من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
فائدة (١٤)
في معرفة ثقيل الماء وخفيفه: تُبلُّ قطنتان متساويتان وتجففان في الظل، والماء الذي قطنته أخف فهو أخف، كذا في تذكرة الشيخ جمال الدين العصامي. ثم إني دخلت خاويَ الوفاض، بادي الإنفاض، لا أملك بلغه، ولا أجد في جرابي مضغة، فطفقت أجوب طرقاتها كالهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، أورد في مسارح لمحاتي، ومسانح غدواتي وروحاتي، كريماً أخلق له ديباجتي وأبوح إليه بحاجتي، وأديباً تُفرِّج رؤيته غُمَّتي وتروي روايته غُلّتي، فانصرفت من حيث أتيت وقضيت العجب مما رأيت، وهكذا شأن من لفظته معاول الإرفاق إلى مفاوز الآفاق، ومن اقتعد غارب الإغتراب، وأنأته المتربة عن الأتراب، رأى من تقلب حاله ما لا يجرى في خياله.
وإنّ اغتراب المرء من غير فاقةولا حاجة يسمو لها لعجيب
وحسب الفتى ذلاً وإن أدرك الغنىوإن نال مجداً أن يقال غريب
فأقمت بها مدة تناهز مدة الهلال، وعِدّة لم تُسْفر فيها وجوه الآمال، فلا مسامر في تلك المسامر، ولا منادم بوجه سافر.
مدادي مدامي والكؤوس مَحَابرينداماي أقلامي وفاكهتي شِعري
ومسمعتي ورقاء ضنّت بحسنهافأسدلت الأستار من ورق خضر
وأنا من سكانها بين خلق في صورة البشر، وأعيان جمعوا بين الحماقة والأشَر، فما أولاني في تلك الحال، بقول من قال:
يا ضيعة العمر في قوم تخالهمناساً ولا غير أثواب على صور
لو أن ذا الحلم حَلَّ بينهملودّ فيهم ذهاب السمع والبصر
لهم كلام تقشعر منه الآذان، بأصوات مقلوبة ما دقت باب الدخول، ولا فرقت بين الفروع والأصول، فكم أطربت ولا أطربت وكم أغربت ولا أغربت.
وكم حوت
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع