من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
بغداد
(وأما بغداد) فهي قاعدة أرض العراق، بناها المنصور العباسي في الجانب الغربي على الدجلة، وبلغت النفقة عليها أربعة آلاف ألف دينار، وحُصِرت حمّاماتها فكانت ستين ألفاً، حكاه الطبري في تاريخه.
يقال إن المنصور بنى أربع مدن على أربع طوالع فلا تخرب إلا بخراب الدنيا، وهي الرافعة بأرض الجزيرة، والمِصيصة بكسر الميم على بحر الشام، والمنصورة بالسند وطولها ميل في ميل، وبغداد بالعراق وهي مدّورة الشكل، وتسمى الزوراء لازورار قبلتها، وفيها يقول بعض واصفيها:
بلد طيب وماء معينوترى طينهُ يفوح عبيرا
وإذا المرءُ قدر السير منهُفهو ينهاهُ باسمه أن يسيرا
وقال:
لهفي على بغداد من بلدةٍكانت من الأسقام لي جُنَّه
كأنّني عند فراقي لهاآدم لما فارق الجنَّه
هذا والقاضي عبد الوهاب المالكي لما نبت به تلك الديار، وخرج منها طالباً مصر، قال بحسب حاله والحكم يدور مع العلة:
بغداد دار الأهل المال طيبةوللمفاليس دار الضنكِ والضيقِ
ظللت حيران أمشي في أزقّتهاكأنني مصحف في دار زِنديقِ
وممن تشرفت بحضرته، وتمليت بسنا طلعته، فخر قضاه العساكر، وليث الفضاء الكاسر، المولى أبو سعيد محمد بن أسعد، لا زال هام الفراقد يصعد، فإذا هو أعز الله تعالى قدره، وأطلع في أفق المعالي بدره، قرة عين الأعيان، وغرة جبهة الزمان، وهو القائل فيه:
عَلتْ درجات الفضل واتضحتدقائق من معاني لفظه البهجِ
هذا وليل الشباب الجون منسدلفكيف حتى يضئ الشيب بالسرجِ
يا حبذا أعين الأوصاف ساهرةبين الدقائق من علياه والدرجِ
كيف لا وهو الذي أثنت علوم الأوائل على طبعه السليم، وذوقه المستقيم، وشهدت بفضله رواة الحديث النبوي، فما أعلى قدر من شهد بفضله الحديث والقديم:
-
فالدهر يرقص والأيام تنشدههذا هو العيش إلا أنه الهاني
فلا زال متفقها في الخيرات ومدرساً ومعيداً، وكما أسعد براعة ابتدائه يجعل ختامه سعيداً.
فإني وإن بالغت في الشكر والثناعليه مقر بالقصور وبالعجزِ
ولكنني أرجو الذي عَمَّ فضلهيجازيه عني فهو أكرم يجزى
من لطائفه زاد الله في عواطفه، أني قصدت زيارته فرأيت على أعتابه الشريفة
من القضاة وطالبي المناصب خلقاً، قد تسربلوا بأنواع القماش، ونفخوا روح العظمة في هيكل الشاش، فأردت الدخول فلم يؤذن لي، فتصاغرت نفسي، وفقدت بالوحشة أنسي، وقلت هذه أثمان المطامع، خصوصاً بغير الطالع، فكتبت هذين البيتين:
إني أتيتُ لبابكَ العالي لكيأحظى بتقبيل الأيادي العاليه
فمنعتُ من حجابِ حضرتك التيهي للوفودِ مكارم متواليه
وبعثتهما مع غلام له، توسمت فيه جمال اللطف ولطف الجمال، فجاء الإذن فدخلت، وأخذت حظاً من مكارم أخلاقه، فلما أردت الخروج وضع في الرقعة شيئاً من فاقع اللون الذي يسر الناظرين، بحيث لم يفهم ذلك من كان هنالك، وقال: احتفظ الرقعة لتعود بها، فخرجت وأولئك القوم بحالهم على تلك الأبواب، وأظن العرق فيهم على مراتبهم، لشدة الحرّ والزحام، والانتظار الذي حيل بينه وبين المرام.
يقولون عيش البرمكيين طيبفقلت وعيشي بالسلامة أطيبُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع