من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
جِنان الشام
ثم أتينا على حرستا، يقال إنَّها أول قرية يخسف بها. ثم لم نزل في رياض
مشهوده، وحياض موروده، بين مبانٍ وثيقه ومغانٍ أنيقه، حتى أشرفنا على جنان الشام التي هي برداء المحاسن تتباهى، فإذا هو هي أو هي إياها، رياض تغنت أطيارها، فتمايلت طرباً أشجارها، رياض مخضلَّة الربى، وغياض معتلَّة الصبا، رياض تنوح بها الأطيار، وتتباكى فيها الأمطار، رياض تميل طرباً وتميد عجباً:
وما الشام في البلادِ إلا كشامةعروسة أرضِ الله في الشرق والغربِ
بها مَرْجة تزهو وقد فاح نشرهاوشحرورها غنّى سُحيراً على القُضْبِ
بها الورد سلطان ينادي بدوحهاهلموا قبيل الموتِ للأكل والشربِ
ولابن عُنَيْن:
ولا تتركوا يوم السرورِ إلى غدٍفَرُبَّ غداً يمضي المُحيل إلى التُربِ
وقال:
دمشق التي شوقي إليها مبرّحوإن لَجّ واشٍ أو ألحَّ عذولُ
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقوصحَّ نسيم الروضِ وهو عليلُ
بلاد بها الحصباء درّ وتربهاعبير وأنفاس الشمال شمول
وقال:
حسناً ما رأيت من فعل نهرٍلِهواه الغصون يجري إليها
فهو من فرطِ وجَده إذ يراهاشامخاتٍ يخرّ بين يديها
وقال:
تحنّ إلى وادي دمشق جوانحيوإن كان ممن قلّ فيه نصيبي
وإني لأهوى قاسيون لأننيرأيت اسمه يحكي فؤاد حبيبي
وقال:
دمشق بواديها رياض نواضربها ينجلي عن قلبِ ناظرها الهمُ
على نفسهِ فليبكِ من ضاعَ عمرُهوليس له منها نصيبٌ ولا سهمُ
وقال:
علّلاني عن الشامِ بذكرحنّ قلبي إليه بالأشواقِ
مثلته الذكرى لعيني كأنّيأتمشى هناك بالأحداقِ
وقال:
دمشق في محاسنها جِنانولذّات النعيم لساكنيها
وما فيها حماها الله عيبسوى الإكرام للغرباء فيها
وقال:
دمشق قل ما شئت في حُسنهاواحْكِ عن الربوة ما تحكي
فالطير قد غنَّى على عودهوزفها بالدفِّ والجنكِ
وقال:
انظر إلى الربوة مستمتعاتجد من اللّذة ما يكفي
فالطيرُ قد غنى على عودِهِفي الروض بينِ الجنك والدفِ
وقال:
للهِ يوم في دمشق قطعتُهحَلَف الزمانُ بمثله لا يَغْلَطُ
الطير يقرأ والغدير صحيفةوالريح تكتب والسحاب يُنقّطُ
وقال:
أشتاق في وادي دمشق معهداكلّ الجمال إلى حماه ينسبُ
ما فيه إلا روضة أو جوسقأو جدول أو بلبل أو رَبْرَبُ
وكأن ذاك النهر فيه معصمٌبيدِ النسيمِ منقّش ومكتّبُ
وإذا تكسر ماؤه أبصرتهفي الحال بين رياضه يتشعبُ
والوُرْقُ تنشد والنسيم مشبّبوالنهرُ يسقي والحدائق تشربُ
وضياعها ضاعَ النسيمُ بها فكمأضحى له من بيننا متطلّبُ
ولكم طربتُ على السماعِ بعودهاوغدا بربوتها اللسان يشبّبُ
فمتى أزور معالماً أبوابهابسماحها كتبُ الغرام تبوّبُ
وقد أبدع ابن الصائغ حيث قال:
أدمشق لا بعدتْ ديارك عن فتىأبداً إليك بكلّه يتشوّقُ
أشتاق منك منازلاً لم أنسهاإنّي وقلبي في ربوعك موثقُ
مهما اتجهتُ رأيت دَوْحاً ماؤهمتسلسل يعلو عليه ويخفقُ
فالريح تكتب والجداول أسطرخطاً له نسج الغمام محققُ
والطير يقرأ والنسيم مردِّدوالغُصن يرقص والغدير يصفّقُ
ومعاطف الأغصان هزّتها الصباطرباً فذا عارٍ وهذا مورقُ
والوردُ في الألوانِ يجلو منظراًونسيمه عطرٌ كمسك يعبقُ
فبلابل منها تهيج بلابليولذاك أثواب الشقيق تشقّقُ
وهزاره يصبو إلى شحرورهويجاوب القمري فيه مطوّقُ
وكأنَّما في كلّ عود صادحٌعود حلا مزموره والمطلقُ
والوُرْق في الأوراق شبه شَجْوهاشجوي وأين مني الخليّ الموثقُ
يتلو على الأغصانِ أخبارَ الهوىفيكاد ساكن كلّ شيء ينطقُ
يا سائراً والريح تعثرُ دونهوالبرقُ يَبْسِمُ إذ به يتألّقُ
إن جئت من وادي دمشق منزلاًلي نحوه حتى الممات تشوّقُ
بالجبهة الغراء والنهر الذييزهو به القطر المنيف الأبلقُ
ورأيت ذاك الجامع الفرد الذيفي الأرض مثل جماله لا يخلقُ
أبلغ منازلها السنيّة أننيأبداً لحسن بهائها أتشوّقُ
ما أنصح ما قال:
عرّج ركابك عن دمشق فإنّهابلد تذلّ لها الأسود وتخضعُ
ما بين جبهتها وباب بريدهاقمر يغيب وألف بدر يطلعُ
ابن تميم:
رعى الله وادي النَيْرَبين فإننيقطعتُ به يوماً لذيذاً من العمرِ
درى أنني قد جئته متنزهاًفمد لتلقائي بساطاً من الزهرِ
وأخدمني الماء القراح فأينماذهبت وجدت الماء في خدمتي يجري
وقال:
دمشق فيها نُزَهوسفحها زاهٍ نضر
في كلّ روض يلتقيماَء الحياة والخُضر
وقال:
سقى دمشق وأياماً مضَت فيهامن السحائبِ ساريها وغاديها
ولا يزال حنين النبت ترضعهحواملُ المُزْن في أحشا أرضيها
وقال:
فوق وجه الثرى ترى الشام شامهولكم للغريب فيها كرامه
سكنٌ كلّما تناءيت عنهحرّك الوجدُ في الفؤاد غرامه
وفؤادي لولا زيارة طهما لواه اللوى ولا رام رامه
جنّة وهي بالمكاره حُفّتمن أمور تقوم منها القيامه
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع