تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

الجامع الأموي

قال ابن الوردي: دمشق أجل إقليم الشام مكاناً، وأحسنه بنياناً، وأعدله هواء وأعذبه ماء، وبها الغوطة التي لم يكن على وجه الأرض مثلها، بها أنهار جارية مخترقة، وعيون سارحة متدفقة، وأشجار باسقة، وقصور شاهقة، ولها ضياع كالمدن، وبها الجامع الأُموي الذي لم يكن على وجه الأرض مثله،

بناه الوليد بن عبد الملك، وأنفق عليه أربعمائة صندوق، في كلّ صندوق أربعة عشر ألف

دينار، واِجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخّم.

لله ترخيم بجامع جِلِّقمتناسب التخميس والتقسيمِ
قد زاد تحسيناً يكذّبُ قولَ منقد قال إنّ النقص في الترخيمِ

-

وقد بني بأنواع الفصوص المحكمة، والمرمر المصقول، والجزع المحكوك، يقال إن العمودين اللذين تحت قبة النسر اشتراهما الوليد بألف وخمسمائة دينار، وهما عمودان مجزعان بحمرة لم يُرَ مثلهما، ويقال إن رخام الجامع معجوناً، ولذلك إذا وضع على النار ذاب، وفي المحراب عمودان صغيران، يقال إنهما كانا في عرش بلقيس، وعند منارة الجامع الشرقية حجر، يقال إنه من الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً.

قال القزويني: ومن عجائب دمشق الجامع الأموي، وقد وصفه بعضهم فقال: هو أحد العجائب وجامع الغرائب، بسط فرشه بالرخام، وألّف على أحسن ترتيب وانتظام، فصوصه ملتفة، وصنعته مؤتلفه، عمّره الوليد، وكان ذا هِمّة في أمر العمارات وبناء المساجد، أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين، قيل من عجائب الجامع إنه لو عاش أحد مائة سنة وكان يتأمّله في كلّ يوم، لرأى في كلّ يوم ما لم يكن رآه من حسن الصنعة، ومبالغة التنميق، وهذا المعنى في كلّ ذرة من العالم للمبصر وفي أنفسكم أفلا تبصرون وهو مسقف بالرصاص إلى الآن، وفيه نحو مائة ماء.

ومن محاسنه الفوّار الذي على باب جيرون، فإنَّ ماؤه يرتفع على نحو قامة ونصف في غِلَظ الساق دائماً أبداً، واتَّفق وقوفه مرة، فقال في ذلك المعنى ابن نباته قوله:

لست أنسى الفوّار وهو يناديغيضَ مائي وعطّل الدهرُ حالي
فتمنّيت من لهيبي أنِّيأشتري غيضة بروحي ومالي

وقيل إن دخل الجامع في كلّ يوم من أوقافه ألف ومائتا دينار، تُصرف المائتان في مصالحه، والباقي ينقل إلى خزانة السلطان، وبالجملة فإنه الجامع الذي هو لأشتات المحاسن جامع، والمسجد الذي من سجد في محرابه شاهد من محاسنه النور الساطع، ولا غَرْوَ إذ هو بيت مَلِك سَعِد من وقف بخدمته خاشعاً، وشقيٌّ من لم يسع إليه مخلصاً، ويأتيه طائعاً.

وإذا حلّت الهداية قلباًنشطت للعبادةِ الأعضاءُ
للشاعر أمين الجندي، اقرأ القصيدة

وقال:

أرى الحسنَ مجموعاً بجامعِ جلقوفي صدره معنى الملاحة مشروحُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أرى الحسن مجموعا بجامع جلق»
فإن يتغالى في الجوامع معشرفقل لهم باب الزيادة مفتوحُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أرى الحسن مجموعا بجامع جلق»

وقال:

الجامع الأموي أضحى حُسنهحسناً عليه في البرية مُجْمَعا
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
حَلَّوْهُ إذ حَلَّوْه فانظر صحنهتلقاه أصبح للحلاوة مَجْمَعا
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

ولقد تذكرت بذلك الجامع أوقاتي بتلك الروضة، وتشاغلت به فما أغنى التشاغل بمحاسن تلك الرياض وهاتيك الغيضه.

بهجة العين روضةُ المختارِتتجلَّى في مشارق الأنوارِ
حرمٌ حلَّ فيه خير إمامٍجامع الفضل قبلة الأبرارِ
أوّل العالمين في الخلق لكنآخر العالمين في الإنذارِ
باذخ الأصل ناسخ الجهل علماًراسخ الفضل شامخ في الفخارِ
مضريٌّ وأبطحي حبيبقرشيّ وهاشميّ نزاري
صفوة الخلقِ أشرفُ الخلق خلقاًنخبة من سلالة الأخيارِ
يا رسول الإله كن لي شفيعاًيا شفيع العصاة من حرِّ نارِ
أنت في الأنبياء سلطان شرعجئت بالسيف منذر الكفارِ
فعليك السلامُ من عبدِ ودّما سرى سرّ نسمة الأسحارِ
وعلى الآل والصحاب جميعاًوعلى التابعين والأنصارِ

ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، وطوله اثنا عشر ميلاً، في عرض ثلاثة أميال، وهو مغروس بأنواع الثمر والأزهار البديعة المنظر والمخبر.

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من جِنان الشام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.