تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

لطيفة (٥)

كتب المولى جمال الدين العصامي إلى الشيخ قطب الدين المكي يهنّيه بشهر رمضان:

يا قطب أهل العلم في أمِّ القرىرمضان هلّ ببهجةٍ لا توصفِ
فتهنّ وحدك إنّ ذاتك أصبحتهي أشرف في أشرف في أشرفِ

فكتب إليه الجواب وجعل في القرطاس أشرفيا:

يا ألطف الفضلاء أنت جمالنافَتَهَنَّ بالشهر الشريف الأشرفِ
شِعرٌ بِشعرٍ ليس فيه رباً وقدزاد العيار بوزن هذا الأشرفي

وحكى النواجي في حَلْبَة الكُمَيْت أن أعرابياً قصد المأمون وقال له: قلت فيك

شعراً. قال: أنشده. فأنشد:

-

حياك ربُّ العرشِ حياكاإذ بجمال الوجه رقّاكا
بغداد من نورك أشرقتوأورقَ العودُ بجدواكا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة

فقال المأمون: يا أعرابي قلت فيك شعراً، وأنشد:

حياك رب العرش حياكاإن الذي أملت أخطاكا
أتيت شخصاً قد خلا كيسهُولو حوى شيئاً لأعطاكا

فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين إن بيع الشِعر بالشِعر رباً، فاجعل بينهما شيئاً حتى يستطاب. فضحك المأمون وأمر له بصلة.

وكان ظافر الشاعر حسن البديهة، قال القاضي أبو عبد الله الآمدي حاكم الإسكندرية: دخلت على الأمير ابن طقز في أيام ولايته للثغر، وفي يده خاتم قد ضاق على يده حتى ورمت إصبعه جداً، فأستدعى الحدّاد وقطع الحلْقة، فأنشده ظافر على البديهة:

قصَّر في وصافك العالمُوكثر الناظم والناثرُ
من يكن البحر له راحةيضيق عن خنصر الخاتمُ
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «قصر في أوصافك العالم»

فاستحسن الأمير ذلك ووهب له الخاتم، وكان من ذهب! وكان عند الأمير غزال مستأنس به، قد ربض ثم جعل رأسه في حجر الأمير، فقال ظافر المذكور:

عجبت لجرأة هذا الغزالوأمْن تخطّى به واعتمد
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «عجبت لجرأة هذا الغزال»
وأعجبه إذ بدا جاثماًوقد اطمأنَّ وأنت الأسد

فزاد الأمير والحاضرون في استحسان ذلك، ثم انصرف وتركنا متعجبين من بديهته.

اقتباس لبعضهم:

قناعة المرءِ بما عندهُمملكةٌ ما مثلها مملكه
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قناعة المرء بما عنده»
فارضَوْا بما قد جاء عفواً ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكه

مثله:

ولا تطلبوا ما بأيدي الأنامتصيروا بذلك أعداءهم
لذلك قد قال رب العبادولا تسألوا الناس أشياءهم

ما أصدق ما قال:

لا تحسبنَّ الشعر فضلا بارعاًما الشعر إلا محنة وخَبالُ
الهجو قذف والرثاء نباهةوالعتب ضغن والمديح سؤالُ

يقول ابن تميم:

وما الشعر مما أرتضي نسبتي بهلعمري ولا وصفي في المحافلِ
ولا قلته كي أبتغي بمقالهثناء ولا أجزى عليه بنائلِ
ولكن دعتني شيمةٌ عربيةإلى قوله معروفة في القبائلِ
فأبديت ما قد حاك في النفس سالكاًبإبداء ما أبديت سُبل الأفاضلِ
فلا تنكروا ما أبْرَزَته سجيةطُبعت عليها من سجايا الأوائلِ
فما تنكر الأقوام سجع حمامةإذا هتفت في صحبها والأصائلِ

ابن دقيق العيد:

وزهدني في الشعر أن سجيتيبما تستجيد الناس ليس تجودُ
وتأبى طباعي أن أصوغ رديَّهُفأصرفه عن خاطري وأذودُ

الشهاب الفاضل:

وما الشعر فخر للفتى ومزيّةإذا لم يكن عن كلّ فضل يترجم
ولكنه عنوان ذوق وفطنةورقة طبع وهو للفضل أسلم

وممّن تشرفتُ بالاجتماع به، وتحليت بمحاسن أدبه المولى محمد أفندي الحياتي

فإني وجدت منه نديماً للسرور مديماً، ونفس حر قد لبس من مكارم

الأخلاق أديما، فأزلت بطلعته السنية عن مرآة القلب صدأ القسوة والغم، وسمعت من حديثه ما يسلو به الخاطر وينجلي الهم.

قال:

وكنت إذا حدّثته أو رأيتهتزول حرارات الصبابة والجوى
ولا سيما إن ظلّ يتلو لمسمعيأحاديث أرباب المحبة والهوى

وقال:

عرفتك دهري ليس لي فيك حيلةيروج بها فضلي لديك وأسلك
سوى اليأس مما في يديك وإن يكنرجاء ففي الأخرى التي لست تملك

وقال:

ألا قل لأصحابي عن القهوة انتهواولا تجلسوا في مجلس هي فيهِ
وما ذاك عن بغض ولا عن كراهةولكن غدت مشروب كلّ سفيهِ

وكأنَّه مأخوذ من قول القائل:

إذا وقع الذباب على طعامرفعت يدي ونفسي تشتهيهِ
للشاعر صالح طه، اقرأ القصيدة
وتجتنب الأسودُ ورودَ ماءٍإذا كان الكلاب ولغن فيهِ
للشاعر حنا الأسعد، اقرأ القصيدة

وأين ذاك من قول الآخر:

إذا شوركت في أمر بدونفلا يلحقك عار أو نفور
ففي الحيوان يشترك اضطراراًأرسطاليس والكلب العقور

حُكي أن الوزير مسيح باشا أمر بإبطال القهوة، فقال له بعض الفقراء إن القهوة لا تبطل، قال: ولِمَ؟ قال: لأن حسابها موافق اسم الله تعالى قوي. بمعنى أن كلا منهما له من العدد مائة وستة عشر، فلها منه الاستمداد، فأمرُها وشأنُها

قوي. فلم يسعه التأخر لأمر السلطان مراد، فما أفاد المنع، وكان الأمر كما قيل. واشتهر

استعمال لفظ جبا عند تقديمها، ولا أعلم ما أصله إلا أنه ورد مورد الهبة، ولا يخفى ما فيها من الفرح الذاتي. وثَمَّ لطيفة حسابية وهي أن عدد جبا ست، فكان القائل يقول: جلبت لك المسرة والصفا من الست الجهات.

تُوفي العلامة المفتي أبو سعد سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، وتاريخه للفاضل أحمد الرومي قد مات أبو السعود مولى العلم وأنشدني لغيره:

وللناسِ عاداتٌ وقد أَلفوا بهالها سُنن يدعونها وفروضُ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «أأحبابنا حاشاكم من عيادة»
فمن لم يعاشرهم على العُرف بينهمفذاك ثقيلٌ عندهم وبغيضُ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «أأحبابنا حاشاكم من عيادة»

وأنشدني لنفسه في مرج دمشق:

بصبا المرج المبلل ذيلُهعلّلِ القلبَ عَلّ يبرد ويلُه
ومُرِ الروحَ أن تسيل دموعاًإن أبى الجفنُ أن يغيثك سيلُه
وادّكِرْ بالرياض يومي حبيبسلفاً والسلاف تربع خيلُه
وتمسّك بسالفيه على البعدِّ عسى الكربُ ينجلي عنك ليلُه

ومن ذلك أيضاً:

تَأنَّ ولا تجزع لأمر تحاولُهفخيرُ اختيار المرء ما الله فاعلُه
وما ضَمِن الرحمن لا تخشَ فَوْتَهومالاً فلا تجهد فما أنت نائلُه
دع السعي فالمسعودُ تطلُبه المُنىوسعيٌ بلا سعد محال تحاولُه
هو السعد يدعو آخر الأمر ساعياًوحسبك سعياً في المرام تناولُه
ولا تبتئس إن أخلفَ المجدُ واصطبرهو الشهد قد شيبت بصبر أوائلُه
وما المجدُ إلا الصبر فهو أبو التقىوكم خامل بالصبر عزّت منازلُه
تفيّأ بظلِّ الله من روض قولِهأليس بكافٍ تلحقنك فواضلُه
وعِزَّتَهن دنياك واغْنَ بتركهاولا تحفلن بالرزقِ فاللهُ كافلُه
تَحلَّ بتاج القَنْع تَغْدُ مملَّكاًتطول على هام الرجالِ كواهلُه

وسمعت منه قصيدة رأيته أمتدح بها عزمي زاده، وقد تضمنت من الحكم والأمثال ما يعجز الفكر الثاقب عن إبداء مكنونها، فلو رآها المتنبي لتبرأ من دعواه وقال إنه صاحب المعجزة. ورأيت حاشيته على البيضاوي أتى فيها بالأبحاث الرائقة، والتحقيقات الفائقة، وله رحلة جامعة لفرائد الفوائد، سَمَّاها الإسفار عن الأسفار، وديوان شعر جيد اللفظ والمعنى، وله تعليقات على فنون من الحكمة، ورأيت بعض أهل الشام يقدح في شأنه وشرف مكانه، على قاعدة المرضى من علماء الظاهر، وكان الأولى بالإنسان أن يمنعه من الوقوع في غيره ما يعلمه من نفسه، وما أظن الحال معهم إلا كما قيل في هذا الابتلاء العام وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهوالقومُ أعداء له وخصومُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
كضرائرِ الحسناء قلنَ لوجههاحسداً وبغضاً إنه لدميمُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

وأنشدني للحلّي، وكانت له لغات متعددة:

بقدرِ لغاتِ المرءِ يكثرُ نفعهوتلكَ له عند الملمات أعوانُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «بقدر لغات المرء يكثر نفعه»
فهافت على حسنِ اللغات مجاهداًفكل لسانٍ في الحقيقة إنسانُ

وبحسب الحال أقول:

لا تقصد الروم خالٍ من لغاتهمولا تظنَّ الغنى في منطق العربِ
فلو أتيت بمضمون الصحاح فماأتيت فيهم بما يدني من الأربِ

وبالجملة فإنه لا فرق بين الجماد وبين مَنْ لم يفهم ما تقول، حتى في المغاني، وإذا دارت الأمور في العتاب فالعبرة باليد العليا فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

إذا كان قدرُ المرءِ إن جاء طالباًأقل قليل كيف يطمعُ في الفضلِ
وبالله أن الذلّ في وجه سائلٍأمر من المرّان ناهيك بالذلِّ

حكى السيوطي في تاريخ الخلفاء أن عبد الله بن الزبير كان له مائة غلام، يتكلم كلّ غلام بلغة أخرى، وكان يكلم كلَّ واحد منهم بلغته، عبد الله السواكني المدني:

رأيت بلاد الروم لا عيشَ عندهميطيبُ ولا صفوٌ يعادل أكداري
وكيف يطيبُ العيشُ لي بين فتيةٍنهاراً وليلاً يعرضون على النارِ

فقلت محوّلاً للمعنى بتغيير يسير:

رأيت بلاد الروم عيشي عندهميطيب وصفوي لا يشاب بأكدارِ
فقد ضل من قد قال فيهم بأنهمنهاراً وليلاً يعرضون على النارِ

فلما كان يوم الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، قدم علينا الشيخ العارف شيخ القادرية بمدينة خير البرية، فسمعت منه حديث طيْبَة طيِّباً ًًُ كأنَّه في صفحات فكري رقيم، وظفرت من أخلاقه بمحاسن يجد السلوَّ بها الفؤاد السقيم، أنشدني للخطيب يوسف الثقفي قال: أنشدنيهما لما قدمت عليه بدمشق:

من رامَ يحظى بالمسَرَّةِ والهنافليصْحَبَنّ العارفَ المدنيّا
فحديثهُ يشفي السقامَ وشكلهفي أيِّ زيٍّ شئتَه يتزيّا

وأنشدني لما نزل بدار مصطفى جلبي قصاب باشي:

إن في الروم سادة بلقاهمزال ما أشتكيه من أوصابِ
فاعذروني إذا انتميتُم لأسدٍفأنا كلبُ مصطفى القصّابِ

وأنشدني فيما يناسب الحال:

إن الغنى يستهابُ كلّما اعتكرتدجى الكروبِ جلا عنها حنادسُها
لا تنفع الخمسة الأشياء مُحْدقةلديك إلا إذا ما كان سادسُها

وفي أول ليلة جمعة من شهر رجب الفرد، أُوقِدتْ المناير وعُمرت المساجد بصلاة الرغايب، وهي غير معروفة بالحرمين الشريفين. قال ابن الأثير في جامع الأصول: وهي أول ليلة جمعة من رجب تصلى فيما بين العشاءين ثنتي عشرة ركعة بست تسليمات، كلّ ركعة بفاتحة الكتاب مرة والقدر ثلاثاً والإخلاص ثنتي عشرة مرة. فإذا فرغ من صلاته قال اللهم صَلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله

بعد ما يسلِّم سبعين مرة، ثم يسجد سجدة ويقول فيها: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول ربِّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العلي الأعظم، وفي الأخرى الأعز الأكرم سبعين مرة، ثم يسجد ويقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى.

وهو مَرْويٌّ عن أنس، ولم يوجد في الستة، والحديث مطعون فيه، انتهى كلامه.

وهذه الليلة عندهم من قبيل الأعياد، يتهادون فيها ويتزاورون وتفتح لها الأسواق. وابن الأثير هذا هو المحدِّث العلامة مجد الدين أبو السعادات:

وبنو الأثير ثلاثةقد حاز كلّ مفتخر
فمؤرخٌ جمع العلوموآخر ولي الوزر
ومحدّثٌ كتب الحديث له النهاية في الأثر

وممّن تشرفت بحضرته المولى الأجل نقيب السادة الأشراف، واسطة عقد نزار في آل عبد مناف، مولانا شيخ أفندي العلامة، رفع الله على منار الشرف أعلامه، ولا زالت تتناسق الألفاظ في ميادين مدحه المطابق للواقع، بذكر شمائله الشائقة، ونوافله الفائقة، وإحسانه المتتابع.

وإن أحسن قولٍ أنت قائلهُقول يقال إذا ما قلته صدقا

ولا غرو إذ كان من دوحةٍ أثمرت ملوكاً نتجوا من عنصر النبوة والرسالة، وأنتجوا مكارم الفتوّة والبسالة.

لكم يا بني الزهراء في الذكرِ آيةفجاحدها في الناس لاشك ملحد
إذا الله أثنى في الكتاب عليكمفما قدر ما تُثنى الأنام وتنشد

رفعت يوماً إلى معاطفه الرحيمة قصة وضمنتها هذا النظم:

يا ابن خير الخلق كن ليشافعاً في بسط قبضي
فأولوا الأرحامِ نصاًبعضهم أولى ببعضِ

فعطف عليّ بإحسانه، وتعطف بتلطفه وامتنانه، فما زلت في ظل مجده الوريف، منشداً في شأنه الشريف:

إذا ذكر الراوي أحاديث فضلهيقول الورى هذا الحديث المصدّق

وممن تشرفت بطلعته السنية في تلك الديار، وساعدتْ بلقائه الأقدار، مولانا عبد الرحمن

أفندي العشاقي، لا زال في كلاءة القدير الباقي، فرأيت منه مَتَّعه الله بحياته وأمدَّه بسنيِّ صلاته، مولى قد استغنى عن الألقاب، بما حواه من شرف الجناب:

وليس يصحّ في الأذهان شيءإذا احتاج النهار إلى دليل

ولم أكن أعرف ذاته الشريفة، ولا استنشقت عرف شمائله الوريفة، حتى دعتني إليه مكارمه، وأمدتني بمعروفه مراحمه، وأنشد في شأنه عندليب إحسانه:

لا عيب في جودهِ إلا ترادفهُقبل السؤال فراجيه كخجلانِ

ومما جرى به القلم، في شأن هذا المفرد العلم:

قد قلت للمجد من تهوى تواصلهوكلنا لك ذو وَجْدٍ وأشواقِ
فقال لي بلسانٍ غير معتذرلا أشتهي أن أوافي غير عشاقي

ولعل هذه معرفة نشأت عن العهد القديم، فانتشرت روائح عرفها الشميم، حتى أقول هذا مبتدأ ودادٍ لابد وأن يُرْفع خَبَرُه، وصِدْقُ ولاءٍ لاغَرْوَ أن يبدو على باب الصفاء أثره:

فأبقِ لي ودّه يا دهرُ متصلاًوخذ بقيةَ ما أبقيت من أملي

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بغداد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.