تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

فائدة (٢٠)

الشام خمس شامات: الأولى: طبرية وأعمالها، وهي مدينة جليلة على جبل مطل، وأسفلها بحيرة عذبة وبها مراكب سابحة، ولها سور حصين، وبها حمّامات حامية من غير نار. الثانية: دمشق وأعمالها. الثالثة: حمص، وحماة، وحلب. الرابعة: أنطاكية وأعمالها. الخامسة: غزة، والرملة، وبيت المقدس، وهو على جبل يصعد إليه من كلّ جانب، وطول مسجده مائتا باع في عرض مائة وثمانين.

يقال إن جامع قرطبة سقفه أكبر من سقف الأقصى، وصحن الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة، حكاه ابن الوردي. والشام من الفرات إلى العريش طولاً، ومن جبلي طيّ إلى بحر الروم عرضاً.

وفي الأخبار الشام صفوة الله من بلاده، وإليه يجتبي صفوته من عباده، قيل المراد المدينة لأنها بالنسبة إلى مكة شام.

قال المقريزي: وسط الشام كدمشق وما والاها شمال مكة من غير ميل، فهم يستقبلون أوسط الجنوب، بحيث يكون القطب

الشمالي المسمَّى بالجدي وراء ظهورهم، وأنت إذا نظرت إلى قبلة الجامع والقطب وجدت السمت منحرفاً، ولا كلام.

قال القزويني في الآثار: الغوطة الكورة التي قصبتها دمشق وهي كثيرة المياه، نضرة الأشجار، مونقة الأزهار، متجاوبة الأطيار، مخضرة الجنان. استدارتها

ثمانية عشر ميلا، وكلها بساتين وقصور. تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها، ومياهها خارجة من تلك الجبال، وتمتدّ في الغوطة عدة أنهر، وينصبّ فاضلها في أجمة هناك، والغوطة كلها أنهار وأشجار متصلة، قلَّما يوجد بها مزارع، وهي أنْزه بلاد الله على الإطلاق، وأحسنها من حيث البهجة والإشراق.

قال الخوارزمي: جِنان الدنيا أربعة: غوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوَّان، وجزيرة الأبُلَّة. وقد رأيتها كلها فأحسنها غوطة دمشق، أما صغد سمرقند فهو نهر تحف به قصور وبساتين وقرى مشتبكة العمائر، ومقداره اثنا عشر فرسخاً في مثلها، وأما شِعْب بوان فبقعة من نواحي سابور، مقدارها فرسخان، وقد أتحفتها الأشجار بظلالها، وجلست الأنهار خلالها، وفيها يقول المتنبي:

مغاني الشِعْب طيباً في المغانيبمنزلة الربيع من الزمانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وأما نهر الأبلة فهو من أعمال البصرة، وهو أربعة فراسخ وعلى جانبيه بساتين كأنَّها بستان واحد، وأما الغوطة فهي من حيز دمشق، طولها ثلاثون ميلاً وعرضها خمسة عشر ميلا، وهي مشتبكة القرى، ولا تكاد الشمس تقع على أرضها لالتفاف شجرها واكتناف زهرها، واختلاف الأخبار لاختلاف الأنظار.

ومن محاسنها المرجة التي هي جنَّتها، وأنهارها التي هي بهجتها، فقلت:

ذكرت أحبّتي بالمرج يوماًفهاجت أدمعي نيران وهجي
فصرت أكابد الأشواق وحديوكلّ الناس في هَرْجِ ومَرْجِ

وقال:

يا يومنا بالمرج هل من عودةليت الليالي للوصال تعيدُ
فهواك لا يبدي السلوّ لطيبةوالله يبدي ما يشا ويعيدُ

ولما أحلّنيها الدهر، وشاهدت محاسن تلك الرياض، وبها ذلك النهر، نزلت على مكارم عمادها، وبدر إسعادها، المولى الذي دخل به الكشاف تحت أستار الخجل،

وقال البيضاوي لنا من تسويد الصحائف وجَلَ أيّ وجَلَ، هو مولانا الحبر العلامة، والبحر الفهَّامة، مفتي الديار الشامية وإمامها، وواحد ذوي المجد المؤثّل وهُمامها، المعطّر ذكره الشريف أرجاء البوادي، مولانا الشيخ عبد الرحمن العمادي، لا زالت أقلام الأنام بأداء الشهادة بكماله رافلة في حُلَلِ العدالة، وإذا نشأت فهي العيدان التي هي بأسمائه الشريفة للطرب نعم الآله.

أساميا لم تزده معرفةوإنَّما لذة ذكرناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

فلا انفكَّ مسك لياليه شامة في وجنات الأيام، وله من ذلك إن شاء الله تعالى حسن الختام. فنزلت من داره المعمورة بأشرف منزل، وصرت لما لقيته من الفرح والسرور عن الهم بِمَعْزِل:

ولما بلوناه تلونا مديحهفيا طيب ما نبلو ويا حسن ما نتلو
هو البدر إلا أنه البحر زاخراًسوى أنه الضرغام لكنه الوَبْلُ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «كان ينابيع الثرى ثدي مرضع»
محاسن يبديها العيان كما ترىوأيسر ما فيه السماحة والبَذْلُ

وقال:

رأيت عماد الشامِ في الفضل وحدهولا عجب إذ كان في الفضل قد نشا
إماماً هماماً عَزَّ قدراً ورتبةوذلك فضل الله يؤتيه من يشا

وقال:

رأيتُ العماد وأبناَءهعماد المكارم فيمن رأيت
ففيهم مقامي بهم قد سماومنهم رَوِيتُ وعنهم رَوَيْت

رأيت لديه وبين يديه في ذلك المقام، من أبنائه الكرام، ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم، وتنجلي الفصاحة بحسن لهجتهم، كما قال:

كأنَّه وبنوه حول حضرتِهبدرَ الدجى ولديه الأنجم الزهرُ

فيا لهم من فتية عليهم سيما الحِجى، وطلاوة نجوم الدجى، فكل منهم ملك القول

وأميره، وواحد الفضل الذي لا يوجد نظيره:

إن العماد بنوه والذي شرفتبه الأباطح أعني صفوة الباري
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهممثل النجوم التي يسري بها الساري
للشاعر عبيد بن العرندس الكلابي، اقرأ القصيدة

فالتحفت برَهْطِهم، وانتظمت في سِمْطهم، وما زلت فيهم فارغ البال، خالي البلبال، نسيمي نسيم الصَبا، وأيامي أيام الصِبا:

ولو لم يزد إحسانُّهم وجميلهمعلى البرِّ من أهلي حسبتهم أهلي
للشاعر القاضي الرشيد ابن الزبير الغساني، اقرأ القصيدة

ولم أزل من مكارم هذا العزيز، في حَوْزٍ حَريز، ومن أخلاقه الشريفه، وخلائقه اللطيفه، بين الروض ونسيمه، والأرج وشميمه:

سأشكرُ لا أنّي أجازي لنعمةٍبأخرى ولكن كي يقال له شكرُ
وأذكر أيامي لديهِ وحسنهاوأفضل ما يبقى من الذاهبِ الذكرُ

ثم لم أزل في تلك الديار منذ حللت ربوعها، وارتبعت ربيعها، أفاني الأيام فيما يروي الأوَام، عِلماً بأن الدهر سروره كطيف المنام، وشروره أكثر من أوغاد الأنام، وأنَّ من أخر أيام الصفا، وقابل وفاء الدهر بالجفا، فقد وقع في

هوَّة الندم، وصار وجوده عند أولي النُهى كالعدم، ومن أهمل أوقات السرور، والتزم مكابدة الهموم فهو في الغرور:

كناطحِ صخرةٍ يوماً ليوهنهافلم يضرّها وأوهى قرنه الوَعِلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

فها أنا أطلب قلبي في الهوى وأنْشُده، وأطارح صوت الصدى فينشِدَني وأنْشِده:

لقد كادتِ الدنيا تقولُ لأهلهامشافهة لو أنها تتكلَّمُ
خذوا من نصيب من نعيم ولذّةٍفكلٌّ وإن طال المدى يتصرَّمُ

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من جِنان الشام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.