من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
فائدة (١٦)
أول من ملك القسطنطينية من آل عثمان أبو الفتح السلطان محمد خان، وساق إليها السفن في البر والبحر، وحاصرها خمسين ليلة أشد الحصار، وكان الفتح في
سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وصلَّى الجمعة في أكبر كنائسها وهي أيا صوفيا، وهي قبة تسامي قبة السِّماك، كأن أبراجها الأفلاك، ومسامير أبوابها نجوم السماك. وتوفي سنة ست وثمانين وثمانمائة، ووليَ بعده السلطان بايزيد، قاله القطبي. وموضع قبره مع ما يليه من جانب المرحوم شاه زاده، يكاد يكون قاعدة تلك الديار لما اشتمل عليه من المحاسن، وفي أيام السلطان بايزيد المذكور كان المولى شمس الدين الفناري، من أخباره أن الطلبة كانوا يعطِّلون يومي الجمعة والثلاثاء، فأضاف إليهما يوم الاثنين، والسبب في ذلك أنه اشتهر في زمانه تصانيف السعد التفتازاني، ورغب الطلبة في قراءتها فلم توجد تلك الكتب، لعدم انتشار نسخها، فاحتاجوا إلى كتابتها، فلذلك أضاف إليها يوم الاثنين لضيق الوقت عن الكتابة، كذا في الشقائق النعمانية، في علماء الدولة العثمانية ومن محاسنها جامع المرحوم السلطان أحمد، فإنه ناطق بألسن الآثار كما قيل:
همم الملوكِ إذا أرادوا ذكرهامن بعدهم فبألسن البنيانِ
إن البناَء إذا تعاظم شأنُهأضحى يدل على عظيم الباني
وبالجملة فإن ما اشتمل عليه من الإشراق وكمال الصفاء لا يكاد يوجد في غيره، فلقد كنت أراها مظلمة من سائر الجهات آخر النهار ما خلا هذه البقعة المباركة، فإني كنت أصلي المغرب في الجامع المذكور وأبرز إلى الميدان فأظن
الوقت صباحاً، لما أجده من الإشراق والسرور الذي لا أعلم له سبباً، مع ما كان في الخاطر مما لا يليق ذكره، على ذلك أقول:
قد قلت للميدان أحرزت البهاوأراك عن تلك البقاع بمعزلِ
ما ذاك إلا من جوارك أحمداوالسرّ في السكان لا في المنزلِ
وقيل في تاريخ بناء هذا الجامع:
تاريخ جامع أحمدمن نص قرآن مبين
قد جاء فيه قولهلنعم دار المتقين
توفي السلطان أحمد سنة ست وعشرين وألف.
فقل للدهرِ أنت أصبت فالبَسبرغم منك أثوابَ الحدادِ
ومن محاسنها، بل من محاسن الوجود السليمانية، فلا زالت أثراً لمحاسن الدولة العثمانية:
الملك لله الذي لم يزليُودعه في آل عثمانِ
من شك فيما قيل في شأنهمفلينظر الوضع السليماني
وهذه شذور من فوائد الفوائد السنية للقاضي شهاب، فمن ذلك هذا الغزل الذي تَحنُّ إليه الجوارح، ويتحرّك له ساكن الغرام:
إنّ في الروم للحسان عيوناًذكّرت صبّها بحرب البسوسِ
وقدوداً هي الرماحُ تبدّتمُرْخِصات لغاليات النفوسِ
أسبلوا الشعر فوق مَرْمَر جيدمخجل نوره ضياء الشموسِ
وأبانوا عوارضاً وخدوداًمشبهات للعاج في الأبنوسِ
وأداروا من الرُضاب حميّافعلها أين منه راح الشموسِ
وقال:
لم تترك الترك في شمس ولا قمرحسناً لغيرهم يُعزى وينتسبُ
لكنهم لم يفوا إن عاهدوك علىودٍّ وما هكذا في فعلها العربُ
وقال:
فتنت بظبي من بني الترك أدمعيلهجرانه تنهلّ عسفا على خدّي
تملّك رقي وهو ملكي برقّةفوا رحمتا لي إذ غدا سيدي عبدي
وقال:
بحمّام السراي غزال سربرقيق الطبعِ لا يصغي لواشي
يقول لعاشقيه يفوز منيبوصل من طواشي للطواشي
وقال:
إياك والأتراك إن لبعضهمأشخاص غزلان وفعل أُسودِ
أجسامهم كالماء إلا أنهاحملت قلوباً من صفا الجلمودِ
ومن الوصايا المليحة عن الأخلاق القبيحة:
إذا كنت والمحبوب يوماً بخلوةٍودارت لك الكاسات واكتمل البسطُ
فإياك والفعل المحرّم إنهبه المرء من أوج السعادة ينحطُ
فإن عفاف الذيل في شرعة الهوىلمن شاقه وصل الحبيب هو الشرطُ
وما أصدق ما قال:
بالروح يلعب في بداية أمرهوسوى الغرام به فغير غرامِ
ماذا تكون نهايتي في عشقهوالبدء فيه تحلّل الأجسامِ
وقال:
تَعِسَ القياس فللغرام قضيةليست على نهج الحجى تنقادُ
منها بقاء الشوق وهو بزعمهمعرض وتفنى دونه الأجسادُ
وقال:
تعلمتُ أسباب الرضا خوف هجرهِوعلّمه حبّي له كيف يغضب
ولي ألف وجه قد عرفت طريقهولكن بلا قلب إلى أين أذهب
وقال:
تعشّقت منه حالة لست قادراًعلى وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي
تيقنت أني فيه أصبحت مغرماًولكنني لم أدر ما سبب الحبِ
وقال:
إذا دعا باسمه داع يحدثنيكادت له شعبة من مهجتي تقع
لا أحمل اللومَ فيه والغرام بهلا يكلف الله نفساً فوق ما تسع
وقال:
زعمت بأني قد بلغت من الهوىإلى غاية ما بعدها إليّ مذهبُ
ولما تفرّقنا تذكرتُ ما مضىوأيقنت أني إنَّما كنتُ ألعبُ
وقال:
وبدا له من بعد ما أندمل الهوىبرق تألق موهناً لمعانهُ
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعهوالماء ما سمحت به أجفانهُ
وقال:
سكنوا بقلب آنسوه وأوحشوالحظاً جرى من بعدهم وتدفّقا
هذاك عندهم وذاك محجّبسبحان من كتب السعادة والشقا
وقال:
أبكي إلى الغرب إذ لاحت منازلهممن جانب الشرق خوف القيل والقالِ
أقول في الخدّ خال حين أنعتهخوف الرقيب وما بالخدِّ من خالِ
وقال:
في خدّه عرق بداذا حمرة لصفائهِ
هذا يصدّق قولهمالماء لون إنائهِ
وقال:
عليّ لربع العامريّة وقفةليملي عليّ الشوق والدمع كاتبُ
ومن مذهبي حبِّ الديار لأهلهاوللناسِ فيما يعشقون مذاهبُ
وقال:
وفي الحب تعذيب وفيه عُذوبةفسل عنه صبّاً حكّمته التجاربُ
وكل امرئ يهوى على قدر عقلهوللناس فيما يعشقون مذاهبُ
وقال:
وما العيش إلا ما يُلذ ويُشتهىوإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامنيومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وقال:
يا كاملاً شوقي إليه وافروبسيط وجدي في هواه عزيزُ
عاملتَ أسبابي لديك بقطعهاوالقطع في الأسباب ليس يجوزُ
وقال:
يا كتابي إذا وصلت إلى منحبه صيّر الفؤاد جذاذا
قل له ما عليك في البعد عتبسوء حظي أنالني منك هذا
وقال:
إني أبث إليك بالعلمِ الذييقضي عليك بحرمتي وذمامي
وقرابة الأدباء يقصر دونهاعند الكرام قرابة الأرحامِ
وقال:
ما بال عينك حين تلحظنييا ابن الكرام تعدّني هملا
لو كان لي ذنب لبحت بهكيلا يقال هجرتني مللا
وقال:
لا تعتب الدهر في خطب رماك بهإن استردّ فقل يا طالما وهبا
وانظر زمانك في حالي تقلّبهِتجده أعطاك أضعافَ الذي ذهبا
وقال:
شاد الملوك قصورهم وتحجّبواعن كلّ طالب حاجة أو راغبِ
فإرغب إلى ملك الملوك ولا تكنيا ذا الضراعةِ طالباً من طالبِ
وقال:
وقائل ما الملك قلت الغنىفقال لا بل راحة القلبِ
وصون ماء الوجه عن بذلهفي نيلِ ما ينفد عن قربِ
وقال:
لا تصحبن ملكاً أو من يلوذ بهوإن تنل منهم عزاً وتمكينا
يستخدمونك في لذات أنفسهمفيذهب العمر لا دنيا ولا دينا
وقال آخر:
إذا صحبت الملوك فالبسمن التوقّي أجلَّ ملبس
وادخل إذا ما دخلت أعمىواخرج إذا ما خرجت أخرس
وقال:
ومصاحب السلطان مثل سفينةفي البحر ترجف دائماً من خوفهِ
إن أدخلت في جوفها من مائهِأدخلها وماءها في جوفهِ
وقال:
لا بد للكامل من زلةتخبره أنه ليس بالكاملِ
بينا يُرى يضحك من جاهلحتى يُرى مضحكة الجاهلِ
ومن النصائح:
لا تقعدنّ بمجلس في صدرهإلا إذا ما كان ذلك منزلَك
واترك لمن هو فوق قدرك موضعاًفلقد أحطّك رتبة من أنزلَك
وإذا جلست فخلِّ فوقك فسحةإن جاء صاحبها وإلا فهي لَك
وقال:
أقول للقلبِ لا تجزع لفائتةٍأخِلْتَ باب التمني غيرَ مفتوحِ؟
فقال حقاً ولكن عند ذي أدبٍلا شيء أوجع من ترجيح مرجوحِ
وقال آخر:
نوبُ الزمانِ كثيرةٌ وأشدهاشمل تحكّم فيه يوم فراقِ
يا قلب لم عرّضت نفسك للهوىأوَ ما رأيت مصارع العشاقِ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع