من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
تبوك
ثم لم نزل في أسر المسير حتى أتينا على تبوك، وهي على النصف من طريق الشام، وفيها عين ونخل وحائط، وهي آخر غزوات النبي ﷺ، وفيها قلعة فيها بئر وشجرة توت، وحولها منازل للعرب ومزارع وأشجار على عيون وعريش.
ثم أتينا على المعز وهو قفر لا أنيس به، وأنشدني فيه السيد الأجل زين العابدين لعمِّه العلامة السيد زين الدين:
لا تحسبونا وإن شطّ المزار بناوعاند الدهر في تفريقنا وقضى
نحوّل عن منهج الودّ القديم بكمأو نبتغي بالتنائي عنكم عِوَضا
وأنشدني للفاضل محمد أفندي الحنائي:
يا بني الزهراء لا لُقِّيتمأبد الآباد سوءاً من أحد
سِرّكم لاحَ بمعنى آدمفلذا كلّ إليه قد سجد
وقال آخر:
يا آل بيتِ رسول الله حبكمفرضٌ من اللهِ في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكممن لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
وقال:
من العشاقِ باح الدمع لمّانوى ركبُ العراق إلى الحجازِ
لزورة صاحب الزوراء من قدبنى سُبُل الحقيقة لا المجازِ
ثم مررنا بالمضيق، وهو مَسْلَك حصر كثير الأوعار والمحاجر، حتى أتينا على الأخيضر وهو واد مثلث الجوانب في جنوبيه قلعة سليمانية، بتاريخ ثمان وثلاثين وتسعمائة، وفيها عين تملأ منها ثلاث برك، تلاصق القلعة المبنية لحفظ البئر من دفنها أيام عصيان بني لام وبني عقبة.
ثم أتينا على المعظَّم وهو وادٍ فيه قلعة عثمانية عمرت سنة إحدى وثلاثين وألف،
غير أنَّه لم يكن بها ماء، وقد أشرفت على الدمار، وفيه يقول بعضهم:
يا ذا المعظم إنَّ فيك لقسوةفلأيّ معنى قد سُميت معظما
إنّ المعظم من يُغيثُ وفودهوأراك أفنيت الأنامَ من الظما
وعند القلعة بركة عظيمة متسعة جداً، يأتيها الماء من الأمطار، ولها خمس
وعشرون درجة، ولما وردناها وجدنا منها خمسة عشر درجة في الماء الفرات.
ثم أتينا على الأقيرع ثم بشطب العجوز، وهو شِعْب فيه ماء غزير من المطر، ولا يكاد يخلو عنه فيما يقال.
ثم أتينا على المبرك وهو بين صخرتين عظيمتين كالمأزَمَيْن يمرّ من بينهما الركب، ويكون له ضجيج بالاستغفار، وزعموا أن صالحاً ﵇ عقرت ناقته هناك.
ثم أتينا على مداين صالح وهي بيوت منحوتة في الصخور، وعندها آبار.
ثم أتينا على العُلى فاجتمعنا بأبناء البلاد من جيران سيد العباد، وسند العباد، فقرَّت بهم النواظر واستقرَّت:
لله يومي بالعلى إذ شاهدتْعينايَ آثار النبي الهادي
ورأيت فيه جيرةً من يثربسقيت منازلهم بصَوْبِ عهادِ
وقال غيره:
يا وارداً من حمى المختارِ يخبرنيعن جيرة شنف الأسماع بالخبرِ
ناشدتك اللهَ إن أوليتَ مكرُمةحدّث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري
فأقمنا في العُلى مع إخوان الصفا وخلان الوفاء، ثلاثة أيام بلياليها، تحكي عقوداً تزينت بلآليها:
لله ما لاقيتُ فيها من الهناولله حادي العامريّة إذ يحدو
وحدثتني يا سعد عنها فزدتنيشجوناً فزدني من حديثك يا سعدُ
والعلى قرية لطيفة على ست مراحل من المدينة المنورة، وهي منقطع أحكام الشام، وكانت معافاة أيام الجراكسة، فغزاهم عرب أيام العثامنة، فرفعوا أمرهم إلى نائب الشام عيسى باشا، فأمر أن يُبنى حصن ويجعل فيه حرس ويحيي
القرية، ويضرب على كلّ نخلة عثماني للحرس، فانتهت الجباية إلى الترقي وبطل الحرس، فشكوا فلم تفدهم الشكوى وتضاعفت المظلمة، وكان الأمر كما قيل:
ربَّ من ترجو به دفعَ الأذىسوفَ يأتيكَ الأذى من قبلهِ
وهي كما يقال روضة غناء، وغيضة حسناء، بها النخيل الباسقه، والأشجار المتناسقه، وفيها عينان تجريان:
مياه بوجهِ الأرض تجري كأنَّهاصفائحُ تِبْرٍ قد سُبِكن جداولا
كأنّ بها من شدّة الجري جنّةوقد ألبستهنّ الرياح سلاسلا
وقال:
كأنَّما النهرُ إذ مرّ النسيمُ بهِوالغيم يَهمي وضوءُ البرق حين بدا
رشقُ السهامِ ولمعُ البيض يوم وَغىًخاف الغدير سطاها فاكتسى زَرَدا
وقال:
روض كمخضرّ العِذارِ وجدولنقشَت عليه يد النسيم مباردا
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع