من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
تكريت
وتليها مرحلة تكريت بفتح التاء، سميت بتكريت بنت وائل، وهي بلدة قديمة كبيرة لم يبق منها الآن إلا القليل، وأكثرها خراب، رسومه ظاهرة، والمسافة ستة فراسخ، ومنها كتبت للولد القلبي حسين بك كتابا صورته: من محب سالمه سهاده، وحاربه رقاده، وخانه جلده، ووفى له كمده. ترامت به البلدان والأقطار، وتقاذفت به الفلوات فأقصته عن الديار:
يوما بحزوى ويوما بالعقيقوبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
تأجّجت زفراته، واضطرمت لوعاته، وهاضت أشواقه حين أساء عليه فراقه، جل عن أن تصفه الأقلام، وعظم أن تحيط به الأرقام:
والشوق أعظم أن يحيط بوصفهقلم وأن يطوى عليه كتاب
والله ما أنا منصف إن كان ليعيش يطيب وجيرتي غياب
وأيم الله لا يرد على سروري، ولا يعيد عليّ حبوري، ولا يرد جيش همومي، ولا يزيح تراكم غمومي، إلا التملي بمحيا الأمجد الذي علا حسبه وسما نسبه وشرفت أخلاقه، وزكت أصوله وأعراقه، وعذبت موارده ومصادره، وسمت مكارمه ومفاخره، ذي المعارف التي جلّت عن التعريف، والعوارف التي لا يحيط بها التوصيف، فالواصف وإن أطرى
وأطنب، وأطال وأسهب، لا يدرك معشار المعشار من أوصافه، ولا يجمع بعض البعض من سنيّ ألطافه، صاحب التحصيل للكمالات السنية، والحائز للمفاخر السنية السمية، نور عيني وجلاها، وحياة روحي ومناها، كريم الأصلين، ولدي أبي المحاسن حسين، لا زال السعد يقدمه، والإقبال يخدمه، آمين. أيّها الولد! علم الله وكفى به عليما: إني على الدعاء لم أزل مقيما، لم أنس تلك الطلعة الزاهرة، ولم أسل هاتيك الأوقات الناضرة، قد قرّح الدمع أجفاني، وأحرق القلب أشجاني، أتذكر تلك الليالي فتهيج زفراتي، وتضطرم لوعاتي، وكلما خيّلت ربعكم المعمور بالمسرات، وبادرتني العبرات والحسرات:
لم أنس معهدنا والأنس مجتمعوالعيش غض وربع الأنس معطار
فها أنا بعد بعد عنه في قلقوقد نبت بي أرجاء وأقطار
تمضي الليالي وأشواقي مجددةوما انقضت لي من الأحباب أوطار
- أسأل الله- وعليه المعوّل- أن يجمعنا قبل انخرام الأجل، أيها الولد!
دخلنا تكريت يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الثاني، ولما وقع مني عليها النظر، زادت وساوسي والفكر، وقلت بديها، وأنا فيها:
قد أضرم الوجد في الاحشاء كبريتالما حللت مغاني القوم تكريتا
وكلّما شاهدت عيناي مرتعاتوهمته من الأكدار سبريتا
بعدت عن أهل ودي والجوى جللأدير شوقا إلى مغناهم ليتا
جمعت جمع فنون الوجد في كبرحتى دعيت خبيرا فيه خريتا
كوى فؤادي النوى والعين ساجمةحكيت في لوعتي الحرّى مقاليتا
والهم أنحلني والصبر فارقنيأضحت همومي على ضعفي عفاريتا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع