من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
العودة إلى المدينة
وقد تهيّأت أسباب الرحيل وقرأ الطالع للمطامع وحيل وهبّت نسمات القبول بالقرب والوصول، من حضرة السيد الرسول، ﷺ وشرَّف وكرَّمْ.
أيا ساكني أكنافَ طيبة حسبُكممن السعي للعلياء جيرةَ أحمدِ
فمن يبتغي عنها بلاداً وإن سَمَتلأمرٍ من الدنيا فليس بمهتدِ
وكان ذلك بإسعاف ذي القدر والمقدار، وقطب القسطنطينية الذي عليه المدار، وهو مولانا شيخ الإسلام، لازال في فم الدهر ابتسام:
فلولاه لم أبلغ من الروم بُلْغَةولولا نداه ما رجعت إلى أهلي
وبالجملة، فلولا ما أسداه من الإحسان، وتفضَّل به وأعان، لحالت المنيَّة دون الأمنيّة، ولم أرد مشارع تلك الديار السنيّة:
ولما رماني الدهر من كلّ جانببكلّ ملمٍّ ضاق عن حمله الصدرُ
لجأت إليه لا فقدتُ وجودَهُوناهيك من شخص هو البر والبحرُ
فحمداً لأياديه، وخواتيم أمره ومباديه، وشكراً لمنّته البهيّة، وهمته العليّة، فإنها ما أرادت أمراً إلا أدركت غايته، واستدركت فائته.
على أنها عند الملماتِ لم تزَلإذا جُرّدت كالمشرَقيّ المهندِ
بها يأمنُ اللاجئُ خطوب زمانهِكما يبلغ الراجي بها كلّ مقصدِ
وغيره:
أطلق لسانكَ بالثناءِعلى الذيأولاكَ حُسن رغائِبِ وغرائبِ
واشكره شكر الروض باكرهُ الحياكيما تقومَ لهُ ببعضِ الواجبِ
فأخذت في الرحيل وودّعت، وعزمت على أن لا أعود وأزمعت، فرجعت كثير الشَغَف، ولي قلب كليم بالأسف:
ولقد نثرتُ مدامعي ودمي معاًيومَ الوداع وخاطري مكسورُ
لا تعجبوا لتلوِّن في أدمعيلابدَّ أن يتلونَ المنثورُ
فلا غَرْوَ أن أقول بلسان الحال، إذا كنت كرة لصوالِجةِ الليال:
كأنّي في الزمانِ اسم صحيحجرى فتحكّمت فيه العوامل
مزيد في بنيهِ كواو عمرووملقى الحظِّ فيه كراء واصِل
فصممت على رحيلي، وجمعت للرحلة ذيلي، وأخذت لا من الذهب بل في الذهاب، وعزمت على عدم تمنِّي الإياب، فقوّضت خيام الغيبه، وأسرجت جواد الأوبه:
إلى بلدةٍ نيطت عليّ تمائميبها في جوارِ الهاشميّ محمدُ
فنزلت الخليج السكندري، حتى أتيت على أسكدار، وهي بلدة عظيمة المقدار، بها الجوامع الجامعة، والمدارس الساطعة، والمباني المشيّدة، والأسواق المتعدّدة، وعرض هذا الخليج مقدر بستة أميال، والميل البحري مقدّر بمسافة لو وصل غايتها البصر وكان ثمة شخص، عرف كونه قائماً أو قاعداً. والبريد مقدر بألف باع، وقيل بأربعة آلاف خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وفي ذلك قالوا:
إن البريد من الفراسخ أربعٌولِفرسخٍ فثلاثُ أميال ضعوا
والميلُ ألفُ أي من الباعات قلوالباع أربع أذرع فتتبعوا
ثمّ الذراعُ من الأصابع أربعمن بعدها عشرونَ ثمّ الأصبعُ
ستُّ شعيراتٍ فبطن شعيرةٍمنها إلى ظهرٍ لأخرى يوضعُ
ثم الشعيرةُ ست شعراتٍ غدتمن شعر بغل ليس فيه تضعضعُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع