ قافيةٍتختالُ بين المدحِ والغزلِ
فلقد ملأتَ بما مننتَ بهِكفَّ الرجاءِ ومنتهى الأملِ
فلما وقف على ذلك طرب له وقال: هذا الرجل أهل للإحسان إليه، فاستدعاه وأغدق عليه بلطائف برّه.
وهكذا المجدُ إن صحّت قواعدُهليس التكحّلُ في العينينِ كالكُحلِ
أقول: خَفِّضْ عليك، فلو أتيت بألف مجلّد، فيها أخبار مائة ألف جواد، لم تجد من يجود عليك بسماع قصة من تلك القصص، إلا على توهِّم أنّه أخف، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وما أعجب ما قال:
لا تمدحنَّ ابن عباد وإن هطلتْكفّاهُ بالجودِ حتى أخجل الدِيَما
فإنها خطراتٌ من وَساسهِيعطي ويمنعُ لا بخلاً ولا كرما
ومن محاسن الشهاب الحلبي:
شوقي شديدٌ إلى لقياكِ يا حلبُمن نازح شفّه في بعده النصبُ
فلاعِج الشوقِ قد أودى تضرّمهُوهذه المهلكاتُ الوَجْدُ والوَصَبُ
إن كان منك محبٌ قد نأى فلهُقلبٌ لديكَ لما قد ناله نَحِبُ
يا بلدة ألبستني بالبها حُللامن الفخارِ سقى أرجاءكِ السحبُ
حيّاكِ هاطلُ مُزْنٍ جاد وابلهُواعشوْشَبَ الروضُ واخضرت بكِ القُضُبُ
ولا عداك من الخيراتِ وافرهافرَبْعُ واديك رحبٌ يانعٌ خصِبُ
ولي لديكِ أخلاءٌ وإن هجروافشخصُهم في سويدا القلبِ منتصِبُ
أفديهم أسرة عالٍ مقامهمقد زانَهم في الورى الإفضالُ والحسبُ
بيضُ الوجوهِ كرامٌ ما لفخرهمحدٌّ وشأنهم الإكرام والأدبُ
فأقمت في ربعها المنيع، وجنينا من ينيعها المريع، في رياض تسلسلت جداول مياهها، وقصور تزين الأفق بنجوم سمائها، مع إخوان الصفا وخُلان الوفا.
هكذا أقطعُ الزمانَ سروراًلو على وصلهِ وجدتُ اقتدارا
وجنابي يقولُ عنه لسانيلو دنا الحيُّ أو وصلت الديارا
أين من رتبّي الملوك وأنّيأين إسكندر الزمان ودارا
ولما كان آخر شعبان المكرم رحلنا فأتينا على سراقب، وهي ضيعة لطيفة فيها خان، وبها أبنية محكمة العمارة، ومساجد، وحمّامات. ثم أتينا على خان مرعى وهو بنيان عظيم، وحوله زراعات وضيعة لطيفة.
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع