تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

لطيفة (٨)

حُكيَ أن ملك الروم كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أيام خلافته: بلغني أنَّ ببلادك شجرة تُخرج ثمراً كآذان الحُمُر، ثم تنشق عن أحسن من اللؤلؤ المنضَّد، ثم تخضرّ فتكون كالزمرَّد الأخضر، ثم تحمرّ وتصفرّ فتكون كشذور الذهب وقطع الياقوت، ثم تنبع كأطيب الفالوذج ثم تيبس فتكون قوتاً، فإن كان كذلك فلا شك أنها من شجر الجنة. فكتب إليه: صدقت رُسُلك، وإنها الشجرة التي ولد تحتها المسيح ﵇!. وقال خالد بن صفوان يصفها: هي الراسخات

في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، المونِعات

كشهد النحل، تخرج أسفاطاً غلاظاً وأوساطاً، ثم تنشق عن قضبان لجين وعسجد، كالدر المنضد، ثم تصير ذهباً أحمر بعد أن كانت في لون الزبرجد

كأنَّ النخيل الباسقات وقد بدتلناظرِها حسناً قباب زبرجدِ
وقد علّقتْ في فروعها زينة لهاقناديل ياقوتٍ بأمراس عسجدِ

يروى أن النخلة أول شجرة استقرت على وجه الأرض، وأنها خُلقت من فضلة طينة آدم ﵇، وفي الخبر: أكرموا عماتكم النخل. وقال البهلول:

وعماتك النخل كن مثلهالرامي الحجارة ترمى الرُطَب
للشاعر الساعاتي، اقرأ القصيدة

ثم أخذنا في قطع المراحل، وسلوك فِجاج المسالك والمنازل، حتى مررنا بآبار الفقير، وهي أربعون بئراً فيما يقال، ثم أتينا على مَطران وهو واد قفر ممحل، وفيه يقول القائل:

مَطَ ران مثل الشِعب قفرٌ ممحلما فيه من عطفٍ على ولهانِ
ومن العجائبِ أنه لم يولِنامطراً ويُسْمى قفره مطران

ثم أتينا على بئر الزمرّد وهي على الجادة بين جبال متضايقة، فارتوى منها الظمآن، واطمأنَّ بها الولهان، ورحلنا عن ذلك الواد، وقد طاب الفؤاد:

ومرّ بي النسيمُ فرقَّ حتىكأنّي قد شَكوت إليه ما بي
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «جرى في عوده ماء الشباب»

ولم نزل نجوب الأغوار، ونقطع الفيافي والقفار، حتى أتينا على شِعْب النعام وهو قفرٌ خالٍ من الأنعام، اتفق أنّا اشترينا فيه من العرب قربة ماء بنصف دينار، ثم رحلنا وعنزةٌ تختطف من الركب ما كتب لها:

وإذا رأيت مصائباً في معشرٍفحظوظ ضعفائهم أجلّ وأوفرُ

وقال:

فسرنا ووهجُ الجوّ أَوقد حرّهوليس إلى شمّ النسيم سبيلُ
كان نسيم الجوّ قد مات وانطوىفعهدي به في الشام وهو عليلُ

ثم أتينا على هدية وهي شعب مسيل، فيه نخل وماء من بقايا السيل، وهو من أخبث المياه وأضرَّها، وسمومها يورث الحميّات، وبالجملة فإنها بقعة وخيمة ورقعة ذميمة، سهام وبائها صائب وحمى خيبرها متناوب، وداخلها لا يأمن من الدنيا الفراق، ولو كان له ألف راق، وكيف لا وهواؤها سهام بالليل، سموم بالنهار، وماؤها يسيل بالصحة والأعمار، وهي على مرحلة من خيبر، وخيبر اسم ولاية مشتملة على حصون وعيون ومزارع ونخيل، على ثلاثة أيام من المدينة، على يمين الخارج إلى الشام.

ثم رحلنا فلم نزل نطوي بالسير الفيافي القفار، فمررنا بالعقبة السوداء، ومنها ترى الفحلتان، ثم أتينا على الفحلتين وهما قُنّتان على شاهق جبل من غربي الجادة، ثم أتينا على وادي القرى، قيل كان بها ألف قرية ولم يبق منها غير الأطلال، ومنها كثيِّر عَزَّة، ولا ماء به، وحرّه شديد، ولذلك قيل:

وادي القرى شاهدتهما فيهِ للضيفِ قِرى
وفي المصيفِ حرّهتحسبُ فيه سقرا

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.