من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
الطاعون
قال القاضي شهاب في الفوائد السنية: اشتهر أن ملك الروم لا يموت بالطاعون، كما أن صاحب مصر لا يموت بالفصل، كما أنَّ بغداد لا يموت بها خليفة، وفي
ذلك يقول عُمارة:
قضى ربها أن لا يموت خليفةبها، ما يشاء الله في خلقه يقضي
وعلى ذكر الفصل، لأبي عبد الله الفيومي:
أرى الفصلَ داء والرحيلُ دواؤهُفلا تسكنوا في بلدةٍ قد حوت فصلا
وأملي لكم أن ترحلوا ببنيكمولا تقتلوا أولادكم خشية الإملا
فمن يترحّل عنه يكفى شرورهُومن يتثبت يكسب الأجر والفضلا
رأيت في بعض التعاليق نقلاً عن العلامة بدر الدين الغزِّي، أن حَمْل كتابة خلاق عليم يدفع الطاعون وأنه مجرب. ويقال التختّم بالعقيق اليمني يمنع من الطاعون. فائدة صحيحة مجربة، إذا انقضت المدّة، لم تنفع العُدّة.
وإذا المنيةُ أنشبتْ أظفارهاألفيت كلّ تميمةٍ لا تنفعُ
حكى الخطيب علي بن عراق في التذكرة أنه ظهر الطاعون بدمشق أيام عبد الملك بن مروان، فخرج عبد الملك من البلد ومعه غلام له، فكان يغلبه النوم والفرس يعْدِل به عن الجادة، فقال لغلامه: ويلك حدثني بما تحدث به أمثالك. فقال: بلغني أن ثعلباً صادق أسداً على أن يجيره من السباع، فكان أبداً بين يديه، فظهر في يوم من الأيام عقاب في الهواء، فخافه الثعلب ووثب على ظهر الأسد، فانحطّ العقاب واختطفه. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، العهد!! فقال: إنَّما عاهدتك على أن أحفظك من أهل الأرض، وأما أهل السماء فلا قدرة لي عليهم. فقال عبد الملك: لقد وعظتني يا غلام. ورجع إلى الشام وهو يقول: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم توفي سنة ست وثمانين، وفيها كان طاعون الفتيات، وسُمِّي بذلك لأنَّه بدأ بالنساء. ما أحسن ما قال:
ما قد قضي يا نفس فاصطبري لهُولك الأمانُ من الذي لم يقدرِ
وتيقني أن المقدر كائنٌحتماً عليك صبرت أم لم تصبرِ
وقال:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبنيسعي الفتى وهو مخبوء له القدرُ
والمرء ما عاش ممدود له أملفالنفس واحدة والهم منتشرُ
ما أوعظ ما قال:
ملكنا أقاليمَ البلاد فأذنتلنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بناشدائد أيامٍ توالى رخاؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنتعلينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وكنا نلاقي النائبات بأوجهرقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
الطاعون يوناني، قال البصري: وهو كلّ ورم يظهر للحس، ثم خص بالحار القتال السريع التعفن، ويطلق على الوباء للتلازم الحاصل بينهما غالباً، وإلا فبينهما عموم وخصوص.
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع