من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
المعرَّة
ثم أتينا على المعرَّة وهي بلدة كثيرة التين والزيتون، وإليها ينسب أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري صاحب التصانيف المشهورة والتآليف المذكورة، يقال إنه كان ينتحل مذهب البراهمة، ولا يرى إتلاف الحيوان، ولد سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بمعرَّة النعمان، وجدّر في السنة الثالثة فعمي، قرأ الفنون ونظم
وله إحدى عشرة سنة، وكان في غاية الذكاء وأعجوبة في الحفظ، عاش ستاً وثمانين سنة، وأنشد على قبره ست وثمانون مرثية، من أجلِّها مرثية الشريف الرضي التي منها:
إن كنت لم تُرِق الدماَء زَهادةًفلقد أرَقْتَ اليوم من جفني دما
والناس يفاضلون بينه وبين ابن سيده، يقولون أعميان إمامان حافظان، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب. وله ديوان سمَّاه سقط الزند شرحه كثير من العلماء، منهم صدر الأفاضل، وله من نظم لزوم ما لا يلزم خمسة أجزاء، وله شعر نُسِب به إلى الإلحاد، وقيل موضوعٌ عليه منه، والله الهادي.
عقولٌ تستخفُ بها السطورُولا يدري الفتى لمن الثبورُ
كتابُ محمد وكتابُ موسىوإنجيلُ ابن مريم والزبورُ
ويمكن أن يكون المراد الذين يتّبعون ما تشابه منه، كما أخذ علي أبي طالب المكي حيث قال: ليس على المخلوق أضرّ من الخالق، من لم يفهم المراد، فإن الله تعالى هو النافع الضار، والإحتمالات كثيرة، والصحيح أن المراد لا يدفع الإيراد، وعليه جاء من فَسَّر القرآن الكريم برأيه فقد كفر ومنه:
راح من راح والثريّا الثريّاوالسِماك السِماك والنسر نسرُ
ونجوم السماءِ تعجب منّاكيف تبقى من بعدنا وتمرُّ
وهذا كما تراه، ليس نصاً في عدم فناء النجوم، بل تأخرها عنَّا، ولا خلاف فيه غير أن النفوس لا تختار التقدم عليها إلا في الفناء، ولا تحب تأخيرها إلا في البقاء، وقيل إنه تاب في آخر عمره وحسن اعتقاده، كما قيل في الزمخشري. ونسب إليه القرطبي هذه الأبيات في تذكرته:
يا من يرى مد البعوض جناحهافي ظلمة الليل البهيم الأليلِ
ويرى عروق نياطها في نحرهاوالمخ في تلك العظام النُحّلِ
إغفر لعبد تاب من فرطاتهما كان منه في الزمان الأوّلِ
وحكى المقري في تذكرته أنها للزمخشري. ولما دُفن وجد مكتوب على قبره:
قد كان صاحبُ هذا القبر جوهرةلطيفة صاغها الباري من النُطَفِ
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتهافردّها غيرةً منه إلى الصدفِ
وأمر أن يكتب على قبره:
هذا ماجناه أبي علَيْيَ وما جنيتُ على أحدْ
ومن كلامه:
أبا العلاء بن سليماناعماك قد أولاك إحسانا
لو عاينت عيناك هذا الورىلم يلْقَ إنسانُك إنسانا
وله:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةوحُقَّ لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيامُ حتى كأننازجاجٌ ولكن لا يعاد لنا سَبْكُ
وله:
من كان يطلب من أيامهِ عجباًفلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا
الناس كالناس والأيام واحدةٌوالدهرُ كالدهرِ والدنيا لمن غلبا
ومن نصائحه:
إذا بلغ الوليد لديك عشراًفلا يدخل على الحرمِ الوليدُ
فإن خالفتني ونبذتَ نصحيفأنت وإن أفدت غِنىً بليدُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع