تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

المحمل السلطاني

وفي اليوم السابع عشر كان خروج المحمل السلطاني، وهو يوم مشهود تخرج له

المخدّرات، وكان أمير الركب أميره وابن أميره، والفرد الذي يعزّ

على الدهر أن يأتي بنظيره، وكم طمح لهذه الإمارة طامح، وسرح لخدمتها سارح، فافتضِح بقصوره وتقصيره، وكيف لا وهو الجامع لأشتات الفضائل، والحريّ بقول القائل:

أتته الإمارة منقادةإليه تُجَرْجرُ أذيالها
ولو رامها أحدٌ غيرهلزُلْزِلت الأرضُ زِلزالها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا ما لسيدتي ما لها»
فلم تَكُ تصلح إلا لهولم يَكُ يصلح إلا لها

وهو مولانا المقر العالي الأمير محمد بن الأمير فرّوخ باشا، خلَّد الله تعالى رواق سيادته بدوام دولة أيامه، وأبَّد سرادق سعادته على مرور الدهور وتوالي أعوامه، ولا زالت كتائب النوائب بعوادي نقمه إلى أعدائه مبعوثة، وغرائب الرغائب بغوادي نعمه إلى أوليائه محثوثة.

آمين آمين لا أرضى بواحدةبألف آمين في ألفين آمينا

ولم أزل في تلك الديار العمادية، التي أقول فيها بلسان الحال:

دار العماد فرط شوقي لهايَجِلُّ أن يذكر بين العبادِ
ما راقَ طرفي بعدها منزلٌلأنّها في الحسنِ ذاتُ العمادِ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «دار عماد الدين شوقي لها»

فلما كان اليوم الثاني والعشرون برزنا من تلك الديار، إلى حيث تسوقنا الأقدار:

فمن لي بقلبي إذ رحلت فإنّنيمخلّف قلبي عند من فضلُه عندي
ولو فارقتْ روحي إليه حياتَهالقلتُ أصابتْ غير مذمومة العهدِ

فآهاً على تلك الديار العمادية وأوقاتها، وحفظاً لتلك الوجوه التي لشمس المكارم ضوء على جبهاتها، وفي السلامة من أكدار الغربة، والعَوْدُ إلى تلك المنازل الطيَّبة التربة، ما يسلو به الفؤاد، ويروق مدى الآباد.

فهل درى البيتُ أنِّي بعد فرقتهِما سرتُ من حرم إلا إلى حرمِ
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»

فمررنا بالكسوة، وهي على ثلاثة عشر ميلاً من دمشق، وفيها يمكث الحاج.

ثم

أتينا على خان ذي النون وفيه شكل حصار، ويطبخ فيه شوربا بسلق لجميع الحجّاج. ثم أتينا على الصنمين، وهي من قرى حوران، فصعدنا منزلة رأس الماء، وما ألطف ما قال:

سقى الله أرضاً طَوْقها مثل طَرْزِهاوساترها بُرْد من الوشي أخضرُ
تذكرت أحبابي بمثوى بريدهافعينيَ رأس الما وجسمي المغيّرُ

وخواص هذا المنزل البرغش والبرغوث، قال أعرابي:

تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكنبأرض الفضا ليل عليّ يطولُ
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةوليس لبرغوث عليّ سبيلُ

ولابن ميمون ملغزاً فيه:

ومعشر تستحل الناس قتلهمكما إستحلوا دم الحجاج في الحَرَمِ
إذا سفكت دماً منهم فما سفكتيداي من دمه المسفوك غير دَمَي

ثم أتينا على المزيريب وهو وادٍ به قلعة، وعندها بحرة ماء ينتهي ماؤها إلى جسر الجوامع فيما يقال، وأصله من عين تنبع من شمال القلعة على نحو نصف ميل، وما ألطف ما قال:

لقد قابلتنا بالعجائب بحرةمكمّلة الأوصاف بالطول والعرضِ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
كأنّ الذي يرنو إليها بطرفهيرى نفسه فوق السما وهو في الأرضِ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

والمزيريب مجتمع الحجاج، وفيه الأسواق العامرة بما يحتاج إليه الركب، بل بما يتِّجر به، وفي هلال ليلة ذي القعدة يوقد ما في الوادي من الدكاكين، ألفاً ونحوه، وتعرف بالوقدة، وتوقد الشموع والمشاعل في الركب، وتكون ساعة عجيبة.

ولما كان الصباح رحلنا وأتينا على وادي القديم، ويعرف بالمفرق، لأن الحجاج إذا رجعوا تفرقوا فيه، وهو مسيل كثير الزَلَق وحوله قرى وضياع.

ثم أتينا على الزرقاء وهو وادٍ من أعمال عَمَّان وبه قصر شبيب بن مالك، وفيه

نهر عظيم ينبت القصب الفارسي، وفيه ملاقاة.

ثم أتينا على البلقاء واد قفر، يقال في غَرْبيه ماء، وفيه اجتمعتُ بالأمير الذي فيه يقال:

أمير له في حَلْبة الجود والوغىسوابق للإنسان قبل التِماحِه
وعقل إذا ما جال أغنى برأيهعن الجيش يشكو الخوف شاكي سلاحه

ولما قصدته لأمر اقتضى ذلك وجدته فوق ما أملّته، وأهديت إليه منظومة الصور الفلكية وكتبت معها:

لما رأيتك في فضلٍ وفي أدبٍعلوتَ قدراً على العلياء والحُبُك
ناسبت قدرك يا مَنْ عزَّ جانبهوقلت أهدي له منظومة الفلك

فظفرت من إحسانه وحسناه، بما تحقق به أنَّه المعني بقول القائل:

طلق يُفيض على العفاةِ سجالُهوعلى العداة بِسَطْوه سجيّلا
وإذا حباك بغُرّة من مالهثنّى وأعقب غرّة تحجيلا
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «ملك يفيض على العفاة سجاله»

ثم أتينا على القطراني بعد معاقبة عقبات ومحاجر، وهو واد فيه قلعة وبركة ماء تفيض على مثلها. ثم أتينا على الحسا من أعمال الكرك، وفيه نهر لطيف وملاقاة.

ثم أتينا على عنيزة وهناك البرد الشديد، وبه خان قديم. ثم أتينا على معان من أعمال الكرك، به ضيعة وقلعة، وآبار ماؤها ليس بالجيد.

ثم أتينا على عقبة الصوان منحدر على نصف ميل، وبها أحجار القدح الجيدة، التي لا يكاد يوجد مثلها، ومنها تنقل للهدية، وإذا نزل عنها الركب أناخ أسفلها ليتكامل،

فيخرجون أنواع الحلوى المعدودة لذلك ويفرقونها على بعضهم، فلذلك يقال لها عقبة الحلوى، ورأيت العرب تأخذ القطن العتيق فتبله بالماء القراح، وتمسح به عرق الضأن من تحت إبطيه وفخذيه، فإذا جفّ كان بمنزلة الضرم، ثم مررنا بعبادان وليست هي التي قيل فيها ليس وراء عبادان قرية لأن تلك في

ساحل البحر المحيط، وهي التي يأخذ منها أهل الفلك أطوال البلدان.

وبالطلبيات، وبطن الغول، وادٍ كثير شجر الغضا والعبيثران الذكي.

ثم أتينا على ذات حج، وادٍ فيه قلعة لطيفة، فيها شجرة توت وريفة، ونقر في حجر ينبع منه الماء، فيخرج من القلعة ويملأ البركة خارجها، وفيه نخيل ومياه غير جيدة، ثم نزلنا بالعرائد، وهي قاع البسيطة، وفيها اجتمعت بالفاضل المتفنِّن الشيخ محمد الحر، أحسن الله تعالى إليه، أنشدني إجازة لنفسه النفيسة:

قلت لما ألجئت في هجو دهربذل الجهد في احتفاظ الجهولِ
كيف لا أشتكي صروف زمانترك الحرّ في زوايا الخمولِ

وأنشدني لغيره:

لعمرك ما الغريب بذي التنائيولكنّ المُقِلَّ هو الغريبُ
إذا ما المرء أعْوَز ضاق ذَرْعاًبحاجته وأبعده القريبُ

وللشيخ نجم الدين الشامي:

علة شيبي قبل إِبّانههجر حبيبي في المقالِ الصحيح
ويدِّعي العلَّة في هجرهشيبي ففي القولين دور صحيح

-

مسألة الدور جرتْبيني وبين من أحب
ولولا مشيبي ما جفالولا جفاه لم أشب

قلت وأنت خبير بأن هذا المعنى فيه ما فيه، إذا الدور توقف وجود كلّ

من الشيئين على وجود الآخر، وإذا كان الجفاء بسبب وجود الشيب، فالشيب متقدم على الجفا، وإذا كان كذلك فكيف يجعل الشيب بسبب وجود الجفاء؟ فتأمله فإنه خفي ظاهر، اللهم إلا أن يقال إن الدور على مجرّد الدعوى، وفي هذا المقام لا يتعين تقدم شيء على شيء، وما ألطف ما قال:

ما ازددت في حبِّ من شغفتُ بهإلا غراماُ عليه أو وَلَها
وعشقتي في هواه دائرةآخرها لا يزال أوّلها

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من جِنان الشام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.