من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
أم القرى
وجدّ بنا السير إلى أم القرى فدخلنا من باب السلام، إلى ذلك المقام، وأقمنا بذلك البلد الحرام، ثم توجهنا إلى عرفة، وهي على اثني عشر ميلا من مكة، فقضينا الحج وعلى الله القبول، كانت حجة الجمعة المشهور فضلها على غيرها. ثم توجهنا إلى منى فرمينا الجمار، وبلغنا بها الأوطار، ومنى على فرسخ من مكة بين جبلين مطلين عليها، أحدهما ثبير وهو موضع الكبش:
وآي منى خمس فمنها اتساعهالحجاجِ بيت الله لو جاوزوا الحدّا
ومنع حداة خطف لحم بأرضهاوقلة وجدان البعوض بها عدّا
وكون ذباب لا يعاقر طعمهاورفع حصى المقبول دون الذي رُدّا
وقال:
ولما قضينا من منىً كلّ حاجةومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطيّ الأباطح
فأقمنا في بيوت أذن الله أن يرفع شأنها، ويسبّح فيها بالغدوّ والآصال سكانها، وشهدنا من أهلها تلك الصباحة، وعلمنا مقر الملاحة والفصاحة، وما ألطف ما قال القاضي عز الدين الكناني:
تطالبني نفسي مقاماً بمكةفأذكر ضَعفَ أهلها فأقصّر
حياءُ من التقصير في حقِّ بعضهموإرضاء كلّ منهم متعذّر
ويغلبني شوقي إليها فإننيأقدم رجلي تارة وأؤخّر
وما أحسن ما قال:
يا أهلَ دار المعلّى والبقيعِ سقتْربوعكم سحبٌ منهلّه الدِيَم
لو أن روحي في كفي لزرتكمسعياً على الرأس لا سعيا على القدم
ثم أخذنا بأطراف الملتزم، وتضلَّعنا من ماء زمزم، وأخذنا بحظّ من ذلك المقام، ورجونا الله تعالى تحقيق المرام:
أكرم بزمزم إذ غدا متفجِّرابمعين ماء للمفاسد يصلحُ
حاوي الملاحة والعذوبة والشفافلذاك يحلو للقلوبِ ويملحُ
ولما كان اليوم الثاني والعشرون من ذي الحجة الحرام، عدنا على تلك المنازل التي تقدَّم ذكرها، ورجعنا كما ترجع إلى منازل الأفق زُهْرُها، وعند افتتاح عام ختم قدمنا المدينة وقد حصل المراد وتم:
فيا عينيّ بيتاً في اعتناقويا نومي قدمت على الكرامه
ويا قلبي هنيئاً بالتدانيوبشرى قد قدمت على السلامه
وها أنا قد ألقيت عصا الترحال بفنائها الفسيح، وعزمت على أن لا أفارقها إلا مع الأجل المريح.
وقد طفت البلاد ومن عليهاكرامٌ في الطبائع أو لئامُ
فلم أرَ مثل جيراني وأهليلمثلي عند مثلهم مقامُ
وقال:
عليّ عهود عن ديارك لا أخطووإن ضاق فيها العيشُ أو طاول القحطُ
على أنني فيها على خير حالةٍعزيزُ جناب لا يزاولني البسطُ
وقال:
إذا لم تقم في طيبة عند طيّببه طيبة طابت فأين تطيبُ
وإن لم يجب في حبها ربنا الدعاففي أي حيّ للدعاء يجيبُ
وقال غيره:
سقى الله يثرب من بلدةوطاف بها مستفيض السحاب
بلاد تسامت بمن حلّهاوعزّت ففيها الدُعا يُستجاب
وقال غيره:
رعى الله طيبةَ من بلدةٍوساقَ السحاب لأعتابها
فقد جمعت كلّ فضل جزيلولا يدخل الفصل من بابها
ومن محاسن الحانوتي:
يا أهل طيبة لا زالت شمائلكمكالروض باكَرَه سارٍ من الدِيمِ
أنفاسكم والنفوس الغرُّ ما برحتكالزَهر والزُهر في لطف وفي كرمِ
ما أمّكم زائرٌ إلا وآب بمايربو على فكره من كلّ مغتنمِ
فأنتم الطيبون الطاهرون ومنلا ريب في مجدهم من سالفِ القدمِ
لا عيب فيكم سوى أن النزيل بكميسلو عن الأهل والأوطان والحشمِ
جميلكم جلّ أن يُحصى وفضلكمفي الناس أشهر من نار على علمِ
كفاكم بجوار المصطفى شرفاًوجار ذي الجاه أنّى كان لم يضمِ
لولاكم خيرة الله الكريم لماكنتم له جيرة من سائرِ الأممِ
والله جلّ اسمه بالقرب خوّلكموزادكم بسطة في العلمِ والهممِ
لا زلتم وأمان الله يكلَؤكممما أحاذر في حرز من اللَمَمّ
وكيف أخشى الرزايا أن تُلِمَ بكموأنتم من حمى المختار في حرمِ
عليه صلَّى إلهُ العرش ما سجعتوُرْق الحمائم بين الضالِ والسلمِ
وآله الطهر أرباب الكمالِ ومنوالاهم وجميع الصحب كلهم
وقال القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد: الحجاز ومنه مدينة يثرب، وهي حرّة سبخة مقدار نصف مكة، من خصائصها أن من دخلها يشم رائحة الطيب، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها:
وإذا لم تر الهلالَ فسلملأناسٍ رأوهُ بالأبصارِ
قال: وأهلها أحسن الناس أصواتاً، قيل لبعضهم: لِمَ كنتم أحسن الناس أصواتاً!؟ قال: مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فصَفَت أصواتنا. في الخريدة هي مستوى من الأرض، وعليها سور قديم، وحولها نخل كثير، وثمرها في غاية الحلاوة، وأما حدائقها، فكما قال بعضهم: كنت إذا دخلتها كأني أبشِّر قلبي بنضح السرور والفرح، ولم أجد لذلك سبباً إلا انفساح جوّها، وحسن هوائها وطيب نسيمها، وصحة إقليمها. ويكفي في فضلها خبر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإنِّي أشفع لمن يموت بها
والجار محسّوب على جيرانهِجارٌ كريم مسامح من ذنبهِ
وقال غيره:
يا أهل طيبة قد سكنتم أضلعيفودادكم نامٍ وشوقي محكمُ
لاغرو أن أرعى هواكم منشداًمن أجل عينٍ ألفُ عين تكرمُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع