من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
الديار العثمانية
فلم نزال كذلك حتى نزلنا على مَرْمَرَة، وهي قرية لطيفة يحمل منها أحجار المرمر إلى تلك البلدان، ثم أتينا إلى البُغاز وهو في اللغة التركية بمعنى المأزمين في العربية، وهو مضيق بين جبلين تحت كلّ منهما قصبة وقاض، وفيهما عمال السلطنة فلا يخرج عنهما مراكب إلا بتمسك. ولما كان يوم الثلاثاء الثاني والعشرون من جمادي الآخرة أقبلنا على القسطنطينية المحمية، ولاحت لنا بهجة تلك الأراضي السَنِيّة، وارتفعت أعلام تلك الديار العثمانية، وأضاءت أنوار القباب الخاقانية، فإذا هي بلدة تعطرت أرجاؤها عبهراً وعبيراً، وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعيماً وَمُلْكاً كَبِيراً قد تفردت بالكبر
وحسن العمارة وسعة المكان، وقال لسان النظر لما شاهد جمالها الباهر وجلالها القاهر: ما في الإمكان أبدع مما كان، وكيف لا وقد تزينت بحلول من رَتَع العالم في ظل عدله بالأمان، صاحب البند والعلم والسيف والقلم، سَرَّ الله تعالى في الوجود المشرق بَدْرُه في أفق السعود، الملك الموفق للسداد، السلطان مراد، علا على كل سلطان بسطوته، وقدمته ملوك الأرض بصولته، وكيف لا وهو الخليفة على الخليقة، وصاحب السلطنة العظمى في الحقيقة، فلا زالت أصول دوحته الشريفة ثابتة، وفروعها بأنواع ثمار اللطائف
المنيفة نابتة، وأفلاك زهر العدل بدولته القاهرة مشرقة الأنوار، ورياض زهر الأمن بآياته الباهرة مونقة النوار، ولا برحت أركان البيوت العلوية بشرف همته العلية قائمة، وله من مسك الثناء على مكارم أخلاقه حسن الخاتمة.
عليك إذا ما رُمت ذكر مديحهيقول لسان الحال وهو صواب
تجاوزَ قدرَ المدحِ حتى كأنَّهبأحسنَ ما يثنى عليه يعاب
ولما أحلّنيها الحظْ، وسرّحت فيها اللحظْ:
رأيت بها ما يملأ العين قرةًويُسْلي عن الأوطانِ كلّ غريب
غير أني أقول كما قيل:
كيف يلذ العيشُ في بلدةٍسكان قلبي غير سُكّانها
لو أنها الجنة قد أُزْلِفَتْلم أرْضَها إلا برضوانها
فأول مولى تشرفت بالمثول بين يديه، وتحققت أن السيادة قد طنبت لديه، المولى الذي تطرزت ديباجة هذه الرسالة، ببعض ألقابه التي هي لبدر محاسنه هالة.
أتيته فرأيت الناس في رجلوالدهر في ساعة والأرض في دار
فلا زال سعيه الطالع مسعود الجناب، ولا بَرِح يحيا في سعد ممدود الإطناب، فقابلني بالقبول التام، وعاملني بالبر والإكرام:
بشاشة وجه المرء خير من القِرىفكيف الذي يأتي به وهو ضاحكُ
ولقد كنت أسمع بمحاسنه التي سارت بها الركبان، وشمائله التي تعطر بها شميم البان:
حتى إلتقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسنَ مما قد رأى بصري
وبالجملة فإنه المولى الذي حاز من الفضل منبع صفاته، وكأنَّه المعنيّ بقول القائل في بديع أبياته:
لو كفرَ العالمون نعمتَهُلما عَدَتْ نفسُه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتْمنزلةً عندهم ولا جاها
أو هو كما قال:
ولقد سألت الناس عن أخلاقهِوكمالهِ وعُلا نباهة قدرهِ
فوجدتهم صنفين فيه فقاصرٌعن مدحه ومُقصِّرٌ عن شكرهِ
فلله جماله الذي به قد تفرّد، وكماله الذي إنفرد وتوحد، فلقد رأيت منه الأحنف وأبا حنيفة، وما عسى أن أودعه هذه الصحيفة؟
ولم أر أمثال الرجال تفاوتتلدى الفضلِ حتى عُدَّ ألفٌ بواحدِ
وقال:
وإني وإن أعطيتُ في القول بسطةًوطاوعني فيه الكلام المُحَبَّرُ
لأعلمُ أني في الثناء مُقصِّرٌوأنَّ الذي قد نال أوفى وأوفرُ
ولكنني ما دمتُ حياً لَشَاكروبشكره بعدي كتابي المسطَّرُ
وقال:
فيا كتابي إذا ما جئت منزلهوزرتَ ذاك المقام المرتضى الحنفي
فحيّه وانتشق من عرفهِ أرجاًواشرح لديه اشتياقي في نحوه وِصفِ
ورأيت في مجلسه الشريف من الأفاضل والأعيان ما ذكرت به قول أبي الطيب:
مَنْ مخبر الأكوان أني في الورىلاقيت أرسطاليس والإسكندرا
ورأيت كلّ الفاضلين كأنَّماردّ الإله زمانهم والأعصرا
وكنت استأذنت في الدخول على حضرة المولى المأمول بهذين البيتين:
أيها الماجدُ المعظمُ يحيىبك يحيا بيت الحيا والمعالي
إن عبداً بالباب يطلب إذناًلينال المُنى برؤيا الموالي
ثم إني اجتمعت بفخر الأغاوات وسردار السلطنة، المولى إدريس آغا وكان لي إليه مطلب ركبت له المهالك، فامتنع من ذلك، وكنت أعتقد أن الله تعالى سيجري على
يديه أنواع المبرّات، ويُسدي إليّ من جميل لطفه أصناف المسرات:
وما كلّ ما يحكي التوهم صادقاًولا كلّ ما تحوي الظنون محصلا
مع أن أولى من لُحِظ من الصدقات السلطانية، دام نصرها بعين اللطف والإقبال، وأحق من شَمِلَتْه العواطف الخاقانية، لا انقضى خيرها على كلّ حال. وفي كلّ حال، العصابة العلوية التي اختصت من الزمان بالحرمان، والعترة النبوية التي لم تظفر من نوائب الحدثان بالأمان!!
وإن لم أفز حقاً إليك بنسبةلعزتها حسبي افتخاراً بهمتي
هذا وهو النفس الناطقة للسلطنة، والعين الناظرة لأهل الحرمين، وذلك بعد المعرفة والتعريف، والوقوف على ذلك الباب الشريف، وكان يقال من أمَّ الماء وجد الماء وما وقع العتاب إلا على الشراب:
لنا عتبٌ على سلمات سَلْعٍوحاشا العامرية من عتابِ
وقال:
وقد صدرتُ ولكن بعد مهلكةٍكما وردت لأمرٍ خُطَّ في الكتبِ
وهذه الشمسُ تلقى عكس مقصدهافي كلّ يوم ولولا ذاك لم تغبِ
وقال:
وما هو إلا الحظُّ يعترضُ المُنىولولاه كان الدهر أطوع مأمورِ
وكم في البرايا بين عَانٍ ومُطْلَقٍوسالٍ ومحزونٍ ودان ومهجورِ
وقال:
فإذا سمعت بأنَّ محروماً أتىماءً ليشربه فغاض فصدَّق
أو أن محظوظاً حوى في كفهعوداً فأثمر في يديه فحقَّق
وقال:
وليس رزق الفتى من حسن حيلتهلكن حظوظٌ وأرزاقٌ بأقسامِ
كالصيد يُحْرمُهُ الرامي المجيد وقديرمي ويرزقُه من ليس بالرامي
وقال:
فلو أنَّ السحاب هَمى بعقللما أروى مع النخل القتادا
ولو أعطى على قدر المعاليسقى الهضبات واجتنب الوهادا
وقال:
وأعظم ما بي أنني بفضائليحرمت ومالي غيرهن ذرائعُ
إذا لم يرد بي موردي غير غلّةفلا صدرت بالواردين شرائعُ
وقال:
علمي بسابقةِ المقدورِ ألزمنيصبري وصمتي فلم أحرص ولم أسَلِ
لو نيل بالسعي مطلوب لما حرم الرؤيا الكليمُ وكان الحظ للجبلِ
وحكمة العقل إن عزت وإن شرُفتجهالة عند حكم الرزق والأجلِ
وقال:
الرزق يأتي ولو لم يسع صاحبهحتماً ولكن شقاء المرء مكتوبُ
وفي القناعة كنز لا نفاد لهوكلّ ما يملك الإنسانُ مسلوبُ
وقال:
ما لي وللمجد والأيام عابسةوالحظ واللحظ طول الدهر في عَتَبِ
ما أصعب الشيء ترجوه فتُحرَمَهُلا سيما بعد طول الجهد والتعبِ
وقال:
يا بانة الوادي التي سفكت دميبلحاظها بل يا فتاة الأجْرَعِ
لي أن أبث إليك ما ألقاه منألم النوى وعليك أن لا تسمعي
حكى القاضي شهاب التبريزي في كتاب الفوائد السنية، في محاسن القسطنطينية وهو القائل فيه:
فوائدي في مغاني الروم وافيةوحسنها يجتليه من تَأمَّلهُ
سنية جُمعتْ منها محاسنهاإنَّ الفوائد جمعٌ لا نظير لهُ
قال: قَصَدَ بعضُ أهل الأدب الوزير علي باشا، وكان من وزراء السلطان بايزيد بن السلطان محمد، في سنة سبعين وثمانمائة فلم ينل منه طائلاً، فهجاه هجواً بالغاً، فلما بلغه الهجاء بعث إليه بعطاء لم يتوقع منه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الحسنات يذهبن السيئات. وأنشدوا:
إن العداوة تستحيل مودةبتدارك الهفوات بالحسناتِ
ثم قال: رُوي عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنه قال: من عظمت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن شكر الله تعالى تحمل تلك المؤن عنهم، وزاد الله في نعمته، ومَنْ لم يتحملها فقد عرّض النعمة للزوال في الدنيا وللنكال في الآخرة اعملوا آل داود شكراً، وقليلٌ من عباديَ الشكور.
ما أحسن ما قال:
إذا كنتَ في أمر فكن فيه محسناًفعما قريب أنت ماضٍ وتاركُه
فكم زاحت الأيام أربابَ دولةٍوقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكُه
وقال:
إن الولاية لا تدوم لواحدإن كنت تنكر ذا فأين الأُوَلُ
فاغرس من الفعل الجميل كرائماًفإذا عُزلت فإنها لا تعزلُ
ومما تدّون في محاسن الملك الكامل بن العادل أيوب، أنه كتب إليه بعض عماله رقعة يخبره أن المرّتب على بيت المال في كل سنة مائة ألف دينار وسبعون ألف
دينار صدقة، وذلك خلل في بيت المال، فكتب على ظهر الرقعة الغُرْبَة تذّل الأعناق، والفاقة مرة المذاق، والمال مال الله وهو الرزاق، فأجر الناس على عادتهم في الاستحقاق ما عندكم ينفد وما عند الله باق، وإنا لا نحب أن يؤرخ عنا
المنع وعن غيرنا الإطلاق، والآثار الحسنة من مكارم الأخلاق واليكم هذا الحديث يساق، وكان كثيراً ما يتمثل ببيتي حاتم:
شربنا بكاس الفقر يوماً وبالغنىوما منهما إلا سقانا به الدهرُ
فما زادنا بغياً على ذي قرابةغنانا ولا أزرى بحسابنا الفقرُ
ونظير ذلك لما كثرت إنعامات الحاكم بأمر الله، توقف في إمضائها أمين الأمناء
حسين بن ظاهر الوزّان، فكتب إليه الحاكم بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله كما هو أهله: أصبحت لا أرجو ولا أتقي=إلا إلهي وله الفضلُ
جَدي نبيّ وإمامي أبيوديني التوحيد والعدلُ
المال مال الله والخلق عيال الله، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلِق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام.
كل الأمور تبيد عنك وتنقضيإلا الثناء فإنه لك باقي
لو أنني خُيّرت كلّ فضيلةما اخترتُ غيرَ مكارم الأخلاقِ
حكى المقريزي أن المرتّبات في أيام كافور الإخشيدي بلغت خمسمائة ألف دينار في السنة، لأرباب النعم والمسترفدين وأجناس الناس، ليس فيهم أحد من الجيش ولا من الحاشية، فحسّن له ابن الصلاح الكاتب أن يوفر من مال الرواتب، فلما جلس لذلك حكّه جبينُه فحكّه بقلمه، والحكاك يزيد، إلى أن قطع العمل لما به وقام فعولج بالحديد، حتى مات في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وفي ذلك
موعظة لمن توسط للناس بالسوء، كما قال تعالى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. وما أحسن ما قيل على لسان حال المِحْبَرة:
حلّفت من يكتب بيبالواحد الفرد الصمدْ
إن لا يمدّ مدةًفي قطع رزق لأحدْ
حكى الشيخ عبد الرحمن البسطامي في كتاب مباهجُ التوسُّل في مناهج الترسُّل أن
شخصاً كتب إلى الصاحب يخبره أن رجلا مات عن ولد ومال له صورة، فكتب إليه الصاحب: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله.
قيل: وُجِد مكتوب في خزانة الإسكندر، بالذهب الأحمر على الحرير الأخضر، ما نصه: حركات الأفلاك أجلَّ من أن تُبقي على أحد نعمة، أو تديم عليه نقمة، فمن وَليَ منكم الأمر فلتكن همته تقليد المنن أعناق الرجال، فإن الدولة تزول إما بشكر جميل، أو بذم طويل. والأيام صحائف الدهر فاعتبروا يا أولي الأبصار
فإن كنت لم تسمع بأخبارِ من مضىولم تَرَ في الباقين ما يصنع الدهرُ
فلا بدّ تصحو حين ينكشفُ الغِطاوتذكر قولي حين لا ينفع الذكرُ
ورأيت بدار السعادة من الأغوات خلقاً جعلهم الله تعالى سبباً للرحمة على من سلف، وخدماً لو أراد اليراع أن يصفهم لَكَلَّ مَتْنُه ووقف:
ولكلٍ رأيتُ منهم مقاماًشرحه في الكتاب مما يطولُ
وقال:
وقد يتقارب الوصفان جداًوموصوفاهما متباعدانِ
وقال:
وقد ساقني دهري المُليمُ لفتيةفتاهم ومن فيهم عزيز مكرّمُ
تحلّى بأسماءِ الشهورِ فكفّهجمادى وما ضمّت عليه المحرّمُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع