تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

المدينة المنورة

ثم امتطينا متن الغبراء، وازورّ مسيرنا لنحو الزوراء، فلم نزل كذلك، نجوب هاتيك المسالك:

ولأهلِ الزوراء في القلب ودفسلام على حمى ساكنيها
هي دارُ السلامِ طابت مقاماومقيلاً والقول ما قيل فيها

وقد زاد الشوق وحث السوق:

وأعظم ما يكون الشوقُ يوماًإذا دنت الخيام من الخيامِ

ثم أتينا على العراقيب فانتشقنا من تلقاء طيبة أطيب العرف، وسلكنا بحرف واديها

فكانت طيبة الاسم والفعل والحرف:

فشممتُ من أرضِ الحجازِ نسيمَ أنفاسِ التلاقِ
وضحكتُ من فرحِ السرورِ كما بكيتُ من الفراقِ

ولما أسفر الصباح، وفاح عرف هاتيك البطاح، هَبَّت لنا نسيمات العقيق والنَقا، مؤذنة بالتداني واللقا:

على ساكني بطن العقيقِ سلامُوإن أسهروني بالفراقِ وناموا
حظرتم عليّ النومَ وهو محللٌوحلّلتم التعذيبَ وهو حرامُ
إذا بنتم عن حاجرٍ وحجرتمعلى السمعِ أن يدنو إليه كلامُ
فلا ميّلت ريح الصبا فرع بانَةولا سَجَعت فوقَ الغصون حمامُ
ولا قهقهت فيه الرعودُ ولا بكتعلى حافتيه بالعشاء غمامُ
فما لي وما للربع قد بان أهلهُوقد قوّضت من ساكنيهِ خيامُ
ألا ليت شعري هل إلى الرمل عودةٌوهل لي بتلكَ البانتين لمامُ
وهل نهلةٌ من بئرِ عروة عذبةٌأُداوي بها قلباً كواه أوامُ
ألا يا حمامات الأراك إليكمفما لي في تغريدكن مرامُ
فوجدي وشوقي مسعد ومؤانسٌونوحي ودمعي مطرب ومدامُ

ولما أشرقت الأرض بنور ربها، وتأرَّجت تلك البقاع بطيب تربها، تبدَّت

من البركتين عرائس تلك النخيل، وقال لسان حال دونك صفاء العيش والظل الظليل:

ولي ثمّ بين البركتين معاهدٌعلى حفظها قلبي الحفيظ أمينُ
فيا طيبَ عيشٍ مرَّ لي في ربوعهاودادك باقٍ لستُ فيه أمينُ

وقال غيره:

صاح هذي أعلام طيبةَ لاحتوفؤادي على اللقاء حريصُ
وتبدَّت نخيلها للمطايافعيونُ المطيّ للنخيل خوصُ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

فترحَّلت، ولو أمكن لمشيت على الأحداق، وتمليت بهاتيك الأنوار وبذلك الإشراق، وحمدت الله تعالى على ما أولى وأنال، وأخذت أنشد قول من قال:

أيّها المُغرم المشوق هنيئاًما أنالوك من لذيذِ التلاقي
قل لعينيكَ تهملان سروراًطالما أسعداك يوم الفراقِ
أبدل الحزنِ بالسرورِ ابتهاجاوجميع الأشجان والأشواقِ
وأمُرِ العين أن تفيض سِجالاوتوالي بدمعها المهراقِ
هذه دارهم وأنت محبّما بقاء الدموعِ في الآماقي
للشاعر بهاء الدين الصيادي، من قصيدة «أسعفيني يا نياقي»

فتمليت من تلك الحضرة الشريفة، والروضة المطهرة المنيفة، بذلك المقام النبوي والمرام العلوي:

ولعيني لما بدا نور طهوحمىً فيه منبرٌ ومقامُ
قلتُ يا حاديَ الركائب قل ليهذه يقظة وإلا منامُ

ولما ألقيت العصا والجراب، وعزمت على ترك الذهاب والإياب، رأيت ركاباً تُعدُّ للسُرى، ورحالاً تُشدُّ إلى أم القرى، فعصفت بي رياح الغرام، واهتاج لي الشوق إلى البيت الحرام، فزممت ناقتي، ونَبذت علاقتي:

وقلتُ للائمي أقصر فإنيسأختارُ المقَامَ على المقامِِ
وأنفق ما جمعتُ بأرضِ جمعوأسلو بالحَطيم عن الحُطامِ

غيره:

يا سميري روّح بمكةَ روحيشادياً إن رغبت في إسعادي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «خفف السير واتئد يا حادي»
فذُراها سربي وطيبي ثّراهاوسبيلُ المسيل وِردي وزادي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «خفف السير واتئد يا حادي»
كان فيها أنسي ومعراج قدسيومقام المقامِ والفتح بادي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «خفف السير واتئد يا حادي»

فبرزت من المدينة الشريفة، ونزلت على ذي الحليفة، وهي على ستة أميال منها، فأحرمت منها بحجة لروح سيد المرسلين وخاتمَ النبيين، رجاء أن أكون من

المقبولين.

ثم أتينا على خيف بني عمرو وهو شعب بين جبال شاهقة، فيه النخيل الباسقة، والأشجار المتناسقة، وماؤه من جدولين، أحدهما في الخيف الأعلى والآخر في الخيف الأسفل، والقرية على سفح الجبل لأن السيل يغشى الوادي.

ثم مررنا بالحمراء والصفراء والحسينية، وهي خيوف حسنة وقرى مستحسنة، وأخذنا على طريق زقاقه، وهي شرقي الطريق البدرية.

ثم أتينا على حسنا وهو وادٍ قد يوجد به الماء من الأمطار، ثم أتينا على مستورة واد كثير الرمل، وماؤه من حفائر يحلو مع المطر، ويهمج مع المحل، وعليه قرية لطيفة. ثم أتينا على رابغ وادٍ من الجحفة واسمه القديم رابوغ، وهو ميقات أهل الشام، وماؤه من الحفائر وعليه مزارع، وهي على الساحل بحيث يؤتى إليها بالسمك الطري في الغالب، وهي كثيرة الغبار وفي ذلك يقول الفيومي:

لم أنسَ بالجحفة يوماً غداعقلي من أهواله زائغ
يوماً لحوم الخلق فيه اشتوتمن حرّه والقلب من رابغ

ثم أتينا على دفين، وهي كثبان قبيل السيل من جنة كلية، وفيه يقول:

ويوم سرنا على دفينأوقد حرّ النهار ناره
وصارت الشمس في اِلتهابوقودها الناس والحجاره

ثم أتينا على قديد، وهو واد فيه آبار ومزارع وقرية لطيفة، يقول لسان حال سكانها:

بلاد ألفناها على كلّ حالةوقد يؤلفُ الشيء الذي ليس بالحسَن
وتستطيب الأرض التي لا هواؤهاولا ماؤها عذبٌ ولكنهُ وطن

ثم مررنا بعقبة الرمل وتسمى عقبة السكر لأن أرباب النعم يقسمونه عليها. ثم أتينا على خليص وهي عين غزيرة الماء، عليها نخل كثير وبركة متسعة جداً، وإذا

احتاجت العين إلى العمارة جاء المصرف إليها من حاصل جدّة، كذا في زهر الرياض. وقد غفا رسم هذه العين لتغافل الدولة عنها، وعسى أن يعود الماء إلى مجاريه:

لله درّ الليالي في تقلّبهاوكلّ أمر بدا من حكمة الهاديّ
بينا يرى الماء يجري في جداولهِحتى يغور كأن لم يجر بالوادي

ومن لطائف الخطيب محمد بن حجر:

جمالنا مهفهففي أذنه أرخى خريص
طلبتُ منه قبلةفقالَ لي أنت لصيص
تريدها مستورةقلتُ له على خليص

ثم أتينا على عسفان وهي قرية جامعة على نحو يومين من مكة، بها آبار وبرك وعين تعرف بالعولاء، ينقل ماؤها إلى مكة للتبرك به. ثم أتينا على البرقاء وهي واد كثير الأعشاب، وماؤه من الأمطار ما بين تلك الشِعاب.

ثم أتينا على الوادي وما أدراك ما الوادي!؟ وادٍ فسيح الجناب مخضر الأرجاء والرحاب، به النخيل التي لا تحصى، والجداول التي من محاسن رياضها لا تستقصى، وفيه الكادي الذي هو أطيب الطيب، وأنواع البطيخ العجيب، وقد تزينت أرجاؤه بقباب أبناء الزهراء، فلا فقدتهم تلك المنازل، ولا برح كلّ روض بهم عاطر وآهل. ثم رحلنا منه والأشواق تقودنا إلى البيت الحرام، وتسوقنا إلى البلد الذي لا يزال يقصد ويرام:

بلد به البيت المحرم قبلةٌللعالمين له المساجدُ تعدلُ
حرمٌ حرامٌ أرضه وصيودهُوالصيدُ في كلّ البلادِ محللُ
وبه المشاعرُ والمناسك كلهاوإلى فضيلته البرية ترحلُ
وبه المقامُ وحوضُ زمزم مشرعوالحِجر والركن المشيد الأفضلُ
والمسجد العالي المحصّبُ والصفاوالمشعران لمن يطوف ويرملُ
وبمكةَ الحسنا يضاعف أجرناوبها المسيء من الخطايا يغسلُ

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة الشتاء والصيف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.