من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
حماة
ثم إنا قوّضنا خيام المقيل، وأخذنا في الرحيل، فأتينا على خان الشيخون وهو في وادٍ مخضل وحوله ضيعتان بعيدتان، ثم أشرفنا على بساتين حماه المورقة، ومحاسنها المونقة، وهي مدينة قديمة من عهد سليمان ﵇، وجامعها
وكنيستها بالسوق الأعلى، جُدّد في خلافة المهدي، وكان فيه لوح من الرخام مكتوب فيه أنه جُدّد من خراج حمص، وكانت من أعمال حلب وكانت حمص كرسي هذه البلاد. ومن غرائب أخبار حماة أن الزكي بن عبد الرحمن لما اجتمع بالملك المظفر قبل أن يلي حماة أنشده:
متى أراك ومن تهوى وأنت كماتهوى على رغمهم روحين في بدنْ
هنالك أنشدوا الآمال حاضرةهُنّيت بالملك والأحباب والوطنْ
فوعده أنه إذا ملك حماة يعطيه ألف دينار، فلما ملكها أنشده:
مولاي هذا الملك قد نلتهبرغم مخلوق من الخالقِ
والدهر منقاد لما شئتهوذا أوان الموعد الصادقِ
فدفع له الألف وأقام معه، ولزمته أسفار فأنفق فيها ذلك المال، ولم يحصل بيده زيادة على ذلك، فقال:
ذاك الذي أعطوه لي جملةقد استردّوه قليلا قليلْ
فليت لم يعطوا ولم يأخذواوحسبنا الله ونعم الوكيلْ
فبلغ ذلك المظفر فأخرجه من دار كان أنزله فيها، فقال في ذلك:
أتخرجني من كِسْر بيت مهدّمولي فيك من حسن الثناء بيوتُ
فإن عشت لا أعدم مكاناً يضمنيوإن مت تدري ذكر من سيموتُ
فحبسه المظفر، فقال: ما ذنبي!؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأمر بخنقه. فلما أحس بذلك قال:
أعطيتني الألف إجلالا وتكرمةيا ليت شعري أم أعطيتني ديتي
فكان حاله كحال من قال:
وكنت كالمتمني أن يرى فَلَقاًمن الصباح فلما أن رآه عمي
ولله در من قال:
ربّما يرجو الفتى نفع فتىخوفه أولى به من أمله
رُبّ من ترجو به دفعَ الأذىسوفَ يأتيكَ الأذى من قِبَله
ولحماة النهر العاصي، قال في الخريدة: وهو نهر حماة وحمص، مخرجه من قدس ومصبه البحر بأرض السُوَيديّة من أنْطاكية، وسُمّي العاصي لأن أكثر الأنهار تتوجّه إلى الجنوب وهذا يتوجّه نحو الشمال، انتهى. وهذا التعليل إنَّما يتم لو كان المتوجّه نحو الشمال هو وحده دون غيره من الأنهار، فتأمّل. وفيه الناعورة التي يضرب بها المثل، وقد أكثر الشعراء فيها، فمن ذلك:
ناعورة في النهر أبصرتهاتشوّق الداني والقاصي
قد نبهتني للتقى والهُدىلأنها تبكي على العاصي
وقال:
نواعير في عاصي حماة إذا بكتعليه دعتْ من عَبرتي مدمعاً قاصي
وإني على نفسي لأجْدر بالبكاإذا كانت الأخشاب تبكي على العاصي
وقال:
حماة في بهجتها جنةفهي من الهمِّ لنا جُنّه
لا تيأسوا من رحمةِ الِله قدأبصرتم العاصي في الجَنّه
وقال:
وناعورة قد ضاعفت بنُواحهانُواحي فأجرت مُقلتيّ دُموعُها
وقد ضَعُفت مما تئنّ وقد غدتمن الضَعف والشكوى تعدّ ضلوعُها
وقال:
قاسوا حماةَ بجلّق فأجبتهمهذا قياسٌ باطل وحياتكمْ
فعروسُ جامع جلق ما مثلهاشتان بين عروسها وحماتكمْ
وقال:
تاللهِ إن حماة شامةُ شامكموعروسها بمحاسنٍ متزايده
ودمشقكم بعذراها الشيبي قدولّت شبيبتها وأمست بارِده
وقال:
قالوا تسلّى عن ثمارِ شُطوطهافأجبتُ لا والتين والزيتونِ
يا عاذلي على محبّتها لكمفي ذاك دينكم ولى أنا ديني
في ناعورة لابن نباته:
وناعورة قالت وقد حال لونهاوأضلعها كادت تعدُّ من السقمِ
أدورُ على قلبي لأني فَقَدتهوأما دموعي فهي تجري على جسمي
وقال:
يروقُ امتداد الجسرِ والقصرِ فوقّهفيجلو طباق العيش بالمدّ والقصرِ
وقد أصبحت تلك الجزيرة جنّةألم تنظر الأنهار من حولها تجري
تفوق عيونَ الزهرِ بين شطوطهاعيونَ المها بين الرصافةِ والجسرِ
وإن جُزْنَ تلك الغيد بين غصونهاسلبن الحشا من حيث أدري ولا أدري
فيا جيرة العاصي إذا ذقت ماءكمأهيم كأني قد ثَمِلت من السُّكرِ
ولولا بقايا طعمهِ في مذاقتيلما ظهرت هذي الحلاوة في شعري
وكم رامَ ذاكَ البحر يشبه لفظهُفقلت انزلوا يا قوم في ساحل البحرِ
فآه على وادي حماة تأسفّاًخلافا لمن قد قال آه على مصرِ
فكم مر لي فيها حلاوة ليلةفكانت شبيهَ الخال في وجَنْة الدهرِ
وفي غيرها كم كنتُ أقضي ليالياتمرّ بلا نفع وتحسب من عمري
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع