من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
فوائد
عن الإمام الحافظ الشيخ أحمد المقري، وكان يدرس بجامع فراجا على الساحل خارج السور، لأن البلدة تحول أكثرها إلى ذلك الموضع ولم يزل يتجدد بها البنيان.
(ومنها) أن سورة الكوثر لم تشتمل على ميم، وفي ذلك إشارة إلى أن هذا العطاء
غير مرجوع فيه، إذ الميم يرجع منتهاها إلى مبتداها من حيث أنها دائرة.
(ومنها) أنه قيل في تفسير قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر أن المراد به محمد ﷺ، وأنه من أسمائه، وإليه الإشارة بقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وذلك أن لـ طه من العدد أربعة عشر، وهو كمال البدر.
(ومنها) ما وقع في الحديث القدسي كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقاً فبي عرفوني. وذلك أن لفظ فبي له من العدد اثنان وتسعون وهو عدد لفظ محمد.
(ومنها) أن بعض الأدباء استخرج عدد الرسل ﵈، من إسم محمد صلوات الله عليه، بحساب الجمل وذلك بتحليل الاسم إلى ثلاث ميمات، لكلّ ميم من العدد تسعون، وعلى ذلك للحاء تسعة، وللدال خمسة وثلاثون، فالمجموع ثلاثمائة وأربعة عشر!!
قال: وضمنت ذلك منظومتي السنوسية حيث قلت:
وعدة الرسل الكرام الكُمَّلِفي اسم محمد بدت بالجمَّلِ
ميم وحاء ثم ميم كُرّرتوبعدها دالٌ كما قد قررت
(ومنها) أن بعض الأدباء استخرج مدة عمره ﵊، من
لفظة نبئ بالهمزة، لأن لها على ذلك من العدد ثلاث وستون.
(ومنها) أن ابن رشد كان يقول: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها، إلا وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها، وقد يتكلم المرء على ما يظنه مشكلاً وليس بمشكل، وبخلافه.
(ومنها) أن نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، والسكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره، ولا ينافيه خبر انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَنْ قال:
إذا أفادك إنسان بفائدةٍمن العلوم فجدد ذكرها أبدا
وقل فلان جزاهُ اللهُ صالحةًأفادَنيها وخلِّ الكبرَ والحسدا
ولا يخفى ما في هذا الكلام من الرعونة، وفيه كلام يحسن السكوت عنه.
(ومنها) أنّ كلاً من البسملة والحمد لله أمر ذو بال، فيحتاج إلى سبق مثله ويتسلسل، وأجاب بأن المراد ما يقصد في ذاته وليس وسيلة لغيره، وبأن كلاً منهما كما يحصل البركة لغيره ويمنع نقصه، يحصل ذلك لنفسه، كالشاة تزكي نفسها وغيرها من الأربعين.
(ومنها) أن ابن جني حكى أن سيبويه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيراً، وذكر كرامة عظيمة. فقيل له: بِمَ؟ قال: بقولي إن اسم الله تعالى أعرف المعارف.!
(ومنها) أنّ ثعلباً قال في - الرحمن: إنه اسم أعجمي بالحاء المعجمة عُرِّب بالمهملة وهو غريب، ومن إملائه:
الحدُّ والموضوعُ ثم الواضعوالاسم الاستمداد حكم الشارع
تصور المسائل الفضيلهونسبة فائدة جليله
حق على طالبِ علمٍ أن يحيطبفهم ذي العشرة منبزها ينيط
تخصه قبل الشروع في الطلبكيما يكون عارفاً فيما طلب
وقال غيره:
حياة وعلم قدرة وإرادةوسمع وإبصار كلام مع البقا
صفات لذات الله جلّ قديمةٌلدى الأشعريّ الحبر ذي العلم والتقى
وقال غيره:
أولو العزم خمس والشرائع خمسةٌيُدانُ بها ربّ العباد ويُعبَدُ
فنوح وإبراهيم ذو الحلم والتقىوموسى وعيسى ثم جاء محمدُ
وقال غيره:
وكل نبيّ في القرآن فإنهلمن نسل إبراهيم ذي العلم والتقى
سوى خمسة لوط وهود وصالحونوح وإدريس الذي فاز وارتقى
وقال غيره:
إلا إن قرّاء الأئمة سبعةبهم يهتدي في الذكر كلُّ كبير
عليّ أبو عمرو وحمزة عاصمونافع عبد الله وابن كثير
ولبعضهم:
إن الليالي للآنام مناهلٌتطوى وتنشر دونها الآجالُ
فطِوالُهنّ مع السرور قصيرةٌوقِصارهنّ من الهمومِ طِوالُ
ومنه:
نزيل سكندرية ليس يُقرىبغيرِ الماء أو نظرِ السواري
فلا تطمع برؤية قرص خبزفليس لضيفها المحتاجِ قاري
وفي عاشر شهر ربيع الأول، جاء كتاب يشتمل على قتل المرحوم السيد أحمد بن عبد المطلب أمير مكة المشرفة، وبما وقع تحدث عامة أهل مكة قبل الوقوع، وإرجاف العوام مقدِّماتٌ لأمر واقع لا شك فيه، فلنذكر طرفاً من خبر هذا السيد الشهيد، لما في ذلك من الفائدة التي تعود صلتها على أهل الاعتبار.
كن عالماً أخبارَ من عاشَ وانقضىوكن ذا اعتبارٍ واغتنم أطيبَ العمر
ولنبدأ أولاً بنسبه الشريف، فإن أنساب بني هاشم يقصر عنها طمع الطامع، أو هم كما قال:
وما دخولهم في الناسِ أو مُضرإلا دخول كلام الله في الكلمِ
فاقصر فإنك لا تحصي فضائلهملو كان في كلّ عضو منك ألفُ فمِ
هو السيد المقدس المبرور أحمد بن عبد المطلب بن حسن ذي المآثر المشهورة
والنوادر المسطورة، ابن أبي نمي محمد بن بركات، وله الأخلاق الحسنة والشمائل المستحسنة، قبض عليه التركي عام تسع وتسعمائة وذهب به إلى القاهرة، فتألم لذلك أهل مكة المشرفة، وفي ذلك يقول ابن العليف:
عزيزٌ على بيت النبّوة والملكمقام على ذلِّ المهانة والفتكِ
وأعظم ما يلقى الكريم من الأسىعلى نفسِ ما يلقى من الضيم والضنكِ
برغمِ العلا والمجد والسيف والندىحصلت أبا عجلان في قبضةِ التركِ
وتلكَ لعمر الله أدهى مصيبةأصمّ بها الحاكي عن الحادثِ المَحْكي
فيالك من دهرٍ تناهت خطوبُهُنظمت حصاةَ القلبِ والهمِّ في سلكِ
عدمتُ الليالي ما أمرّ صروفهاوأخلقها باللومِ في الفعلِ والتركِ
رحلتم فربعُ الأنسِ ما زال موحشاًخليّاً وسِتْر العزِّ أصبح في هتكِ
وأسلمتم كلّ القلوبِ إلى الأسىفهذا الورى ما بين باكٍ ومستبكي
وغادرتُم في الكربِ جيرةَ طَيْبَةكذا حيرة البطحاءِ والحرمِ المكي
ولما استقلَّت بالمسيرِ خيولُكُموحادي النوى يشكو إليه كما نشكي
وسرتم وسارَ الجودُ يمشي أمامكموظلت بنو الآمالِ من خلفكم تبكي
رأينا الجبالَ الشمَّ والمجد والعلىتسير بها بُزل الجمال على وشكِ
وفي أيامه وأيام أبيه أبي نمي محمد، استولى على الديار المصرية ملك الروم السلطان سليم، وجهّز إليهما قاصداً بالاستقرار والاستمرار، وذلك في سنة تسع وعشرين وتسعمائة:
فلا عَدِمَتْهم نعمة خلقتْ لهمودنيا بهم فيها الحياةُ تطيبُ
وبركات المذكور هو ابن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، الذي يقول في بنيه الشاعر:
لو لم يكن في بني عجلان نافلةإلا سماحتهم في العِزِّ بالباسِ
لكان ذلك كافٍ في محبتهموكيف لا وهم من أشرفِ الناسِ
وعجلان هذا، هو ابن رميثة ابن أبي نمي بن حسن بن علي بن أبي عزيز قتادة، الذي دخل مكة بالسيف ودعا إليها الضيف، وطرد عنها الهواشم لأمر اقتضاه وحكم به الباري تعالى وقضاه:
ومن تكنِ الأسد الضواري جدودهُيكن ليلُه صبحاً ومطعمه غضّا
وذلك في سنة سبع أو تسع وخمسمائة، ويقال لِعَقِبه القَتَادات، فلا خلا الله منهم الوجود، ولا زالت منازلهم مأوى المكارم والجود، وكانت مملكته ممتدة من الينبع إلى حلى، وعدله فيها ظاهر جلي، وكان بطلاً شجاعاً، مهاباً مطاعاً.
ملكٌ أبوهُ وأمهُ من دوحةٍمنها سراجُ الأمةِ الوهاجُ
شربوا بمكة في ذرى بطحائهاماَء النبوة ليس فيه مزاجُ
كتب إليه الناصر يستدعيه ويعده ويمنيه، فأجابه لذلك فسار من مكة إلى
العراق، فلما وصل إلى المشهد الفروي خرج لملاقاته الأعيان، وكان في جملة من خرج من غمار الناس شخص معه أسد مسلسل، فتطيّر منه الشريف قتادة وقال: مالي وبلدة تذل فيها الأسود؟ فرجع لوقته إلى الحجاز. فكتب إليه الناصر يعاتبه على قدومه عليه ورجوعه قبل وصوله إليه، فكتب إليه الشريف قتادة:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌولو أنني أعرى بها وأجوعُ
ولي كفِّ ضرغامٍ إذا ما بسطتهابها أشتري يوم الوغا وأبيعُ
مُعَوّدةٌ لَثْمَ الملوكِ لظهرهاوفي بطنها للمجدبين ربيعُ
أأتركها تحت الرهان وأبتغيلها مخرجاً إني إذاً لرقيعُ
وما أنا إلا المسكُ في غير أرضكميضوعُ وأما عندكم فيضيعُ
فكتب إليه الناصر أما بعد فإذا نزع الشتاء جلبابه ولبس الربيع أثوابه، قابلناكم بجنود لا قبل لكم بها، ولنخرجنّكم منها أذلة وأنتم صاغرون. فلما أحس بالشرّ
كتب إلى بني عمه أبناء الحسين من أهل المدينة يستنجدهم، وكتب إليهم أبياتا منها قوله:
بني عمنا من آل موسى وجعفروآل حسين كيف صبركم عنا
بني عمنا إنّا كأفنان دوحةفلا تتركونا تتخذنا العدى قنّا
إذا ما أخٌ خَلَّى أخاه لآكلٍبدا بأخيه الأكلُ ثم به ثَنّى
فلما أقبلت الكتيبة الناصرية، وقد أتته رجال النجدة من بني الحسين، بدد شمل تلك الكتيبة وكسرها، وأستأصل ساقتها وقهرها، وضاقت عليهم الأرض، حتى أن هاربهم إذا رأى غير شخص ظنه رجلاً. فلما رأى الناصر شدّة بأسه
وعدة لباسه، مدحه على سيرته وأولاه صفاء سريرته، وأقطعه قرى متعدّدة وأكرمه بصلات متجددة، فلم يزل أميراً على الحجاز، وملكاً لها على الحقيقة لا المجاز، ولله در علي بن المقرب حيث يقول:
من سالم الناس لم تسلم مقاتلُهُمنهم ومن عاش فيهم بالأذى سَلِما
ما كلّ ساعٍ إلى الهيجاء يدركهامن حكّم السيف في أعدائه احتكما
وهكذا فلتكن الهمم العلية، والشمائل العلوية، وبالجملة فإنهم المعنيون بقول القائل:
فتية لم تلد سواها المعاليوالمعالي قليلة الأولادِ
وفيهم يقول مادحهم:
ويكاد من كرَمِ الطباع وليدُهميهب التمائم ليلةَ الميلادِ
وإذا امتطى مهداً أفليس يُنيمُهإلا نشيدُ مدائح الأجدادِ
أو هم كما قال:
وكم فيهم محاسن وهي شتّىوأوصاف ألذّ من المدامه
فلا زالت على الأيّام تبقىمحاسنُهم إلى يومِ القيامه
وقتادة المذكور هو ابن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن
سليمان ابن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحصن بن الحسن المثنّى بن أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وفيه قيل:
كانت قريشٌ بيضة فتفلّقتفالمُحُّ خالِصُه لعبد منافِ
الرائشون وليس يوجد رائشوالقائلون هَلُمَّ للأضيافِ
وما أصدق ما قال:
أولئك الناس إن عُدّوا وإن ذُكرواومن سواهم فلغو غير معدودِ
لو خلد الدهر ذا عز لعزّتهكانوا أحق بتعمير وتخليدِ
وأما سيرته فإنه كان شريف النسبين، كامل الحسبين:
فيا نسباً كالشمس أبيض واضحاًويا شرفاً من هامة النجم أرفعُ
وكان عزيز النفس، صدوق الحَدْس:
تعرف من عينه نجابتهكأنَّه بالذكاء مكتحلُ
محباً للفقراء ومستنزل الضيف للقرى، متنزلاً لأهل الأدب، مولعاً بالمنادمة والطرب، تأدب بالأشعار والسير، ومشى في التصّوف على طريقة الشيخ الأكبر، وكانت في خدمته كثير من المشايخ الكبار، وسافر إلى اليمن فاِجتمع برجالها، وبشّر بولاية مكة المشرفة فكان لا يزال يتشوّفها، ويكنى عنها بطلوع الشمس، سمعت منه عام اثنين وثلاثين وألف:
لقد صار قلبي قابلاً كلّ صورةفمسرحُ غزلان وديرٌ لرهبانِ
أدين بدينِ الحب أنّى توجهتْركائبهُ فالحبُ ديني وإيماني
وكان من أموره أنه لما قدم الوزير أحمد باشا متوجهاً إلى اليمن انكسر مركبه بثغر جدة، فلما دخل البندر طلب من يغوص البحر لإخراج ماله منه، فاخرجوا له البعض واعتذروا عن الباقي، فاتهمهم وقتل حاكم البلدة وأمين قلعتها، وذلك في
شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وألف، وشريف مكة إذ ذاك السيد محسن بن حسين بن أبي محمد، وقد توجه السيد أحمد المذكور إلى الوزير فأغراه على الشريف محسن، وما زال به حتى وسَمَهُ بإمرة مكة المشرفة، وكان لا يملك شيئاً في تلك الحالة، فلله دَرّ من قال:
إذا اصطفاك لأمرٍ هيَّأَتك لهيدُ العناية حتى تبلغ الأرَبا
لو لم تُرد نيلَ ما أرجو وأطلبهمن باب فضلك ما علّمتني الطلبا
ولما قضى على الوزير نادى باسمه في تلك الجهات، وأخذ العهود على أولئك الجند، فأقبل عليه الشريف محسن وحاصره إلى سَلْخ شعبان، ثم رجع إلى مكة وقد قتل جماعة ممن معه وثلاثة من بني عمه، وكان في عسكر لا يظن انكساره.
وما يمنعُ الجيشُ الكثير التفافهُعلى غير منصورٍ وغير مُعان
فلما كان سابع عشر شهر رمضان قدم السيد أحمد في عسكره إلى مكة المشرفة، وخرج إليه الشريف محسن في جمع عظيم إلى ما وراء الحجون فوقع ما وقع، ورجع الشريف محسن إلى الحسينية وكان لا يُتَوهم رجوعه، والله غالب على أمره متصرف في ملكه، يفعل ما يشاء وهو العليم الخبير:
ما اِختلف الليلُ والنهار ولادارت نجوم السماء في فَلَكِ
إلا لينتقل السلطان من ملكقد زال سلطانه إلى ملكِ
ومالكُ العرش لم يزل أبداًليس بفانٍ ولا بمشتركِ
ثم إن السيد أحمد دخل مكة المشرفة في ذلك الموكب الذي لم يسمع بمثله في قومه وأهله، فاستقر به سلطانه، وعظم مكانه وإمكانه، وقد خلت منازل الأشراف من سكانها، ونَعَقَ غرابُ البين في أركانها، وأصبحت تلك القصور كالممحوة من السطور، ومكة مستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصائبها إبليس.
كأن لم يكن فيها أوانسُ كالدُمىوأقيال مكة في بسالتهم أسدُ
تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوالنا عبرة تُدمي الحشا ولمن بعدُ
فلم يزل بمكة أميراً متغلباً على الأشراف، منصوراً بالرعب في سائر أقطار الحجاز، حتى أن كثيراً من الناس توهم أنه القائم من أهل البيت، وأسعد الله به من شاء من عباده، وأمدّه بسنا إمداده، وكان من أمره ما تناقله الركبان.
وكان ما كان مما لستُ أذكرُهفظُن خيراً ولا تسأل عن الخبرِ
ولم يزل على ذلك الحال، وملوك مكة في أكناف الجبال:
ولقد وقفت على منازلهموطُلولها بيد البلى نهبُ
وبكيت حتى ضج من لَغَبٍنِضْوي ولجَّ بعذليَ الركبُ
وتلفتتْ عيني فمذ خفيتْعنّي الطلولُ تلفتَ القلبُ
ولما كان العشرون من المحرم افتتاح سنة تسع وثلاثين، قدم الوزير قانصوه فاختلى بالسيد أحمد وخنقه بداره ودفنه في طاقة، فكثُر اللَغَط بين الجند حتى أدى إلى نبش قبره ليعلم حاله، وبقي مطروحاً على أعين الناس من الصبح إلى وقت الزوال، ولسان الحال يقول:
لا يسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدم
ثم دفن ثانياً في تربة آل جَدِّه الحسن عليه الرحمة.
فإن دَفَنوا تحتَ الترابِ جمَالهُفما دُفنت أوصافُهُ وشمائلُه
فيا عين سُحّي لا تَشُحِّي بوابلٍعلى ماجدٍ لا يعرفُ النهرَ سائلُه
ثم انعقد الرأي على ولاية الكبير الخطير السيد مسعود بن إدريس بن حسن، حفظ الله تعالى أيامه من الأكدار، ولا زالت داره أشرف دار، وذلك في الخامس من صفر الخير من السنة القائل لسان حالها:
هذا حباه الله ملك جدودهِولذاك جناتُ النعيم تزخرفُ
وفيه يقول الشيخ الفرفوري:
أميرنا السيد المفضال مسعودُمن وصفُه العدلُ والإنصافُ والجودُ
توارثَ المجدَ عن إدريس والدهأكرم به والداً أحياه مولودُ
وما أقرب ما قال:
قل للمقيم بغير دار إقامةآن الرحيل فودّع الأحبابا
إن الذين صحبتهم ولقيتهمصاروا جميعاً في التراب ترابا
ولما كان سادس عشر ربيع الثاني هَبَّت الرياح الشرقية واعتدل حال البحر،
فعزمت على ركوبه والنفس عندها إباء وامتناع، لما شاع من قولهم ما خفق الشراع، ولكن أي عقل لمعقول، وقد ورد في النقول: لو كشف لأحدكم لرأى قائداً يقوده، فألجأتها إلى ركوبه وألزمتها، واقتحمت بها لجته وأنشدتها:
لقد خضتِ يا نفسُ بحرَ الهوىوأحرقتِ قلبي بنارِ النوى
علام نفورك من مركبٍسرى في أمانِ شديدِ القوى
فنزلت إحدى المراكب المتوجهة نحو الروم، منشداً بيتيّ المفتي أبي السعود وحَبْر العلوم:
خلِّ الديارَ بما فيها لأهليهاوقل سلامٌ على الدنيا وما فيها
وألقِ معتصماً تلك العزيمة فيبحرِ التوكلِ بسمِّ الله مجريها
فسرنا تلك الليلة والليلة الثانية على أحسن حال وأنعم بال، ثم اضطرب البحر وقامت فيه العناصل بحيث كادت لا تبقى شيئاً على وجه الماء، وكان المدفع إذ ذاك ما يناهز الثلاثين سفينة فتفرقت بجمعها، حتى لا ترى واحدة منها واحدة ولا تظفر عنها بنبأ، وقد عقد الغيم غمائم غمه، وأمطرنا الوجل سحائب همه، وأرسل الغمام علينا الأمطار كأفواه القُرَب، ولقد شاهدت الأهوال من تلك الأحوال ولا عجب.
على أنها الأيام قد صرن كلهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
وامتدّ الحال وقلّ النوال، وقد نفد ما كان معنا من الما، واستولى علينا الظما:
ومن العجائب أننيفي لجِّ بحرٍ صرتُ راكب
وأموتُ من ظمأ ولكن عادة البحر العجائب
ويقول غيره:
وكم مات في البحر أخو ظمابغُلّتهِ والماء جار وراكد
فلا تحسبنْ كلّ المياهِ شريعةًيُبَلُّ الصدا منها وتُوكى المزاود
كتب الحصري إلى المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية، وكان بعث إليه بخمسمائة دينار يجهز بها إليه:
أمرتني بركوب البحر أقطعهغيري لك فاخصصه بذا الراءِ
ما أنت نوح فتنجيني سفينتهولا المسيح إذا أمشى على الماءِ
وكتب إليه أبو العرب الزبيري حين بعث له بمثل ذلك:
لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىًوإعجب لسوادِ عيني كيفَ لم يشبِ
البحرُ للرومِ لا تجري السفينُ بهإلا على غرر والبر للعربِ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع