تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

رودس

مع حسن بهجتهامن كلّ فدم بليد الطبع فاسده

فكنت كما قال:

أصبحت في بلدة غراء تجهلنيوكلّ ثاوٍ بدار الجهل مجهولُ
في معشر ما لأهل الفضل عندهمقدر ولا لبني الآداب تفضيلُ
دار من مزخرفة الأركان ليس بهاإذا سلكت الهدى إلا التماثيلُ
فحق أن أذكر الزورا وجيرتهاوروضة الطهر فهي القصد والسُولُ
لا أبعد الله هاتيك الرياض ولازالت لها من سحاب الخير تظليلُ

فلا غرو أن أذكر معاهد الفضل ومواطنه، وأمتدح موارد الأدب ومعادنه، وأبوح بهوى تلك البقاع البهيّة، وأنوح متشوقاً إلى هاتيك الرباع الحرمية.

بلاد بها نيطت عليّ تمائميوأول أرض مَسَّ جلدي ترابُها
فلا برحت تزهو على الأفق بالبهاولا زال يهمي في الرياض سحابُها

رودس

ورودس هذه جزيرة في البحر الرومي، ساحتها ثلاثة فراسخ وعمارتها فرسخ، وعليها ثلاثة أسوار منيعة، وثلاثة من الخنادق، وتمشي في عرض السور ثلاث عربات، وهو مخرق من أعلاه إلى أسفله، في كلّ كوة مدفع يضرب ما يحاذيه، ولا يؤثر في هذا الحصار شيء من المدافع، وفي بابه سلسلة عظيمة في وسط

البحر تمنع وصول شيء من المراكب إلى الباب، وهو قديم البناء محيط به البحر من جانب وبر الجزيرة من جانبين، وفيها بساتين، وكنايس عظيمة صارت مساجد، وحمام، وسوق كبيرة وهي الآن في ثوب البهاء، وخارج العمارة بساتين مختلفة الثمار والأزهار. ولها خبر طويل في الفتوحات السليمانية افتتحها السلطان سليم سنة تسع وعشرين وتسعمائة، فحصل بذلك لأهل الإسلام كمال المسرة، وعملوا تواريخ منها يفرح المؤمنون بنصر الله، قاله القطبي في الأعلام.

وأما البحر الرومي وهو بحر الشام والقسطنطينية، فهو يخرج في الإقليم الرابع من المحيط، فيمر مشرقاً بشمال الأندلس إلى القسطنطينية، ويمتد ببلاد الجنوب إلى سبته إلى طرابلس الغرب إلى الإسكندرية، ثم إلى سواحل الشام وإلى أنطاكية. قال المقريزي: وطول هذا البحر خمسة آلاف ميل وعرضه من سبعمائة إلى ثلاثمائة، وفيه مائة وسبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة معروفة، وحكى بعض الفلاسفة أنه كان ما بين الإسكندرية والقسطنطينية في قديم الزمان أرض تنبت الجميز، وكانت وخيمة وسكانها من اليونان، إلى أن خرق الاسكندر إليها البحر، فغلب على تلك الأرض.

ولما كان آخر جمادى الأولى، ركبت البحر صحبة أمير لواء البحر السكندري جمال الأمراء محمد بن سويدان، لا زال في كلاءة الملك الديان، فظفرت منه بما شغلني عن السكن والأهل والوطن، ولم أزل من مسامرته مدة مسايرته، فيما أنساني بإحسانه شتات الليالي، وأولاني من منثور فوائده ما هو أشرف من عقود اللآلي، فيا له من بحر يسير على بحر، وواسطة عقد محله من جيد المعالي ما بين السحر والنَحْر، وقد اختصرت فيما سطّرت، واقتصرت على ما ذكرت، فاقنعن من صفات مجد طويل بمقالي، فإن الكتاب قصير. ولما رآني وجهت إليه آمالي، وعولت فيما قصدت عليه، حقّق لي أملي، ولم ينظر إلى عملي، وأذكرني

ما حكى المدايني، أن رجلاً

دخل على الملك العظيم عيسى فأراد أن يعاقبه، وكان عنده ابن شبرمة، فقال له الملك: أتعرف هذا الرجل؟ قال: نعم إن له بيتاً وشرفاً وقدماً. فأمر بإطلاقه وأحسن إليه. فقيل لإبن شبرمة: هل عرفته قبل ذلك؟ قال: ما رأيته قبل هذا الوقت، ولكن لما نظر إلي فأمّل فيّ الخير كرهت أن أخذله. قيل: فكيف نعته؟ قال: أعلم أن له بيتاً يأوي إليه، وشرفه أذناه ومنكباه، وقدمه الذي يمشي عليه، فلله هذا الاشتراك الذي لولاه ما تهيأ لمستتر مراد. ما أحسن ما قال:

إن للهِ غير أرضك مرعىنرتعيه وغير مائك ماء
إن لِله في الخلائقِ لطفاًسبق الأمهات والآباء

ثم إني سرت في صحبة هذا العزيز محفوظاً بجنابه الحريز، وقد طار بنا ذلك الغراب الرحب الجناب، وقد أقبل الشتاء وجنوده، وزمجرت رعوده، وأشهر لوامع البرق، ورمى سهام أمطاره ما بين الغرب والشرق.

بسحابٍ إذا همى الماءُ منهألهب الرعدُ في هواه البروقا
مثل ماء العيون لم يجر إلاظل يذكي على القلوب حريقا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

ونحن نسأل الله تعالى السلامة، وأن يخرجنا من هذا البحر وقد شملتنا منه كلّ منة وكرامة، وعلى ذكر الشتاء فما ألطف قول القطب مورياً بالبرد:

توقّ من الشتاءِ ولا تخاطربنفسك قائلا إني جليد
فرضنا أن جسمك من حديدفهل يقوى على البردِ الحديد

ثم لم أزل كذلك على ظهر ذلك البحر الأسود، وأنا أتمنى فراقه ولا أقول العود أحمد ولولا ما حصل للخاطر في ذلك المقام من الجمع التام، لدى ذلك المقام العالي الأعز المتلالي، فإني وجدت في خزانته من الكتب المفتخرة، والدفاتر المعتبرة، ما وقعت به على ضالتي المنشودة، وبقية روحي المفقودة، فكنت أسرّح

طرفي في طرفها، وأسْرَح في رياضها فأجتني اللطائف من مبسوطها ونتفها.

إذا ما خلوتُ من المؤنسينطلبت المؤانسَ في الدفترِ
فلم أخلُ من شاعر محسنٍومن فاضلٍ ناصح منذرِ
ومن حكم بين أثنائهافوائد للناظر المُفكرِ
للشاعر علي بن هارون المنجم، اقرأ القصيدة
فلست أرى مؤثراً ما حييتنديماً عليها إلى المحشرِ

ومن إملاه دام علاه:

لا تقعدن على ضيم ومسغَبةٍلكي يقال عزيز النفس مُصطبرُ
وأنظر بعينك هل أرض مُعطلةمن النبات كأرض حفّها الشجرُ
فعدّ عما يشير الأغبياء بهِفأيُّ فضل لعود ماله ثمرُ
وانقل ركابك عن ربع ظمئتَ بهإلى الجناب الذي يَهمى به المطرُ
واستنزل الري من درِّ السحاب فإنبُلّت يداكَ به فليهنك الظفرُ
وإن رُددت في الردِّ منه منقصةعليك قد رُدَّ موسى قبل والخضرُ

ولما كان اليوم الثاني عشر من جمادى الآخرة، وصلنا إلى صاقص، وهو بالتركية اسم للمصطكي سمّيت به تلك الجزيرة لأنَّه لا يوجد إلا بها، قيل يخرج منها مائة صندوق في كلّ عام، فتوزع على سائر البلاد، في كلّ صندوق مائة أقة بوزن البلاد، وما زاد على ذلك رُمي في البحر كيلا يرخص

عن قيمته، وهو عجيب.

قال البصير في التذكرة: المصطكي وهو العِلْك الرومي، ولا يوجد إلا بصاقص من أعمال رودس في الخامس، وقيل يوجد بإشبيلية من الأندلس إلا أنه غير جيد، وشجره في البساطة ولطف العود والورق كشجر الأراك، يُؤخذ صمغه في شمس الجوزاء فتبقى قوته نحو عشرين سنة، وهو حار في الثانية يابس في الثالثة، أجوده الأحمر البراق والأبيض المُفْرِط في اليبس الهيِّن الانفراط، ومن خواصه تسهيل البلغم مضغاً وإذهاب الصداع وحديث النفس، وإذا بُخِّر به قطن بُلَّ بماء

ورد وجُعِل على العين سكن الرمد والوجع، قال وهو مجرب. ثم قمنا منها وقد أغرقتنا الأنواء بالغمام، فتوقعنا قبل الوصول للحمى وِصَال الحِمام، وبلينا من خفق الغراب بأليم العذاب، وقد اسودَّ السحاب فشابت منه ناصية البحر، وبات الثلج منا ما بين السحر والنحر، وقد تطايرت القلوب من ليل هو أشد سواداً من الغراب، وغراب هو أعظم في تقلّبه من الطائر النعاب، فكنت كما قال:

وركبت بحر الروم وهو كحَلْبَةوالموج تحسبه جواداً يركض
كم من غراب للقطيعة أسودفيه يطير به جناح أبيض
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «ولقد ركبت البحر وهو كحلبة»

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة الشتاء والصيف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.