تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

فائدة (١٠)

قال الجلال السيوطي في الإتقان في النوع الرابع والثلاثين، في كيفية تحمّل القرآن: الإجازة من الشيخ، غير شرط في جواز التصدّي للإقراء والإفادة، فمن علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد، وعلى ذلك السلف الأولون والصدر الصالح، وكذلك في كلّ علم في الإقراء والإفتاء خلافاً لما يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطاً، وإنَّما اصطلح الناس على الإجازة لأن أهلية الشخص لا يعلمها غالباً ممن يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم، لقصور مقامهم عن ذلك والبحث عن الأهلية، ولا تجب الإجازة على الشيخ ولا يجوز أخذ الأجرة عليها.

ومليحةٌ شهدت لها ضرّاتهاوالفضل ما شهدت به الأضدادُ

والشاطبي:

قل للأميرِ نصيحةًمن حاذق فطن نبيهِ
إن الفقيه إذا أتىأبوابكم لا خير فيهِ

وما أحسن ما قال:

إذا الفتى فاته مال يجمّلهففي التأدبِ مما فاته خلفُ
هو اللباس الذي لا شيء يعدلهوالمفخر الزين فيه الفضل والشرفُ

وقال:

كفى شرفاً بالعلمِ دعواه جاهلويفرح أن يدعي إليه وينسبُ
ويكفي خمولا بالجهالةِ أنهيُراعُ متى يعزى إليه ويغضبُ

وقال:

إذا ما اعتز ذو علم بعلمٍفعلم الفقه أولى باعتزازِ
فكم عرفٌ يفوح ولا كمسكوكم طير يطير ولا كبازِ

وقال:

وقد يدعي علم القراءات معشروباعهم في النحو أقصر من شبرِ
فإن قيل ما إعرابُ هذا ووزنهرأيت طويل الباع أقصر من فترِ

وقال:

من تحلى بغير ما هو فيهفضحته شواهد الامتحان
وجرى في العلومِ جري سكيتٍخلّفتهُ الجيادُ يومَ الرهان

وما أصدق ما قال:

كل من يطالب العلوم وحيداًدون شيخ فإنه في ضلالِ
ليس في الكتب والدفاتر علمإنَّما العلم في صدور الرجالِ

وقال:

اليوم حَرْفٌ وغداً مثلهمن نُخَبِ العلم التي تلتقط
يحصِّلُ المرء بها حكمةوإنَّما السيل اجتماع النقط

وقال:

قيد بخطك ما يبديه فكرك مننتيجة تعجب الحُذّاق والفُضَلا
فما نتائج فكر المرء بارزةفي كلّ وقت متى ما شاءها فَعلا

وقال:

جئنا إلى العلم في زمانيحط فيه من كان عالم
ويرتقي فيه للمعاليمن عدّه الله في البهائم

وقال:

لو أن لقمان الحكيم الذيسارت به الركبان في الفضلِ
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «لا يدرك الحكمة من عمره»
يُبْلى بفقر وعيال لمافرّق بين التيس والبغلِ

وقال:

فصاحةُ حسانٍ وخط ابن مُقْلَةٍوحكمةُ لقمان وزهد ابن مريمِ
لو اجتمعت في المرء والمرء مفلسونودي عليه لا يباع بدرهمِ

وقال:

إذا ما مات جارك ذات يومولست بواجد حبّ العَشاءِ
فأنت بأن يُعَزّوك اليتامىأحق من اليتامى بالعزاءِ

وقال:

إن كنت تسعى للزيادة فاستقمتنل المرادَ وقد سَموْت إلى السما
ألِف الكتابة وهو بعض حروفهالما استقام على الحروفِ تقدما

ابن زيادة في النقصان:

من يستقم يُحرم مُناه ومن يَزِغيختصُ بالإسعافِ والتمكينِ
انظر إلى الألف استقام ففاتهنقط وفاز به اعوجاج النونِ

وقال آخر:

ما للقريض غدتْ تُعافُ بحورهبين الأنامِ ودوحهُ لم يثمرِ
غلبَ الكسادُ عليه حتى أنهلو بيع عند النجم غاب المشتري

وقال:

يا من يحاولُ راحة في دهرهِصبراً على ما نلت من خَطْبٍ عَسِرْ
وكن اسم فعل لا يؤثر عاملٌفيه وإلا فالضمير المُستَتِر

وقال:

سرك إن أودعته ثانياًفاعلم بأن قد آن أن يفشيَه
لأن ما أُضْمِر في حالة الإفراد تستخرجه التثنيَه

وقال:

إياك من صاحب ترجو معونتهأو فتية من بني الأيام تألفها
ولا تقل أبتغي ثانٍ أضاف بهفإن تثنية الأسماء تكشفها

وقال:

إذا نلت المنى بصديق ودّوكان وفاقه وفق المراد
فحاذر أن تعامله بقرضفإنّ القرض مقراض الوداد

قال:

لا تُقرضنّ الصديق شيئاًإن رمت أن تقتني وداده
فالأخذ مثل النكاح حلووالرد أنكى من الولاده

وقال:

تأنَّ وشاور لدى المشكلاتفمنها جلىّ ومستغمضُ
فرأيان أثبت من واحدٍورأى الجماعة لا ينقضُ

وقال:

إذا اجتمع الناسُ في واحدٍوخالفهم في الرضى واحد
فقد دلَّ إجماعهم دونهُعلى عقلهِ أنه فاسد

وقال:

على قدرك الصهباء تعطيك نشوةولست على قدر السلاف تصابُ
ولو أنها أعطتك يوماً بقدرهالضاقت بك الأكوانُ وهي رحابُ

وقال:

لعمرك ما الإنسانُ إلا ابن يومهعلى ما تجلى يومه لا ابن أمسِهِ
وما الفخر بالعظم الرميم وإنَّمافخار الذي يبغي الفخار بنفسِهِ

وقال:

لعمركَ ما الإنسانُ إلا ابن دينهِفلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد فاز بالإسلامِ سلمانُ فارسٍوقد حَطَّ بالجهل الشريفُ أبو لهب

وقال:

هذا الزمانُ الذي كنا نحاذرهُفيما يحدّث كعب وابن مسعودِ
إن دامَ ذا الحالُ لم نحزن على أحديموتُ منا ولم نفرح بمولودِ

وقال:

من كان يرجو أن يعيش فإننيأصبحت أرجو أن أموتَ لأُعتقا
في الموت ألفُ فضيلة لو أنهاعرفت لكان سبيلهُ أن يُعشقا
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

وقال:

قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوافي الموت ألفُ فضيلةٍ لا تعرفُ
منها أمان لقائه بلقائهِوفراق كلّ معاشر لا ينصفُ

وقال:

جزى الله عنا الموت خيراً فإنهأبرُّ بنا من كلّ بَرٍّ وأرأفُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «جزى الله عنا الموت خيرا فإنه»
يعجّلُ تخليص النفوسِ من الردىويدني من الدار التي هي أشرفُ

وقال:

جزى الله الشدائدَ كلّ خيرٍوإن جرَّعنني غصصي بريقي
للشاعر إبراهيم مرزوق، اقرأ القصيدة
وما شكري لها إلا لأنيعرفتُ بها عدوي من صديقي
للشاعر إبراهيم مرزوق، اقرأ القصيدة

وقال:

يمثل ذو اللبِّ في نفسهِمصائبهُ قبل أن تنزلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»
فإن نزلت بغتةً لم يُرعلما كان في نفسهِ مثّلا
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «يمثل ذو العقل في نفسه»

وقال:

إذا المرءُ من أعداه لم يشفِ نفسهُفما نفعهُ إن قام للثار طالب
للشاعر ابن فليتة، اقرأ القصيدة
ومن لم يطبْ منهُ الثنا في حياتهِفلا نفع إن أثنتْ عليهِ النوادب

-

وقال:

لا تستدل على تغيرِ صاحبٍوزوالِ صحبتهِ وخَفْرِ ذمامهِ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لا تستدل على تغير صاحب»
يوماً بأوضحَ من تَجَشّمِ وجههِوجفاء منطقه وسخط ملامهِ

وقال:

ما دمتَ حياً فدارِ الناسَ كلّهمفإنَّما أنت في دار المدارةِ
للشاعر أبو سليمان الخطابي، اقرأ القصيدة
من يدرِ دارى ومن لم يدر سوف يُرىعمّا قليل نديماً للنداماتِ
للشاعر أبو سليمان الخطابي، اقرأ القصيدة

وقال:

عوِّد لسانَكَ حسنَ القولِ تنجُ بهِمن زلةِ اللفظ بل من زلة القدمِ
واحذر زمانكَ من خلٍّ تنادمهُإن النديم لمشتقٌ من الندمِ

وقال:

لا تَحقرنّ امرءاً إن كان ذا ضَعَةٍفكم وضيعٍ من الأقوام قد رأسا
وربَّ قوم حقرناهم ولم نرهمأهلاً لخدمتنا صاروا هُمُ الرؤسا

وقال:

وكنتُ أظن أن جبال رضوىتزولُ وأن وُدّك لا يزول
ولكن القلوبَ لها انقلابٌوأحوال ابن آدم تستحيل

وقال:

إن الصفا في شرب كلّ مودةلم يخل من كدرٍ لمن هو وارد
فإذا صفا لك من زمانك واحدٌفهو المرادُ وأين ذاك الواحد

وقال:

قَوِّض خيامك عن أرض تضام بهاوجانب الذل إن الذل مُجْتَنَب
للشاعر شكر بن الحسن أمير الحرمين ، اقرأ القصيدة
وارحل إذا كان في الأوطان منقصةفالمندل الرطب في أوطانه خشب
للشاعر شكر بن الحسن أمير الحرمين ، اقرأ القصيدة

وقال:

تفقّدُ الساداتِ خُدامهممكرمةٌ لا تنقصُ السؤددا
هذا سليمان على ملكهِقد قالَ مالي لا أرى الهدهدا

وقال:

ترى الفتى ينكرُ فضل الفتىما دامَ حياً فإذا ما ذهب
لجَّ به الحرصُ على نكتةيكتبها عنهُ بماءِ الذهب

قال:

يا سادتي هل يَخْطُرَنَّ ببالكممن ليس يخطرُ غيركم في بالهِ
حاشاكمو أن تغفلوا عن حالِ منهو غافلٌ في حبكم عن حالهِ
للشاعر بهاء الدين الصيادي، من قصيدة «سرنا على شطط النوى بجمالكم»

وقال:

نظرت فأقصدتِ الفؤادَ بسهمهاثم انثَنت عنه فكادَ يهيمُ
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعهن أليمُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قلبي من الطرفِ السقيم سقيم»

وقال ابن الرومي:

إذا سرَّها أمر وفيه مآثمقضيتُ لها فيما تريد على نفسي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا سرها أمر وفيه مآثم»
وما مرَّ يومٌ أرتجي فيه راحةفأذكرها إلا بكيتُ على أمسي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا سرها أمر وفيه مآثم»

قال:

أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌإليها وهل بعد العناقِ تداني
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعانقها والنفس بعد مشوقة»
وألثمُ فاهاً كي تزول صبابتيفيشتدُّ ما ألقى من الهيمانِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقة»
كأن فؤادي ليس يشفي غليلهسوى أن يرى الروحان يمتزجانِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعانقها والنفس بعد مشوقة»

وقال ابن مكانس:

ثلاث تجمّعن في ريقهاملاحٌ أدلتها واضحه
فإن قيل ما هي تلك الثلاثقُل اللون والطعم والرائحه

وقال آخر:

زارت معطرة الشذى ملفوفةًكي تختفي فأبى شذا العطرِ
يا معشرَ الأدباءِ هذا وقتكمفتناظموا في اللّفِ والنشرِ
للشاعر الوزير فخر الدين ابن مكانس القبطي، اقرأ القصيدة

وفي حركات البناء لابن الحنبلي:

ضممتُ إلى صدري فتاة صغيرةلها سحر أجفان تخلّى عن الذمِ
ومذ كسرت أجفانها قلتُ هذهعلى الفتحِ لم تقدر فمالي سوى الضمِ

وفي المعنى:

شاقني رِدفٌ مليحٌلحروف النحو يجمع
يفتح الجزم لنصبٍولأجل الجرّ يرفع

وقال آخر:

تأخّرتْ عن موقفيفقلتُ يا خودُ قفي
ثم عديني موعداًختامُه مسكٌ وفي

وقال آخر:

العيش دارٌ رحبة وحليلةحسناً ومهر فارهُ
فاظفر بهن ولا تبالي فالورىإما محبٌ مخلص أو كارهُ

وقال مهيار الديلمي:

وكنتُ ألومُ العاشقين ولا أرىمزيةً ما بين الوصالِ إلى البعدِ
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «بطرفك والمسحور يقسم بالسحر»
فأعدى إليّ الحبَّ صحبة أهلهِلم يدر قلبي أن داء الهوى يعدي
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «بطرفك والمسحور يقسم بالسحر»

وقال آخر:

أمّلتُ أن يتعطفوا بوصلكمفرأيت من هجرانكم ما لا يُرى
وعلمتُ أن جفاكم لا بدَّ أنيجري له دمعي دماً وكذا جرى

وقال الصفدي:

يا من تناسى ودادي بعد معرفةوقد غدا طوع لُوّامٍ وعُذّالِ
ما أنت أول محبوب ظفرتُ بهمن الزمان فخابت فيه آمالي

وقال آخر:

تعشقتُ بدراً ليس لي فيه مطمعسوى أنني في حسنه أتفكر
مليحٌ إذا قابلته ورأيتهُرأيت محلَّ البدر من أين يُسْفِر

وقال آخر:

سارقتهُ نظرةً أطالَ بهاعذاب قلبي وما له ذنبُ
يا جور حكم الهوى ويا عجباًيسرقني ويقطع القلبُ

وقال آخر:

يا أيها الناس من رأى قمراًمن أي أفق أراده طلعا
لو كلف العلمين قاطبةًأن يعبدوا وجهه لما منعا

وقال آخر:

مدادهُ في الطِرسِ لمّا بداقبّله الصب ومن يزهد
كأنَّما قد حلَّ فيه اللمىأو ذابَ فيه الحجرُ الأسود

وقال آخر:

ولقد أقولُ لمن تعشق أغيداأو غادةً وغدا أسيرَ وثاقِ
ما مذهبي عشقُ الجمالِ مقيداًبل عِشقه ديني على الإطلاقِ
قد كان في ذكرِ الذين أحبهمذكرى اللبيب وعبرة الأشواقِ
فاخلع محبةَ من يموتُ وخذ بنايا قلب في عشق الجمال الباقي

وقال:

يا قلبُ إن خان الخليل فخلِّهفلكم فتى ذاق العنا من خِلّهِ
ولربَّ حادثةٍ تخلى عندهامن كنت أَرْخِص مهجتي من أجلهِ

وقال:

لا غرو من حزني لبينهميوم النوى وأنا أخو الّهمِِّ
فالقوس من خشبٍ تئنُ إذاما كلّفوها فرقة السهمِ
للشاعر ابن أفلح العبسي، اقرأ القصيدة

وقال:

سامح أخاك إذا أتاك بمنكرفخلوص شيء قلما يُتمكّن
ولكلِّ شيء آفة من جنسهإنّ السراج على سناه يدخّن

ما أنصح ما قال:

مع العلم فاسلك حيث ما سلك العلموعنه فكاشف كلّ من عنده فهمُ
ففيه جلاء للقلوب من العمىوعون على الدين الذي أمره حتمُ
فإني رأيت الجهل يُزري بأهلهوذو العلم في الأقوام يرفعه العلمُ
يُعدُّ صغير القوم وهو كبيرهموينفذ منه فيهم القول والحلمُ
فأي رجاء في امرئ شاب رأسهوأفنى شباباً وهو مستعجم فَدْمُ
يروح ويغدو الدهرَ صاحب بطنهتُركب في أحشائه الشحم واللحمُ
إذا سئل المحروم عن حال أمرهبدت رُحضاء العيّ في وجهه تسمو
فهل أبصرت عيناك أقبح منظرمن الشخص لا علم لديه ولا حلمُ
ومن مدمن شرب المدام وما درىبما في مناهي شربها ما أتى الحكمُ
هي الحالة الشنعاء فاحذر عقوبةأوائلها خزي وآخرها ذمُ
وخالط رواة العلم واصحب خيارهمفصحبتهم زين وخلطتهم غُنْمُ
ولا تعد عيناك عنهم فإنهمنجوم إذا ما غاب نجم بدا نجمُ
فوالله لولا الله ما اتضح الهدىولا لاح من غيب السماء لنا رسمُ

ما أسلم ما قال:

تجاوزتُ حدّ الأكثرين إلى السهاوجاوزت واستبقيتهم في المراكزِ
وخضت بحاراً ليس يدرك غورهاوألقيت نفسي في فسيحِ المفاوزِ
ولججت في الأفكار ثم تراجع اختياري إلى استحسان دين العجائز
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة

وما أرجى ما قال:

إلهي أنت تعلمُ أن عجزيبعفوك من عذابك يستجيرُ
وإني يا غنياً عن عذابيإلى أن لا تعذبني فقيرُ

وإنَّما حبّرتُ هذه الأوراق من محاسن هذا الشعر بما رقَّ وراق، لميل القلوب إليها وما في النفس من الإقبال عليها، كما قيل:

لا شيء أحلى في مسامع مُغْرَميلهو به سوى الأشعارِ
فطروسها تحكي الرياض وإنهالِذوي المعاني لذة الأبصارِ

قال ابن منير الثعالبي: وما زال السلف يحفظون الشعر حديثاً وقديماً، ويتخذونه في الحوادث نديماً، وينشدونه حال المجالسه، ويوردون دقائقه في أوقات المُخَالَسَه، والآثار المسندة، والأخبار الممهدة، في شأنه حجج قوية، ومحجة ضوئية، ويكفي في فضله أن النبي ﷺ استنشد بعض أصحابه من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مائة قافية وأن عمر مر بحَسَّان وهو ينشد الشعر في المسجد فنظر إليه شَزْراً، فقال له: كنت أنشد وفيه من هو خير منك وهذا الخبر رواه البخاري وغيره، وما نُقِل من استحباب الوضوء بعد إنشاد الشعر، فمحمولٌ على الشعر الهجو. وأما ما يترتب عليه من الثواب والعقاب؛ فليس من جهة الشعرية، وإنَّما هو من حيث المضمون، وقد قيل في قوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن المراد قبيحه.

هو الشعر لا شيء سواه وإنهلأحسن ما قد قال قس وسحبانُ
يُعَنَّى به صَبٌّ ويُمدَحُ محسنٌويُرثى به مَيْتٌ ويُعْطَف غضبانُ

ونعود إلى ما نحن بصدده ونندرج فيما نحن من عدده:

ولما طاب زمن الربيع وأوانه، واخضرّت رياضه واخضلّت أغصانه، تصمّم العزم على السفر، وركوب البحر وإن كان فيه الخطر، وقد أزهر جوانب تلك البقاع، وغرّدت على دَوْح أفنانها في الأسحار بلابل الأطيار فَلذَّ السماع، وكنت

لا أبغي الرحلة عن تلك المدينة، أو أشهد بها يوم الزينة، ولكن ليس للإنسان ما تمنّى، وربما سعى المرء إلى ما لم ينل وتعنّى:

ما كلّ ما يتمنى المرءُ يدركهتجري الرياح بما لا تشتهي السفن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

فبرزت من تلك الروضة، وفارقت محاسن هاتيك الغَيْضة، ولي طبيعة تسمو إلى زمن الربيع، وتتشوّف إلى نُشُوِّ النبات المريع، أجِدُ من النفس نشاطاً في أيامه، ويهيجني نشر رَنده وخزامه، وكان يقال من لم تطربه نغمات الأوتار؛ ولم يتحرك لتغريد الأطيار؛ ولم يَعْجَب لبديع الأزهار؛ ولم يهتز لنسمات الأسحار؛ هو فاسد المزاج محتاج إلى العلاج. ولله در القائل:

ما مثل مصر في زمان ربيعهاما بين ماء واعتلال نسيمِ
أقسمت لا تحوي البلادُ نظيرهالمّا نظرت إلى جمال وسيمِ

وقال:

استنشقوا الهوى الربيع فإنهنعم الصديق وعنده ألطافُ
يغذي الجسوم نسيمه فكأنَّهروح حواها جوهر شفّافُ

فكان البروز من مصر المحروسة إلى بحر بولاق؛ ذات البها والإشراق؛ في يوم الجمعة المبارك، بعون الله تعالى وتبارك، في تاسع ربيع الأول:

وخلّفت مصر من ورائي وخاطريبمصر ولكن أين من ناصري مصرُ
بلاد بها ما يشتهي متيسّرٌعلى جيدها يا حبذا اللف والنشرُ

فأكملت ذلك النهار مع الأخلاء الأخيار؛ من أهل الحرمين الشريفين ممن نقلتهم يد الأقدار إلى هاتيك الديار، ونحن نتشاكى البعاد ونجدّد عهود الوداد، إلى أن آذنت الشمس للغروب وأشرقت كواكب الكروب، فوقفت لهم موقف من ضل الرشاد، وتقرحت لفراقهم الأكباد، واستودعهم الله تعالى؛ والمدامع تترادف وتتوالى، وقد عزمت على الذهاب، وأخذت في الإياب.

ذهبت وقد سدّ الغرام مذاهبيوقلبي إلى نحو الأحبة يُجبَذُ
ذُُهِلْتُ فما أدري إلى أين قادنيقضاء على الإنسان يجري ويَنْفُذُ
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة

ثم نزلت ذلك النيل في معاش صحبة رجل من الروم، لا يجد لديه المؤملّ من الوفاء ما يروم، وكنت أتوخى فيه مكارم الأخلاق، وأزعم أنه من أحسن الرفاق، فوجدته بضد ما أملته:

وما كلّ وجه أبيض بمباركولا كلّ جفن ضيق بنجيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

أو هو كما قال:

أمّلْتُهُ ثم تأمّلتهفلاح لي أن ليس فيه فلاح
وإن من يُنْزِل آمالَهبحادث السعد قليل النجاح

ولما أرخى الليل قِناعه، ومدّ علينا شراعه، سَرَيْنا وقد ألقى البدر نُوره، ونشر الروض بالتعريف نَوْره، فسرنا والليل يسري، والكواكب تسير والنهر يجري، وكأنَّما النيل بحر لجين في تموّجه، أو خدّ ذي دلال في تضرّجه، وقد قلبتنا أصابعه، وتكسرت بتلك الأمواج أضالعه، حتى أسفر الصباح، وشعشع ضياؤه ولاح، فإذا نحن في سيران ما بين جنان.

والماء تلعبُ أطراف النسيم بهما بين ماضٍ وآتٍ أي تَلْعابِ
كأنَّه زرد الدرع المضاعف أونقش المبارِدِ أو تفريك أثوابِ

أو كما قيل:

النهر مولى والنسيم خديمههذا الكلام ليس فيه تشكك
لو لم يكن في خدمة النهر انبرىما كان يصقل ثوبه ويفرّك
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «النهر مولى والنسيم خديمه»

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بولاق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.