تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

فائدة (١١)

قال السيوطي عند قوله تعالى فأخرجناهم من جنات وعيون: كانت الجنان بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد، وكلها كانت تروى من ستة عشر ذراعاً، فسبحان الحكيم الذي لم يزل.

ولما ارتفعت الشمس أكتسى الجوّ بالغمام، فاعتقدنا ذلك من تمام الإنعام، ولم نزل كذلك، نسلك هاتيك المسالك، وأنا في ألذ نعيم، ما خلا النديم، وفي ذلك أقول:

ليست على الحرّ اللبيب مشقةبأشق من أن لا يرى أمثالهُ
ذاك الغريب وإن يكن في أهلهِوا رحمتاه له لما قد نالهُ

ما أصدق ما قال الحسن بن شذقم:

وليس غريباً من نأى عن ديارهإذا كان ذا مال وينسب للفضلِ
وإني غريب بين سكان طيبةوإن كنتُ ذا مال وعلم وفي أهلي
ولبس ذَهاب الروح يوماً منيةولكن ذهاب الروح في عدم الشكلِ

يحكى أن سليمان ﵇، لما أراد بالهدهد أشدّ العذاب، أشار عليه وزيره آصف بن برخيا بحبسه في غير جنسه، وما أعجب ما قال:

قد سمعت الصدا وذاك جمادكلّ شيء تقول ردّ عليكا

وعلى ذكر الهدهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن الهدهد يرى الماء من تحت الأرض، قيل له: فلم لا يرى الفخ إذا انقضَّ عليه؟ فقال: إذا نزل القضا عمى البصر.

هي المقادير فلمني أو فذرإن كنت أخطأتُ فما أخطا القدر

ومن محاسن النواجي:

اركب النيل ما استطعت ففيهراحة للفتى وغاية بُغْيَه
كم تنزهت حين سافرت فيهفي بلاد وكم ظفرت بمُنيَه

وابن تميم:

انظر إلى سير المراكب إذ بدتْوالماء يعلو حولها ويدورُ
مثل السحائب لا يفرق بينهانظرٌ، وكلٌ بالرياح يسيرُ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

وللفيومي:

-

في النيل أعلام بدتبيض كأيدي المحسنينا
وإذا خفقن من الهوىتحكي قلوب العاشقينا

ولابن قلاقس:

انظر إلى الشمس فوق النيل غاربةوانظر لما بعدها من حمرة الشفقِ
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «انظر الى الشمس فوق النيل غاربة»
غابت وألقت شعاعاً منه يخلُفهاكأنَّما احترقت بالماء في الغرقِ

وقال آخر:

الشمسُ فوقَ النيلِ قدألقت شعاعاًً كاللهبْ
فحكى مِسَنّاً أخضراًوعليه حك من ذهبْ

وقال:

البدرُ فوقَ النيلِ قدألقى شعاعاً يأتلقْ
فحكى مِسَنّاً أَزرقاًوعليهِ حكٌ من وَرِقْ

ولما كان الفجر من اليوم الثالث نزلنا بمرسى رشيد، المحفوفة بعناية الله وفيضه المديد، فقلت إن كان سفر البحر كذلك، فما هو إلا راحة من المشاق والمهالك، ولم أدْرِ أنه قياس مع الفارق، وأن تشبيه الحُمَيّا بماء المُحيّا غير مطابق.

يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدالقد حكيت ولكن فاتك الشنب

ولما أشرقت بها الغزاله، قصدنا من روضها ظلاله، فنزلنا من ساحتها بوكالة الوزير محمد باشا، فإذا هي بناء محكم الأساس، وبها وجوه من الناس، مأمونة الخيانة أمينة على الأمانة، مع كثرة ما يردها من غِمار البشر، وبني الرذالة والأشر، فوضعت بها الأسباب، وأقمت بها في ظل ذلك الجناب، أقلب الطرف فيما رَقّ وراق، وأطوف بأكنافها البهية مع الرفاق.

حشايَ على جمر ذكي من النوىوعيني في روضٍ من الحسن ترتع
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أتاني كتاب منك أذكى جوى الحشا»

ثم نزلت بدار صادق الأخوّة والاعتقاد، وكامل الفتوّة نور الدين العقاد، جزاه الله خير الجزاء، وأولاه عواطفه المتنوعة الأجزاء، فلقد رأيت منه كمالاً لا أحصيه، وإفضالاً لا أستقصيه، ثم لازلت أتفيأ ظلال هاتيك البلاد، وأسعى فيها لجوامع العباد، وأتنزه في قصورها المونقة، وبساتينها المورقة:

فيا حسن هاتيك الديار وتربهافكم قد حوت حسناً يجلُّ عن العدِّ
ولا سيّما تلك النواعير إنهاتجدّدُ حزن الواله المدنَف الفردِ
أُطارحها شجوي وصارت كأنَّماتطارح شجواها بمثل الذي أبدي
وفي شاطئ النيلِ المقدس نزهةتجدد ما قد فات من سالفِ العهدِ
سماءٌ من البلورِ فيها كواكبعجيبة صنع اللون مصقولةِ الخدِ
ومن مرج البحرين أيُّ عجائبتلوح وتبدو من قريب ومن بعدِ
فكم قد نعمنا في ظلال رياضهابعيشٍ هنيء في أمان وفي سعدِ
فمن لي بها لو أن صحبي بحبهاومن لي بها في غير بلوى ولا جهدِ

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بولاق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.