تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

ذكر القسطنطينية العظمى

حكى الشيخ الأكبر في كتاب محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار في غَزاة مَسْلَمَة بن عبد الملك بلاد الروم ودخوله فيها، أن جزيرتها ثمانية فراسخ، في المدينة منها أربعة فراسخ، ولما قَدِم مَسْلَمَة على عمر بن عبد العزيز وأخذ يصفها له، قال: ما

رأيت بلاداً تحكيها، هي مدينة بريّة بحرية، كثيرة الفاكهة والطعام واللباس، سورها من الحجر، وعرضه يسير عليه مائة فارس عرضاً، وأمّا الأبواب فإنّها حديد، وعرض ما بين كلّ بابين ميل، انتهى. وفي الخريدة هي مثلثة الشكل، منها جانبان في البحر وجانب في البر، وفيه باب الذهب، وطولها تسعة أميال، وعليها سور حصين ارتفاعه أحد وعشرون ذراعاً، ويحيط به سور آخر يسمى الفصيل وارتفاعه عشرة أذرع، وله مائة باب أعظمها المُمَوَّه بالذهب، وبها منارة بالقرب من دار الشفاء، قد ألبست جميعها من نحاس أصفر كالذهب محكم الصنعة والتحزيم، وعليها قبر قسطنطين، وعلى قبره صورة فرس من نحاس، عليه

شخص على صورة الملك، وقوائم الفرس محكمة بالرصاص ماعدا يده اليمنى فإنها موقوفة في الجو، وقد فتح يده اليمنى مشيراً بها نحو بلاد المسلمين، وفي يده اليسرى كرة - قيل في اليمنى - طِلَّسْم يمنع العدوّ، وعلى اليسرى مكتوب ملكت الدنيا حتى صارت في يدي مثل هذه الكرة، وخرجت هكذا لا أملك منها شيئاً وفي المعنى:

وفي قبض كفّ الطفلِ عند ظهورهدليل على الحرص المركّب في الحيّ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «وفي قبض كف الطفل عند ولاده»
وفي بسطها عند الممات إشارةألا فأنظروني قد خرجت بلا شيّ

وبلفظ آخر:

دليل على حرص ابن آدم أنهُترى كفه مضمومةٌ عند وضعهِ
وفي بسطها عند المماتِ إشارةإلى صفرها مما حوى بعد جمعهِ

حكى القاضي شهاب في الفوائد السنية أن قسطنطين من أبناء الملك الأعظم الملقب قيصر، نشأ بمدينة الرها ونقل العلوم، ولم يزل في غاية من السعادة والظفر منصوراً على من ناواه، وكان في أول أمره على دين المجوس، شديداً على النصارى ماقتاً لدينهم، ثم رجع إليه، وسببه أنه ابتلي بجذام ظهر عليه فأغتمَّ لذلك،

وجمع الحذاق من الأطباء فاتفقوا على أدوية دبّروها له، وأمروه أن يستنقع بعد أخذ تلك الأدوية في صهريج مملوء من دماء أطفال رُضَّع ساعة، فأمر بجمع جملة من أطفال الناس وذبحهم ليستنقع في دمائهم وهي طرية، فجمعت الأطفال لذلك وعظم ضجيج أمهاتهم، فرحمهنَّ وقال: احتمال علَّتي أولى وأوجب من هلاك هذه العدة العظيمة من البشر، فأمر برد الأطفال إلى أمهاتهم، فانصرف النساء بأولادهن، فلما صار من الليل إلى مَضْجِعه، رأى في منامه قائلاً يقول له: إنك رحمت الأطفال وأمهاتهم، ورأيت احتمال عِلّتك أولى من ذبحهم، فقد رحمك الله تعالى ووهبك السلامة، فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى شلبشته وقِفْ عند ما يأمرك به. فانتبه مذعوراً وبعث في طلب الرجل، فلمَّا أتى به إليه أخبره بما رآه في منامه فَقصَّ عليه دين النصرانية فالتزمه، وشفاه الله تعالى. فأعلن بدين المسيح ﵇، فخلع طاعته أهل رومية فخرج عنها وبنى مدينة القسطنطينية، فعرفت به فسكنها وصارت تخت الملك، ثم خرج إلى رومية فلما دنا منهم

أذعنوا له والتزموا طاعته.

وفي القاموس: رومية سوق الدجاج بها ثلاثة فراسخ، حكى المقريزي أن القسطنطينية من الإقليم السادس، وهو حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع القطب الشمالي، وهو العرض خمساً وأربعين درجة وخمس درجة، ومسافة هذا الإقليم مائتا ميل وعشرة أميال، وفيه من الجبال الطوال اثنان وعشرون جبلاً، ومن الأنهار الطوال اثنان وثلاثون نهراً، ومن المدن الكبار تسعون مدينة، والغالب على ألوان أهلها الشُقْرة والبياض.

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بغداد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.