تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

لطيفة (٤)

دخل الشيخ عبد الرزاق فاتح البيت المعظم على السيد الحسن بن أبي نمي شريف مكة شرفها الله تعالى، ليستأذنه في ركوب البحر لضيق حاله، فأنشده الشريف:

فيم اقتحامك لجَّ البحرِ تركبهوأنت يكفيك منه مَصَّةُ الوَشَلِ

فأنشده على البديهة من القصيدة:

أريد بسطةَ كفٍ أستعين بهاعلى قضاء حقوق للعلى قِبَلي
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

فأمر له الشريف بألف دينار. وعلى ذلك في التحفة السنية في الدولة الحسينية أن السيد شكر بن الحسن الملقب بتاج المعالي رأى فرساً مع شخص من العربان، فأعجبته ولم يمكنه طلبها منه، فلما قضى مناسكه بعث وصيفاً بألف دينار يسأله

قبولها في مقابلة الفرس، فأمسى الوصيف على العربي فأضافه بالفرس. فلما أصبح كلمه في ذلك، فقال: إنك لما أمسيت علينا لم يكن عندنا ما نضيفك به، فذبحنا لك الفرس. فبُهِت الوصيف، ثم إنه دفع الألف إليه فأمتنع من قبولها، فبالغه الوصيف حتى قبلها، فلما رجع إلى سيده قَصَّ عليه الخبر. فقال له: ما فعلت بالألف؟ قال: أعطيتها العربي بالمبالغة. قال: نِعْمَ ما فعلت، ولو لم تفعل ذلك لرأيت ما تكره، وحيث فعلت ذلك فأنت حرّ. تُوفِّيَ السيد تاج المعالي سنة أربع وستين وأربعمائة وكان أميراً جليلاً جواد جميلاً، سارت بذكره الركبان، وشهدت بفضله العربان، وهو رابع من ملك مكة من الدولة الحسينية، فإنه ملكها عن أبيه الحسن بن جعفر، وملكها عيسى عن أبيه جعفر بن محمد الحسيني المستولي عليها بالسيف، فإنه دخلها وقتل من طوائف العرب الهذيلية والطلحية وغيرهم وأخلى الترك عنها، وبقيت في يده إلى أن دعاه واجب الإجابة فلباه، وذلك في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أيام العزيز بالله الفاطمي.

وما هذه الأيام إلا صحائفٌنؤرخُ فيها ثم تُمْحى وتُمْحق
وأعجب شيء أن دائرة المنىتوسعها الآمال والعمر ضيق

مجير الدين بن تميم:

عجبت للبحر لما أنْ رأيتُ بهِتلك الصواري وقد أرْمتْ على الحُبُكِ
أظنها لم تطل إلا وقد وليتحمل الرسائل بين الفُلك والفَلكِ

وقال:

ولما ركبت البحر والبحر قد طماوهاج علينا موجه يتلاطمُ
تمشّت بنا في لجة ببطونهاكما يتمشى في الصعيد الأراقمُ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وقال:

وركبت بحر الروم وهو كحَلْبَةوالموج تحسبه جواد يركضُ
كم من غراب للفظيعةِ أسودِفيه يطير له جناح أبيضُ

وقال آخر:

سفر البر كيف كان جميلليس لي في البحار من أوطارِ
لست ممن يلقى الهلاكَ بنفسطمعا في غنائم الأخطارِ

(حكى) الشيخ الأكبر أن رجلاً من علماء المغرب قصد الحج ثم تردد بين أن يسافر براً أو بحراً، فعقد النية على مشورة من يلقاه، فلما برز من داره

لم يلقه إلا يهودي، فاغتمَّ لذلك ثم عزم على أن لا يحل ما عقده مع الله تعالى، فاستشار اليهودي فقال له: إن الله تعالى يقول: هو الذي يسيركم في البر والبحر فلولا أن البرّ أفضل من البحر لما قدّمه عليه، فرجع الشيخ مسروراً بذلك والله وليّ التوفيق. الشيخ الفرفوري:

أبا خالد أحسنت لا زلت محسناًرفيقاً بمن يهوى جواريك هاديا
ثنيتُ عِنان الفُلك عنك مودعاًوداع امرئ لا يرجع الدهر ثانيا

وقال آخر:

ولقد ركبتُ البحرَ أرجو راحةًفشهدتُ فيه مواقعَ الأهوالِ
وعزمت أن لا عدت فيه ثانياًوهجرته في سائر الأحوالِ

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بولاق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.