من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
ضريح ابن عربي
وفي اليوم الثالث عشر تشرفنا بزيارة تربة المقدس المبرور الشيخ محي الدين بن عربي، قَدَّسَ الله سره العزيز، فتملّيت بتلك الزيارة المحمولة إن شاء الله على أجنحة القبول، وشاهدنا بها تلك الصالحية التي يقضي بكمال محاسنها العقول:
الصالحية جَنَّةٌوالصالحون بها أقاموا
فعلى الدّيار وأهلهامِنِّي التحيةُ والسلامُ
ورأيت على جدار التربة المباركة للدرويش القلشني:
شيخنا الحاتمي في الكونِ فردوهو غوثٌ وسيدٌ وهمامُ
كم علوم أتى بها من غيوبمن بحار التوحيد يا مستهامُ
إن سألتم متى توفي شهيداًمنذ أُرِّختْ: مات قطب إمامُ
وللبيضاوي جواب سؤال رفع إليه في أمر الشيخ: الذي أعتقده في حال المسؤول عنه، وأدين الله تعالى أنه كان شيخ الطريقة حالاً وعلماً، وإمام التحقيق حقيقة ورسماً، ومحي رسوم المعارف فعلاً وإسماً:
إذا تغلغل فكرُ المرءِ في طرفمن مجده غرقت فيه خواطرُه
عُبابٌ لا تكدّره الدلاء، وسحاب تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته
تخترق السبع
الطباق، وتفترق بركاته الآفاق، وإني لأصفه وهو يقيناً فوق ما أصفه، وأنطق بما كتبته وغالب ظني أنِّي ما أنصفه:
وما عليّ إذا ما قلت معتقديدع الجهولَ يظن الحقَّ بهتانا
والله والله العظيم ومَنْأقامه حجةً للحقِ برهانا
إنّ الذي قلت بعضٌ من مناقبهِما زدت إلا لعلِّي زدت نقصانا
أما كتبه ومصنَّفاته فالبحار الزواخر، وجواهرها لكثرتها لا يعرف لها أولٌّ من آخر، وما وضع الواضعون مثلها، وإنَّما يخص الله بمعرفة قدرها أهلها، ومن خواصها أنه ما واظب واحد على مطالعتها والنظر فيها، إلا وانشرح صدره، وتيسَّر أمره، وقوي على حل المشكلات، وَفَكِّ المعضلات.
وإذا خَفيتُ عن الغبيِّ فعاذرأن لا تراني مقلة عمياءُ
وقال غيره:
نظرتُ إليه نظرة فتحيّرتْدقائقُ فكري في بديع صفاتهِ
فأوحى إليه القلب أني أُحبهُفأثَّرَ ذاك الوهم في وَجَنَاتهِ
وقال:
إن الغريبَ إذا أقام ببلدةٍلعبت أناملهُ على الحيطانِ
فتراه يكتب والغرام يهزهوالشوقُ يُقْلِقَهُ إلى الأوطانِ
وإلى يومنا هذا وأنا محاجر البين، لم أجتمع على نفسي طرفة عين، ولا لاحت لي بارقة من وجودي، أعدّها من أيام سعودي، ومع ذلك لم ينقطع الرجاء والاستمداد، وإن قعد بي الاستعداد.
أمرَّ بالكرم خلف حائطهتأخذني نشوة من الطربِ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع