من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
نكتة لطيفة
قال السيوطي: وقد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي، ودور قاعدته ثمانية وثمانون شبراً، ومن المتواتر عند أهلها أن من حاذاه من قريب وغمض عينيه ثم قصده، لا يصيبه بل يميل عنه، وذكروا أنّه لم تحصل
إصابته
لأحد قط، مع كثرة تجربتهم لذلك، وقد جربت ذلك مراراً فلم أصبه، قاله في المحاضرة. وأما خليجها فأختلف في بانيه فلا حاجة إلى خلاف لا ثمر له، فهاك يسيراً من خبره، قال الأسعد في قوانين الدواوين: خليج الإسكندرية عليه عدة ترع، وطوله من فم الخليج ثلاثون ألف قصبة وستمائة قصبة، وعرضه قصبتان ونصف إلى ثلاث قصبات ونصف، ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النيل فإن كان عالياً أقام فيه ما يزيد على شهرين، كذا في الخطط. وحكى ابن الوردي أن الإسكندرية كانت سبع قصبات وإنَّما أكلها البحر، ولم يبق منها إلا قصبة واحدة، وأن مساجدها حصرت مرة فكانت عشرين ألف مسجد. قيل بانيها الذي بنى الأهرام، وقيل يعمر بن شداد، وقيل الإسكندر الأول، وهو ذو القرنين اليوناني الذي جال الأرض، وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسدّ على يأجوج ومأجوج، وقيل بناها الاسكندر الثاني ابن دارا الرومي، وإنَّما شبّه بالاسكندر الأول لأنَّه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأول كان مؤمناً، والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاليس، وبين الأول والثاني دهر طويل، وقيل بنتها الجن لسليمان ﵇! وقد كان أرباب الفصاحة كلّما رأوا عجباً عدّوه من صنعة الجن. قيل وكان فيها اثنا عشر ألف حانوت يبيع البقل، قال الكندي: أجمع الناس على أنه لم يكن في الدنيا مدينة على مدينة ثلاث طبقات غير الإسكندرية، قيل بناها الاسكندر اليوناني في ثلاثمائة سنة، وهل هو نبي أو ملك بفتح اللام أو بكسرها خلاف والأصح الأخير. وكان أهلها لا يمشون فيها نهاراً إلا بخرق سود في أيديهم خوفاً على أبصارهم من شدة بياضها، وأقاموا على ذلك سبعين سنة، وكان يقال إنها إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد. وقد أخلقتْ تلك الجِدَّة وأسرعت في الذهاب إلى الدمار مُجِدّه.
فمن لعينٍ ترى ما حلَّ ساحتهامن التلاف وكانت فوق ما تصف
ولله درّ القائل:
بني الدنيا أقلّوا الهمّ فيهافما فيها مايؤولُ إلى الفواتِ
بناء للخرابِ وجمعُ مالٍليفنى والتوالد للمماتِ
قيل: وهبوب الصبا في أهلها، مما يصلح أمرهم ويُرق طباعهم، ويرفع همتهم، إلا أنهم على ذلك موصوفون بالشح. وهذا فيما كان، وأما الآن فلا نقص في معايبهم، قال من لا قال في ساحتهم:
رأيتُ في النوم أبي آدماصلى عليه الله ذو الفضلِ
والناس يشكون بأنواعهممن حُمق أهل الغربِ والبخلِ
فقال: حوّا أمكم طالقٌإن كان أهل الغرب من نسلي
وقال:
لا تعتبنّ على بخل مغاربةطباع أنفسهم تبدي الذي فيها
فالشمسُ تبدو وفي الدنيا أشعتهاحتى إذا وصلت للغرب تخفيها
وقال آخر يهجوهم:
يقولون أهل الغرب أهل فضيلةوكلّ امرئ قد قال حسب مقالهِ
وما الغرب إلا مطلع كلّ ناقصٍوبرهان ما قلنا طلوع هلالهِ
أبو حبان الأندلسي:
وأوصاني الوصيُ وصاة نصحوكان مهذّباً شهماً أبيّا
بأن لا تُحسنن ظناً بشخصولا تصحب حياتك مغربيّا
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع