من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
قصة (٢)
وليست من باب المعاتبة، ولكن الشيء بالشيء يذكر بالاستطراد وبالمناسبة، وبرزتُ يوماً من باب السدرة متنزهاً، فرأيت جماعة من الناس حول عمود السواري، فدنوت منهم فإذا بهلوان من أروام حلب، رطب القوام عذب الكلام، فوه
ماء الحياة، شاربه أخضر لم يصل إلى الظلام، قد نصب الحبال إلى رأس العمود وارتقاها، وأظهر من فنون الصنعة وأعاجيبها ما أدهش به العقول وحيّر الأفكار، ثم قال: يا أهل الإسكندرية أعينوني على السفر وأنا أريكم عجائب هذه الصنعة، فلما نزل إليهم ليجمع منهم شيئاً من الدنيا، فروا كالعرب المأخوذة فتذكرت قول القائل:
يا كحيل العيون إنك ظبيبلقاه قد تسعف الأقدارُ
كل شيء يهون عندي إلادرهم ترتجيه أو دينارُ
هذا وكان فيهم الرؤساء والتجار، والعدد الذي لا يحصى ولكنه بلا مدد، على أنها كانت دار الكرام، ومدار بلوغ المرام.
فتغيرت تلك البلاد وأهلهاوغدت حديثاً مثل أمس قد مضى
استغفر الله الستار، وإن نقل مثل هذا الكلام يدل على سخافة الناقل، ويقضي على أنه ليس بعاقل، ولكن ذلك دأب أهل القيل والقال، ورواج آداب هذا المجال. وكان البهلوان يلقي شيئاً من المواليات الرائقة وهو يمشي على الحبال، فكتبت منة هذا البيت لما اشتمل عليه من حسن الصنعة، ويسمى بالمنطق المردوف وذا الاشتقاق:
قطعت كم بيد أطلب من وصاله بادوبالجفا باد مالي مَنْ أخذ لي بيد
والقلب قد صيد مع محبوب لحْظُه صادكم من أسد صاد ما لو من أسود وصيد
قلت الوفا عيد أمرضني ولي ما عادوالحُزن لي عاد من هجرُه وقربُه عيد
أحوى حوى جيد للمحسن المفدى جادبالوصل ما جاد لكن كلّ فعله جيد
وفي هذا الوزن الراجح:
أنفقت كم عين والحبوب مالي عانوأنا الشجيّ العان أضحى دمع عيني عِين
والحبّ ما بين غزلان النقا والبانعنه العنا بان وانزاحت صروف البِين
محب لو حين وجنَاتُه طلا في حانوالصبّ قد حان فيها شرب كأس الحين
لامسه شِين إلا دائماً نشوانقد أمنحو شان ما قارن بسعده شِِِِِين
وقد علمت أن هذا الوزن مبني على التسامح، واللحن يَعْذُبُ فيه إذا كان به، أحسن من أن يكون معرباً، بل قال السيوطي في شرح الموشح النحوي أنه يجب فيه اللحن. وفي كتاب منتهى الآمال من مشتهى الموال شيء من أحكامه. قيل وإليه وقعت الإشارة على وفق ما فرطنا في الكتاب من شيء بقوله تعالى والطير محشورة كلّ له أواب لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا كما قيل في استخراج اسم هود ﵇ من قوله تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها بطريق التعمية. وأصل هذا الوزن من البحر البسيط، وسبب تسميته بالمواليا ما يحكى أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر، فرثته جارية له بهذا الوزن حيث لم يكن
شعراً، وهي تندب وتقول: يا مواليا. فسُمّي بذلك. قيل وأول بيت قالته في هذا الوزن قولها:
يا دار أين ملوك الأرض أين الفرسْأين الذي قد حَموْكِ بالقنا والترسْ
قالت تراهم رمم تحت الأراضي دُرسْسكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرسْ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع