من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
الشوق للوطن
ثم إني لم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، وأنا أنادي حظاً غير سميع، وأستعطف طالعاً غير مطيع:
وقد ضقتُ بالأحوالِ ذرعاً وحيلةفحتّى متى أشكو ولا تنفع الشكوى
وقد اشتد بنا الأمر في الملازمة، وسايرنا سير مخازمة، حتى انثنيت مما أردته، وجعل كلّما طرق طارق طردته.
فلا أنا من هوى الفيحاءِ خالٍولا ممّن أحبُّ قضيتُ دَيني
وقال:
أقول غداً أفوز ببعضِ سؤليفيأتي في غدٍ مالا أشاءُ
فيا للهِ من عكس اللياليمقاصدي التي فيها الثناءُ
ولما وقفت على الجملة بالتفصيل، وتحققت أن الآمال سوّفت بالأباطيل، أغمضت عما هو بيد الزمان، وقبّحت للنفس ما كان قد زان، وقد نبذت المرام إليه، وقلت: خذه غير مأسوف عليه، فَسَخَتْ النفس بما زاد على الزاد، ولم يبق لي من الأماني سوى الرجوع إلى أوطاني، وقد تجاوزت من التمنِّي حده، وما فاتني شيء سوى الحظِّ وحده.
وإذا نظرتَ إلى الوجودِ بعينهِفجميعُ ما في الكائنات مليحُ
ولكن أين أنا من تلك المعاهد، وبماذا أتوصّل لمشاهدة هاتيك المشاهد، وقد حالت من دونها تلك البحار، وأحوال هاتيك المفاوز والحِرار:
كيف الوصولُ إلى سعاد ودونهاقللُ الجبالِ ودونهن حتوفُ
الرجل حافيةٌ ومالي مَرْكبٌوالكفُّ صِفْرٌ والطريق مَخوفُ
ولا أقول هذه رحلة تشدُّ إليها الرحال، حيث لم تسفر بمحاسنها عن وجوه الرجال، فيا ناظراً إلى ما جرى به القلم، من تسطير المشقِّة والألم، ليس من شِرعة العقل سُرعة العَذْل، فإن من عيّر شخصاً ابتليَ بدائه، ومن حكم الأقضية فقد أزرى برأيه، وإنَّما هذه نَفْثَة مصدور، جواباً لسؤال مُقدّر أو مذكور، حيث الأيام فُرص مغتنمه، وغصَص مقسمه، نسائمها سمائم ومغنمها مغارم.
هي الدنيا تقول بملء فيهاحَذارِ حَذارِ من بطشي وفتكي
ولا يغرركم مني ابتسامٌفقولي مضحكٌ والفعل مُبكِي
وما حال من فارق الحياة ونأى عنها، وكان في الجنة فأخرج إلى النار منها، وقد دَهَمَت بشهب صروفها الليالي، وذلك وِفاق من كانت السعادة في يديه فلم يصنها غير مبالٍ.
عجباً لمثلي وهو يبصر رشدَهُفي الأرضِ كيفَ تقلبت حالاتُهُ
ثم نادى منادي التدبير من عالم التقدير، بأن الخير في الواقع، والأمن في قطع المطالع، وقال لسان الحرمان: عليك الأمان إذا حصل ما قاتك، فلا تندم على ما فاتك.
إذا رُمتَ المطالبَ قبل وقتفلست بواجد إلا الأماني
فقبل الوقت كان سؤال موسىوكان جوابُ ذلك لن تراني
فعند ذلك أشتد الهيام، وتضاعف الوجد والغرام، شوقاً لساكن الزوراء وزيارته السنية، وتوقاً إلى التملّي بتجلّي جماله، قبل تحكّم المنية.
وما اشتياقي حمى الزوراء من عجبوجرحُ قلبي إليها غيرُ مندملِ
وقد حوى سفحها بدراً منازلُهُصميمُ قلبي في حِلّي ومرتحلي
سقى بها مربعاً تزهو جوانبهُبوابلِ غيثٍ بذاك الحَيِّ مُنهملِ
وعطَّرَ الجوّ أنفاس الشَذى وقضتيدُ النسيم على الأغصانِ بالميلِ
ويا رعى اللهُ أوقاتاً بها سلفتما ضرّها لو مشت فينا على مهَلِ
سُقيا لها من ليالٍ مذ مضت تركتأحشاءنا ولهيب النارِ في شُعَلِ
أشتاقها بفؤاد غير مصطبرٍعنها وأبكي بدمعٍ هاملٍ هَطِلِ
لعل إلمامة بالجزع ثانيةًيَدِبُّ منها نسيم البرء في علَلِ
ولما جعلتني المقادير نُهْزَة الأسفار، ولم تُرِني نزهة الأسفار، بل كنت غرضاً لمتاعب البحار، وعرضاً لمصائب القفار، وقد تزايد ما بي من الألم، ولم يبق مني عضو إلا وبه ألم، توسلت في تلك الحال، إلى العليّ المتعال، أن يردّني إلى حَرَمه بمنّه وكرمه، وكثيراً ما كنت أتوسل بهذه الأبيات:
إلهي طال بعدي واغترابيوفي جُنح الدجى طال التهابي
ونحو أحبتي قد زاد شوقيلأهلي والأقاربِ والصحابِ
إلهي قد وهَى جَلَدي وصبريلميلي نحو هاتيك الشعابِ
إلهي من سواك بنا رَحيميوفّقنا إلى سَنَنِ الصوابِ
إلهي أنت أولى من عفا عنذنوبٍ مثل أعدادِ الترابِ
إلهي جُد بقربٍ عن قريبومُنَّ على ذهابي بالإيابِ
إلهي واقض لي يا خير قاضٍبرؤيا سفح هاتيكَ القِبابِ
فصادف الدعاء الإجابة، وتحققت هذه الطلابة، وقد أخذ الشوق بزمام الفؤاد، وأذكرني طيبَ وادٍ أفديه بألف واد:
وادٍ سما قدره بالساكنين بهِوطالِعُ السعدِ في آفاقهِ طلعا
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع