تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

الخاتمة

هذا آخر هذه الرحلة المكتوبة، ولله الحمد على فراق تلك الأوقات المتعوبة، فليكن محمولاً على متن الحلم كلامها الموضوع، فقد علم الله تعالى أنها صدرت عن قلب مكسور وفؤاد مصدوع، وقد أنشأتها بالاغترار، وأمليتها بلسان الاضطرار، فكانت من سقط المتاع، المستوجبة لأن لا تباع، لا سيما إن رميت بالكساد، وإفساد الحساد، وقيل هذا هذاء، هذاء إذا كان من منح هذا الدهر الملوم إساءة وإيذاء، فالمرجو من ذوي الإنصاف، والمعصوم عن وَصْمَة الاعتساف، المعذرة فيما طغى به القلم، وزلَّت فيه القدم، على أن المعترض مصاب وإن أصاب.

وليس اعتقادُ المرء ما خطَّ كفهكما أنّ حاكي الكفرَ ليس بكافرِ

على أن الحاكم بالتخطئة لا يخلو من حسد أو عناد، ولا ينجو من هوى يعدل به عن سبيل الرشاد، وعسى أن يظفر بمخرج صالح لو دقّق النظر، أو يقف على

منهج واضح إن لاحظ المقصد المعتبر، ولكن من جُبِلت جِبِلّته بماء التعسف، وخُمِّرت طينته بالعناد والتكلف، لا يزال يرفع عن قبول الحق شامخ أنفه، وإن أوتي الحق الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

خذ من زمانكَ ما صفاودع الذي فيهِ الكدر
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «خذ من زمانك ما صفا»
فالعمرُ أقصرُ مدةًمن أن يدنسَ بالغِيَر

وحيث تشرفت بألقاب قطب دائرة الوجود، ومركز العلم والحلم والجود، فلا غرو أن تكون من أحسن الرسائل وأنفع الوسائل، لا سيما وقد احتوت على كثير من مفيد الأخبار، وانطوت على مواعظ ترتضيها الأحبار، إلى غير ذلك مما يفيد سلامة الطبع لمن كان له قلب أو ألقى السمع.

يا رحلة جمعتُهاألفاظها تُسْتَعْذَبُ
لا تستقلِّوا حجمهافيها الكثير الطيبُ

فلتكن تذكرة في الحياة، وأثراً بعد الممات، تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للوحيد نعم الأنيس:

رسالة طالبٍ في الكونِ أضحىيرى مطلوبه في كلّ مصرِ
حوت أوراقها أبياتَ شعرٍولكن كلّ بيت مثل قصرِ

وقال غيره:

وكم من رسالات رَقَمْتُ نقوشَهافلم أنتفع يوماً بتلك الرسائلِ
أراني في حرمان ما كنتُ أرتجيوآخر عمري لاحقاً بالأوائلِ

وأنا أستغفر الله تعالى من التجوّز في المقال، وألجأ إليه من الوقوع في ربقة القيل والقال، فلا أتعلل بالمموّهات من الوساوس الشيطانية، والمسوّلات من الهواجس النفسانية، ولا أكون ممن افتُتِن وقَبُح، وأسأله أن يختصني بالقبول المرضي، والعطاء الفيضي، هذا وإن أخطأت تحقيقاً، فمن البرِّ ما يكون عقوقاً:

كتبت وقد أيقنت أن جوارحيستبلى ويبلى كلّ ما أنا ناقلُه
فإن كان خيراً سوف أحمد غِبّهوإن كان شراً أوبَقَتني غوائلُه
فأستغفر اللهَ العظيم مِنَ الذيكتبتُ ومما قلتُ إنّي لقائلُه

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وباطناً وظاهراً، ونشكره في الأولى والآخرة، ونسأله عواطف رحمته الفاخرة، إنه الجواد الذي لا يخيب من أمّله، ولا يخذل من قطع رجاه من سواه وأمّ له.

يا سفرةً شقّت بكلِّ مشقّةوخلا مُحَيَّاها عن الإسفارِ
كتبت لنا خطّاً خلا من أحرفٍلكن ظفرت بنزهة الأسفارِ

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة الشتاء والصيف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.