من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
بستان آغا زاده (٢)
وممّن أضافنا في بيته الشيخ العالم الصوفي، والحبر البحر الوفي، سيدنا الشيخ محمد بن العالم الصالح الصوفي الشيخ صالح المواهبي، له- حفظه الله- في العلوم باع طويل، وفي التصوف ذهن غير كليل، هو الآن شيخ الحلوية يصنع فيها ذكرا بعد صلاة الجمعة، وله وعظ في الجامع الكبير، يأتي بالمواعظ التي تخلب القلوب، وتكشف أستار الغيوب، بألفاظ فصيحة وتقريرات رجيحة. وله تدريس في الحديث في الجامع الكبير، يدرس في الجامع الصغير بتأنّ وتؤدة وإمهال من غير هذرمة ولا دمدمة ولا استعجال، نفعنا الله بصالح دعواته، وأفاض علينا وافر بركاته آمين.
وقرأ علي الشيخ محمد العقاد شرح الوضعية، وشرح رسالة آداب البحث، وأضافني في بيته ومعنا الشيخ طه الجبريني، والسيد يونس الأدهمي، وأتانا بقصاص قص لنا من بعض سيرة الظاهر بيبرس، فما رأيت أحفظ من هذا القصاص، [فإنه] أدرج في أثناء
القصة مقامة من مقامات الحريري، وأبيات ابن هاني المغربي الأندلسي التي أولها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
حتى أتى إلى آخرها.
وأنشد معلقة زهير بن أبي سلمى مع صحة الألفاظ والإعراب، وهذا من أغرب ما سمعت، والشيخ محمد العقاد فاضل ماهر لولا صغر سنه لتعين في حلب، له في الفقه والعربية والأصول والقراءات باع طويل.
وممن زارنا السيد محمد (السرميني) المعروف بالخاص، ومدحني بقصيدة، وإن كانت غير جزلة ولا فصيحة لكني أثبتها تبركا بأنفاسه وهي:
يا ابن ودّي مر بي فديتك منيلاح بدر قد فاق بدر السماء
مذ رأينا نور المهابة قلناذا ضباه أنار بالشهباء
طيب النفس جهبذ ذو كاءوسناه يزهو كشمس ضحاء
سيّد ساد بالأصالة فرعاورقى سؤددا على الفضلاء
وسما رفعة لأوج وقاروغدا عمدة لدى العلماء
جاءنا زائرا بنية سعدقاصدا بالتقى لخير الأنبياء
لولا هذا لما حظينا بفضلمذ هدينا بوجهه اللألاء
وجنينا ثماره وسمعنانظمه الرايق الشهي بوفاء
لم يزل يرتقي مكانة عزذروة المجد حالة السراء
زاده الله في الأنام وقاراوارتقاء فوق العلا والسماء
ردّه الله للبلاد سليمامغمرا بالعطاء من ذي سخاء
ووقاه الإله كيد حسودسالما في الدنا من البلواء
وتهنّا عبد الإله ببكرحلة المجد صغتها من ثناء
واعذر الآن محمد الخاص إنيما مرامي سوى قبول دعائي
وهذا السيد محمد الخاص في عقله خلل كأنه مجذوب ومسلوب، نفعنا الله به وبأسلافه.
ومما أنشدنا السيد محمد قزيزان بعد درس البيضاوي في بيت الطرابلسي (قصيدة):
وكم حزن أهدى سرورا لربهكما الدوح يعلو شامخا أن يعلم
أرى زهرة الدنيا وريحان غيهاإذا ذبلا في دمنة الحي ترتمي
ومن يك فرعا للمكارم مثمرارفيعا بأحجار الملامة يرجم
ومن يك في ماء الشباب معوجافليس له غير اللظى من مقوم
ومن ينظر الدنيا بأجفان عبرةعلى ما مضى أن فات لم يتندم
فليس به شيء يسر ويرتجىوتحمد عقباه فسل عنه تعلم
سوى أنّها مثوى لأشرف مرسلعلى فترة من بعد عيسي بن مريم
فمذ قبّلت أقدامه الأرض أصبحتلنا معبدا رحبا وطهر تيمم
نبي أتى الذكر الحكيم بمدحهبمعجز آي رائق النظم محكم
حكيم مزاج الدين صحّ بطبّهوكم من مريض الذنب للخوف يحتمي
فإن نبضت أعراق شرك بنبضهيعالجها ممّا يريق من الدم
حليم فلا يسطو على الحلم غيظهوليس حليم الخيم كالمتحلّم
نبي أتى الأنصار في أرض طيبةفحل محل البرء في رأس مسلم
وأضحت بيمنى رجله حرما فلابها مرض يخشى ولا أمّ ملدم
يقول أنا الأمي في اللوح ناظروفي مكتب الأرواح ربي معلمي
ودر ثمين لم يهذبه كافلوآدابه ليست إلى الناس تنتمي
إذا لاح في موضونة السر خلتهخضمّا تردى بالغدير المسنّم
أيا ابن الذبيحين الذي ذبح العدىلتطبخ في نار الجحيم المحطّم
فديتك يا روحي فداء مؤكدابنفس وعين لا بعين ودرهم
عليك صلاة الله في كل فينةوصحبك ثم الآل مورد من ظمي
ومما أنشدنا في حجرة الشيخ طه فائية ابن هاني الأندلسي ﵀ رحمة واسعة) التي مطلعها:
أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفاوقدّت لنا الظلماء من جلدها الحفا
وبات لنا ساق يصول على الدجىبشمعة نجم لا تقط ولا تطفى
(حتى أتى إلى آخرها)
ومما أنشدنا في بيت السيد حسين (الديري) قول ابن الخيّاط:
هو الرّسم لو أغنى الوقوف على الرّسمهو الحزم لولا طول عهدك بالحزم
تجاهلت عرفاني به غير جاهلوللشّوق آيات تدلّ على علمي
عشيّة جنّ القلب فيها جنونهونازعني شوقي منازعة الخصم
وقفت أداري الوجد خوف مدامعتبيح من السر الممنّع ما أحمي
أغالط بالشك اليقين صبابةوأدفع في صدر الحقيقة بالوهم
فلما أبى إلا البكاء لي الأسىبكيت فما أبقيت للرسم من رسم
وما مستفيض من غروب تنازعتعراها السّواني فهي سجم على سجم
بأغزر من عيني حين تمثّلتعلى الظّن أعلام وبانت على الرّجم
كأني بإجراع الثنيّة مسلمإلى ثائر لا يعرف الصفح عن جرم
لقد وجدت وجدي الدّيار بأهلهاولو لم تجد وجدي لما سقمت سقمي
عليهن وسم للفراق وإنهاعلى به ما ليس للنار من وسم
وكم قسّم البين الصبا بين منزلوبيني ولكنّ الهوى جائر القسم
منازل أدراس شجاني نحو لهافهلا شجاها ناحل القلب والجسم
سقاها الحيا قبلي فلما سقيتهابدمعي رأت فضل الوليّ على الوسم
ولو أنني أنصفتها ما عذلتهاعن الكرم الفيّاض والنائل الجمّ
وممن التمس مني إجازة الحديث الشيخ الصالح الناسك الشيخ مصطفى الغريب المقدسي، فكتبت في الإجازة: الحمد لله الذي أوصل بصحيح النية من انقطع إليه، وقوى
الضعيف الذي أطاعه بالحسن من الأعمال لما توكل عليه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ المرسل من أشرف قبيل، وعلى آله وأصحابه أكرم جيل.
وبعد، فيقول العبد الفقير إلى الله الغني، خادم الحديث، أبو البركات عبد الله السويدي:
قد التمس مني الشيخ الصالح الناسك سيدي الشيخ مصطفى الغريب المقدسي نزيل حلب أن أجيزه بمروياتي فأجزته- بعد الاستخارة- بجميع ما يجوز لي، وعني، روايته من منطوق ومفهوم ومنثور ومنظور، ولا سيما كتب التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والحكمة والهيئة والتصوف وجميع الأحزاب والأوراد وسلسلة الطريق وغير ذلك، بحسب روايتي لذلك من مشايخي.
وأجزته بجميع مؤلفاتي من منثور ومنظوم، بشرط أن لا ينساني، ومشايخي وأصولي وفروعي ومحبّىّ من دعائه، وكتبه الفقير خادم الحديث أبو البركات عبد الله السويدي المدرس بآستانة الشيخ عبد القادر الجيلي، قدّس سرّه العزيز.
ومما وقع السؤال عنه عبارة القاضي البيضاوي على قوله تعالى فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
حيث قال::
والتغليب للإيجاز والتعليل والمبالغة. فكثر الكلام فيها، وطال النزاع، وجيىء بالحواشي المتعلقة بالبيضاوي، لم يشف أحدهم الغليل، لكن رأيت في بعض المجاميع عبارة منسوبة إلى زين العابدين، والظاهر أنه البكري الصديقي هي أحسن مما رأيت من الأجوبة وهي: أقول: لا منج إما أن يكون الدعاء بالسحق واقعا في الدنيا، وفي قول الأفواج في
الآخرة، أو يقدر وقوع أحدهم في وقت وقوع الآخر على ما يشعر به قوله فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ
وعلى الأول، أما جعل التغليب مجازا فيما يشبه التغليب من تغيير النظم، كما يجعل لفظ التضمين في واضع من كلام المصنف مجازا فيما يشبهه، وإنما جعله تغليبا للكفرة على فسّاق الموحدين على سبيل التهديد كما صرّح به المفسرون في الدعاء في الغضب واللعن الواقع على سبيل الإيقاع كما توهّم، فيكون من تغليب الأكثر من الجنس في وصف اتصف به على الأقل منه الخالي من ذلك الوصف كما اتفق عليه علماء البلاغة، فعدم إطلاق أصحاب على الفساق لا ينافي ذلك كما لا ينافي كون باب التغليب من المجاز كما لا يخفى على المتدرب، أو المراد تغليب الواقع على وجه على الواقع على وجه آخر، فإن باب التغليب باب واسع على ما قرر في محله، فيفيد الإيجاز من حيث أن ظاهر السوق أن يقال فسحقا لهم ولسائر من يدخل السعير، ويفيد التعليل من حيث استحقاقهم للدعاء عليهم إنما حصل بسبب جعلهم أنفسهم الفسق، وأوجه في استحقاق مشاركة الاسم والرسم مع الكفرة بذلك إلى الأبد إنما نشأ من شؤم كفرهم، وحقيقته كلمة العذاب وصحبة السعير عليهم على قاعدة ترتب الحكم على المشتق، وأيضا يفيد المبالغة من حيث إنه فيه دعاء عليهم بالسحق، وإطلاقا لوصف صحبة النار وملازمتها عليهم على الوجه الأعم المتجاوز عنهم، مع جعل الفساق الملحقين بهم بحسب الضم متساوين معهم في ذلك تهديدا، وعلى الثاني (وهو تقديرا وقوع أحدهما في وقت وقوع الآخر، فيكون تغليبا لأصحاب السعير بالفعل على الملقين في جهنم المغايرين لهم على ما يستفاد من قولهم ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
»
أي واقفين) فيهم بعداد جملتهم دون أن
يقولوا: ما كنا أصحاب السعير. وإن كان أمر الكل راجعا إلى صحبة السعير، وتوضيحه أن القائل في قوله: قالوا، وقوله: ما كنا، إن كان مجموع الأفواج فالمراد تغليب الشياطين الذين صحبوا السعير بالفعل قبل على ما دل عليه قوله تعالى وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ
كما صرح به المولى أبو السعود لما فيه من الإشعار بتقدم وقوع صحبتهم عليهم ولا ينافي إطلاق أصحاب السعير على غيرهم، ولا التصريح بكون السعير معتدة لهم أيضا في آيات أخر كما توهم، وإن كان كل واحد من الأفواج كما هو الظاهر من النظم الجليل، فالمراد تغليب من عداهم من الشياطين فقط أو مع الكفرة الذين وصلوا إلى صحبة السعير بالفعل قبل الفوج القائل وهو على التقديرين من تغليب ما وجد على ما لم يوجد، كما في قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مع كون المنزل بالفعل حينئذ بعض القرآن لا كله المراد في المقام واستعمال الأصحاب في المركب من الذين صحبوا بالفعل والذين لم يصحبوا استعمال في غير ما وضع له كما هو قانون التغليب، وفيه إيجاز باعتبار أن ظاهر السّوق: فسحقا لهم ولأصحاب السعير، وفيه تعليل لاستحقاق السحق يكون الكل أصحاب السعير، وأيضا فيه مبالغة باعتبار اشتراك الفريقين في الحكم الواقع بالفعل على السوية، والإيماء إلى أنه لا فرق بين صحبتهم لهم وصحبة الأصحاب بالفعل إلا بمقدار من التقدم والتأخّر يقع مثله بين المشاركين في الاسم الواحد والوصف المعين، وأما ما قاله المولى الخلخالي من أن التغليب إما هو بالفعل الماضي المقدر للفوج
الذين سحقوا بالإلقاء في جهنم على الذين يسحقون بذلك، وإنه من تغليب الموجود على المترقب، وإطلاق اسم الجزء على الكل، فمع بنائه على إخراج الجملة عن الدعاء سخيف من وجوه منها أن الحذف ينافي التغليب، ومنها أن السحق هو الإبعاد عن الرحمة، وهو لا يتوقف على الإلقاء في جهنّم، فلا فرق في ذلك بين الأفواج، ومنها أنه على تسليم كونه ماضيا صرفا مربوطا بالإلقاء في جهنم يكون من قبيل فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
والأفواج كلها في عدم وقوع ذلك قبل يوم القيامة، وكذا في القول بأن متحقق الوقوع كالواقع على السوية، ومنها على أن لا يحصل للتعليل على ما له وجه ظاهر إلى غير ذلك، هكذا ينبغي أن يقرأ هذا المحل، انتهت عبارة زين العابدين. وقال اللاقاني: بيانه أي قوله البيضاوي أن أصحاب السعير هم الشياطين بدليل قوله وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ
وأن أصحاب جهنم هم الذين كفروا بربهم بدليل قوله تعالى وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ
وسمى أحد الفريقين أصحاب جهنم بخلودهم فيها، وصاحب لغة الملازم المستمر، وقوله تعالى بعد ذكر الفريقين وتسميتهما بما ذكر فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
أراد به الفريقين معا فأطلق عليهما معا ما حقه أن يطلق حقيقة على الشياطين خاصة إطلاقا على سبيل تغليب الشياطين على الذين كفروا دون العكس، لأن الشياطين هم بالأصل في الهوى والضلال، والذين كفروا تبع لهم
في ذلك. وفوائد هذا التغليب ثلاث: الأولى الإيجاز إذ أصحاب السعير فيه إيجاز بالنسبة إلى الشياطين والذين كفروا، والثانية المبالغة في وصف الذين كفروا للإفراط في الكفر والضلال حتى كأنهم صاروا نفس الشياطين الذين هم أصحاب السعير حقيقة. الثالثة التعليل وذلك لأن قوله تعالى سحقا، معناه فبعدا لهم عن رحمته، أي عن جنته التي هي دار لرحمته، أي ثوابه وإنعامه، وقد علق بقوله تعالى لأصحاب السعير، والحكم إذا علق بوصف أشعر بعلية الوصف المعلق عليه للحكم المعلق كما هو مقرر في محله كقوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
وللخفاء في أن كونهم أصحاب السعير الملازمين لها الخالدين علة لبعدهم عن الجنة التي هي دار رحمته، انتهى. قلت: وفي العبارتين محل تأمل.
ومما وقع السؤال عنه، قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
سألت الشيخ الجبريني: لم أكّد الموت باللام مع كونه أمرا معلوما لا ينكره أحد، ولم يؤكد البعث بها مع كون المنكرين له كثيرين؟ فلم يستطع الجواب وجوابه- والله أعلم- أن المخاطبين لما كانوا منهمكين في الدنيا مقبلين على شهواتها ولذاتها مغترين بزهرتها ونضارتها، غير مكترنين بالأمور الأخروية، بل إنهم معرضون عنها بالكلية نزلوا منزلة من اشتد إنكاره للموت فألقى إليهم الخبر مؤكدا باللام، وأما البعث فإنه لمّا قامت عليه الدلائل الساطعة والبراهين القاطعة فكأنه محسوس مشاهد، نزلوا منزلة من لم يشتد إنكاره
فألقى إليهم الخبر مجردا عن اللام، وهذا أحسن من جواب الإمام الرازي حيث قال: إن الواو العاطفة تشرك ما بعدها في الحكم لما قبلها فكأن المعطوف مؤكّد باللام وهذا معنى كلامه، وللنظر فيه مجال.
وممن زارنا السيد الحسيب النسيب السيد محمد النائب في المحكمة الصلاحية ابن العالم الفاضل سيدنا السيد حسن أفندي التفتنازي، نسبة إلى تفتناز قرية من قرى حلب. ذكر لي ولده السيد محمد أن والده كان من الفضلاء المحققين، وأن له من المؤلفات نظم السراجية وشرحه، وله ثلاثة مؤلفات في الفقه الحنفي، وله رسالة في علم المعاني والبيان ورسالة في شرح حديثين، أحدهما حديث (إن الله يبعث على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها) وثانيهما حديث (استعينوا بضعفائكم). توفي في مكة المكرمة سنة.
وممن زارنا الشيخ الفقيه الصالح الحافظ لكلام الله الشيخ عبد الرحمن الحنبلي الدمشقي نزيل حلب، له محاضرة حسنة ونظم ليس بالعالي، وله مؤلفات في الفقه الحنبلي وفي الفرائض وفي النحو. طلب مني قراءة صحيح البخاري والإجازة فلم يتيسر ذلك، وعسى أن يكون خيرا.
واجتمعت مع الشيخ المجذوب المسلوب الشيخ علي شاتيله، وقبلت يده. يزعم أهل حلب أن له كرامات ظاهرة، نفعنا الله تعالى به. واجتمعت أيضا بالأمير محمد الداراني، وهو أيضا من المجاذيب إلّا أنه يصلي ويصوم ويقرأ العلم. قرأ عليّ وأنا في الموصل شرح تعليم المتعلم عام سبع وعشرين ومائة وألف، وكان إذ ذاك يلقب بالأخ العزيز لكثرة ما تجري هذه الكلمة على لسانه يقولها لكل من خاطبه، وكان إذ ذاك فيه نوع جذب، وأهل الموصل يعتقدونه، واليوم له في حلب نحو الستة عشر عاما، وأهلها يحسنون الظن به، نفعنا الله تعالى به، آمين. وممن دعانا للضيافة في بيته سيدنا العالم الفاضل السيد عبد الرحيم بن السيد أبي بكر الفنصاوي [و] هو ووالده من ذوي الرتب في حلب.
وممن دعانا إلى الضيافة في داره حسين آغا بن الحاج محمد المعروف بالجتجي البغدادي أضافنا ضيافة حسنة في الغاية [والنهاية].
وفي خامس رجب الأصب جاءني، وأنا في حلب، كتاب من ولدي الشيخ أبو الخير عبد الرحمن- حفظه الله من مكائد الشيطان وطوارق الحدثان- وصورته: العبد المملوك الذي أسره غرامه، وتيّمه هيامه، ذو الشوق المتكاثر، المفصح عنه قول الشاعر:
والشوق أعظم أن يحيط بوصفهنظم أو يطوى عليه كتاب
يقبل الأرض التي تشرفت بقدومك إليها، وتزخرفت بوطئك عليها، ويهدي سلاما أبهى من النيرين، بل أسمى من الفرقدين، سلام لو تمثل كان درا وياقوتا يقلّب باليدين، سلام صادر من محله إلى أهله، بالغ بلوغ الهدى إلى محله، وتحيات صافيات، ودعوات ضافيات بأن يديم الله مولانا الذي شيد به ركن الدين، لما به رحمة للناس في هذا الحين، العالم العامل، والفاضل الفاصل بين الحق والباطل، أدام الله ظله، ولا أعدم مثله، ولا زال السعد له أليفا، والأمان لحياته وركابه حليفا، فأنا إليك أشوق، وبقول القائل أليق:
يا من له بين الضلوع مرابعأناشيق أناشيق أناشيق
نسأل الله تعالى أن يجمعنا بعد قضاء الأوطار، ويزيل عنا الكرب والأكدار، إنّه الفاعل المختار. سألتم عنا، فالحمد لله إنا نتقلب بالنعم بطنا وظهرا، ونسير في وديان الثروة نجدا وغورا، والأهل والأولاد والمحبون إليكم متشوقون، ولكم بالخير داعون. وممن زارنا الشيخ الصالح الناسك الشيخ أحمد بن العالم الفاضل الشيخ محمد الحافظ الحلبي.
والتمس مني رواية حديث الرحمة المسلسل بالأولية، فرويته له، ثم التمس أن أكتب له سندي فيه، فكتبت ما صورته: الحمد لله الذي تتمّ بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على سيد السادات، ذو النعوت السامية الجلية، والمجد المسلسل بالأولية، سيدنا محمد ﷺ المرفوع ذكره، المرسل عن التقييد فخره، وعلى آله وأصحابه
وجنده وأحزابه. وبعد، فلما كان الإسناد من الدين، ووصلة إلى سيد المرسلين، ولولاه لقال من شاء ما شاء، وخبط المحدث خبط عشواء، التمس الشيخ العالم الصالح الناسك الشيخ أحمد بن العالم المحدث الشيخ محمد الحافظ الحلبي أن أروي له حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وأبيّن له رجاله ذوي المناقب العالية، فأقول: أروي حديث الرحمة بطرق مختلفة، وأسانيد متنوعة، مسلسلا وغير مسلسل، (أشهرها ما رويته مسلسلا) عن شيخنا علامة الزمان، وفريد العصر والأوان، السيد الحسيب النسيب السيد أبو الطيب ابن أبي القاسم (محمد) المحمدي المغربي المالكي حين إقامته ببغداد، في بيته الذي هو قرب مرقد الشيخ عبد الكريم الجيلي في محلة العوينة في الجانب الشرقي من بغداد، وهو أول حديث سمعته منه، قال (حدثني به الشيخ أحمد بن محمد المعروف بالنخلي، وهو أول حديث سمعته منه قال): حدثنا في مكة المشرفة الشيخ يحيى الشاوي لما
حج في سنة خمس وثمانين وألف بحديث الرحمة المسلسل بالأولية، وهو أول حديث سمعناه منه، قال: أخبرنا به الشيخ سعيد الجزائري الشهير بقدورة، قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال: أخبرنا به الشيخ المحقق سعيد بن محمد المقري، قال، هو أول حديث سمعته عن الولي الكامل أحمد حجي الوهراني، وهو أول حديث سمعته منه، عن شيخ الإسلام العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم التازي، قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال:
قرأت على المحدث الرباني أبي الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين المراغي، قال، وهو أول حديث قرأته عليه، قال: سمعت من لفظ شيخنا زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم البكري الميدومي، قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال: أخبرنا النجيب أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال: أخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن أبي صالح النيسابوري، قال، وهو أول حديث سمعه منه، قال:
أخبرنا والدي أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال: أخبرنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي قال، وهو أول حديث سمعته منه، قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى البزاز قال، وهو أول حديث سمعته منه، عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). قال شيخنا أبو الطيب: إن السلسلة انقطعت من سفيان، وقال بعض مشايخنا ممن روينا عنهم حديث الرحمة: إن الرواية بالجزم في يرحمكم، روى هذا الحديث الترمذي، وقال: حسن صحيح، وجمع طرقه جماعة وهو أصح المسلسلات. وقد نظم هذا
الحديث جماعة من العلماء منهم الحافظ ابن عساكر - رحمه الله تعالى- قال:
بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنماولا تكن عن قليل الخير منحرما
واشكر لمولاك ما أولاك من نعمفالشكر يستوجب الأفضال والكرما
وارحم بقلبك خلق الله وارعهمفإنما يرحم الرحمن من رحما
وللحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (رحمة واسعة)
إن من يرحم في الأرض قدجاءنا يرحمه من في السما
فارحم الخلق جميعا إنمايرحم الرحمن منا الرّحما
وللحافظ العراقي رحمه الله تعالى:
إن كنت لا ترحم المسكين إن عدماولا الفقير إذا يشكو لك العدما
فكيف ترجو من الرحمن رحمتهفإنما يرحم الرحمن من رحما
وللشيخ رضوان بن حمد العقبي رحمه الله تعالى:
الحب فيك مسلسل بالأولفارحم ولا تسمع كلام العذل
وارحم عباد الله يا من قد علامن يرحم السفلي يرحمه العلي
ولشيخ الإسلام القاضي زكريا رحمه الله تعالى: من يرحم أهل السّفل يرحمه العلي:
فارحم جميع الخلق يرحمك الولي
وللشهاب المنصوري رحمه الله تعالى:
أخلق بمن يظلم أن يظلماوبالذي يرحم أن يرحما
من لم يكن يرحم بالقلب منفي الأرض لم يرحمه من في السما
وأرسلت من حلب، يوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، إلى الرها كتابا لسيدي العالم الفاضل حسن أفندي الرهاوي المنصوري المعروف بحليم زاده، وصورته:
إن أمثل ما نسجته اليراعة، من حبر البراعة، وأفضل ما نظمته من درر البلاغة في سلك خير صناعة، تسليمات لاحت بروق الوداد من آفاق مبانيها، وبزغت شموس الاتحاد من أفلاك معانيها، سمت على النيرين قدرا، ونمت على السماكين، فخرا على العالم الذي كشف الغموض عن وجوه المشكلات، ورفع حجاب الخفاء عن محيّا المعضلات ولا بدع إذ هو المتفرد في دهره، والمتوحّد بين أبناء عصره، ولا غرو! فإن ليلة القدر من جملة الليال، وإن المسلك بعض دم الغزال. سيدنا الذي أخذ من كلّ فنّ أوفر نصيب، وجاز من كل علم على المعلى والرقيب، باهت به على جميع الأقطار الترها، ولولاه لما اتّبع علم بها وزها، سيدنا الأمثل النبيل، الحري بأن أنشد فيه:
علامة الأزمان والدهورفهّامة الأديان والعصور
فهو الذي يسمو إلى أوج العلىبفضله المنشور والمشهور
مولاي ذو الفضل الذي لا يرتقيشمس المعالي حسن المنصوري
لا زالت ألوية إفاداته منشورة على كواهل الطالبين، ولا برحت أظلة تحقيقاته وريفة، محيطة بالمستفيدين، آمين. أما بعد فيا أيها الحبر البحر الكامل، والجهبذ النحرير الفاضل، أن تموّج عباب خاطر كم الزاخر، بالسؤال عن أحوال هذا الداعي في الباطن والظاهر، فهو قد أناخ ركابه في أفنية حلب الشهباء، لا زالت محط رحال المحققين الفضلاء، عمرها الله بالمسرات، وغمرها بالنعم والمبرات، واجتمع هذا الفقير بفضلاء يشار إليهم بالبنان، ولم يدان فضلهم أحد من هذا الزمان، فجرت بيننا بعض المذاكرات، ودارت علينا كؤوس المحاورات، وأخذنا بأطراف الفنون، وهصرنا عذبات البحث والحديث شجون،
فكلهم ألقى عصي التسليم وسلم، واستوت سفينة إذعانه على شاطىء اليم، فلله درّهم من فضلاء قد جبلوا على الإنصاف، وزايلوا وعار الخبط والاعتساف، كثر الله أمثالهم ونصب على الحسنى أحوالهم آمين. هذا فإن الأشواق إلى ذلك الجناب جلّت أن تدخل تحت أعداد الحساب، ولم أزل أتذكر محاسن أخلاقكم الحميدة، وشمائلكم السامية السديدة، فنرجوا الدعاء في خلواتكم وجلواتكم، وعقب الدرس الذي هو أنفس أوقاتكم، لا زلتم معدن الإفادة، ولا برحتم في بحبوبة السعادة آمين، والمأمول من الجناب الرفيع تبليغ الدعاء الأتم، والثناء الأعم، إلى من طاب محتده ونجاره، وسما على الجوزاء فخاره، ولدنا العديم الأشباه بلا اشتباه، النجيب السيد عبد الله ابن المفخم والدستور المكرم أحمد باشا، والي الرها لا زال لاقيا من الكمالات ما يسمو على السهى.
وأرسلت منها إلى بغداد كتابا لولدي القلبي حسين بك، وصورته: الحمد لله الذي أنعم على من أمّه وحجّ إليه، وأكرم من طاف حول حماه وسعى إليه، وأجزل ثواب من أحرم بإخلاص النية، وعظم من لبى دعوته بسلامة الطوية، ورمى شيطان خلافه بجمرات الأعمال، والصلاة والسلام على كعبة القصاد، ومرام الوفاد، ومنبع الرشاد، وينبوع السداد، وختام الرسالة، ورئيس الجلالة، وواسطة عقد البسالة، ومركز دائرة العدالة، محمد المبعوث من أشرف قبيل، إلى أكرم جيل، وعلى آله الذين طهروا من دنس الأرجاس، وأصحابه الذين هم نجوم هدى لجميع الناس. أما بعد، فتحيات انتظمت بالبلاغة عقودها، وربطت بالبراعة مناطقها وبنودها، تزف إلى من جد في المعارف منذ فطامه، واجتهد في العوارف قبل إبّان احتلامه، ذي النسب الذي دونه مناط العيوق، والحسب الذي هو أعز من بيض الأنوق، والمجد الذي قصر عنه رضوى وثهلان، وتقاعد دونه الخورنق وغمدان، فرع شجرة
المجد الأثيل، وغصن دوحة الكرم العريض الطويل، قرة العين، وزين كل زين، أبي المحاسن حسين، لا زالت مراتبه رفيعة العماد، ومآثره شامخة الأعلام والأطواد آمين، فيا من حل من العين سواد سوادها، ونفى عنها الكرى بإقامة سهادها، من أين لي صبر وهو قد فر ساعة الوداع؟ كنت أظن أن تفي معي الدموع، والآن لم يبق سوى نفس يتردد، لا نوم ولا رقاد، ولا شراب ولا زاد، ومما. أنشدت بعض النظام:
يا جيرة بالنوى صبري لقد سلبوافليتهم وهبوا بعض الذي نهبوا
أستودع الله في بغداد لي سكنالم أقض بعض الذي من حقه يجب
أبا المحاسن مولاي الحسين لهفوق السماكين مجد زانه حسب
ودعته ودموع العين جاريةوفي الحشاشة من توديعه لهب
واستوثق القلب في بغداد مرتهناوالجسم مني قد أودت به حلب
فليت شعري وما الآمال نافعةمتى تزول عن العاني بهم كرب
وهل تعود ليال بالحمى سلفتكيما تعود لنا الأفراح والطرب
وهل أراني بذاك الحي ذا جذلحينا وأني لنشر العلم منتصب
أقري حسينا فنونا جل موقعهاسعادة الدين منها صاح تكتسب
وهل ترى مقلتي أهلا أسر بهملا سيما الولد إذ في بعدهم عطب
ففي فؤادي لهيب من فراقهموالعين مدمعها كالغيث منسكب
وهل تقربهم عيناي منشرحاوتنجلي عني الأسواء والنوب
وهل أراني والتدريس شنشنتيأفيد علما لمن في العلم قد رغبوا
وهل بدجلة يروي القلب من ظمأفتنتفي علة الصادي وتستلب
وهل على الجسر تسعى ساعة قدميوماء دجلة من تحتي له سرب
وهل أسرح طرفي في النخيل ضحىوإن فاكهتي من حملها الرطب
فالله أسأله قرب الديار فمامن غيره تطلب الآمال والأرب
ثم فصلت له جميع الحوادث والوقائع، وتركت كتابتها لأنها ليست بلازمة في الواقع.
وأرسلت إليه أيضا كتابا صورته: ما أنة مهجور تعوّد الوصال، وما حسرة مأسور، ضاقت عليه الأغلال، وما حزن مقلاة فقد وحيدها، وما ضيعة أطفال عدم كافلها ورشيدها بأعظم من أشواق زفرة في الجوانح، وتسعرت في أحشاء الصب الغريب النازح، لم تزل في الأفئدة شاعلة، وللأفكار والأذهان شاغلة، لم تطفها الدموع الهواطل، ولو مدت بكل هتان وابل، يحن حنين من فارق أليفه، وزايل مربعه ومشتاه ومصيفه، قد أنحل جسمه البعاد، حتى خفي على الزوار والعواد، لا يستطيع أن يبث ما لقي من النحول، ولا حول ولا قوة له على الوصول.
كيف الوصول إلى سعاد ودونهاقلل الجبال ودونهن حتوف
لم يزل ديدنه الحنين إلى الديار، وهجيراه ادكار ما سلف فيها من الأوطار:
ولنا بهاتيك الديار مواسمكانت تقام لطيبها الأسواق
فأباننا عنها الزمان بسرعةوغدت تعللنا بها الأشواق
يتشوق إلى العراق تشوق الصادي إلى الزلال، ويرتاح لذكره ارتياح من أنعم بالوصال، كلما هب النسيم تنفس الصعداء، وكلما أومض برق ناح كما الخنساء شوقا إلى ذي الجناب الذي سمت مكانته، وشيدت بالمفاخر رصانته، ألا وهو الذي شب على الأخلاق الرفيعة، وتربى بحصون الكمالات المنيعة، ولدي الذي سما فخره على النيرين، وناف سموه على الفرقدين، الأنجب الأسعد الأمد أبي المحاسن حسين لا زال في سعادة أبدية، وسيادة دائمة سرمدية. أيها الولد! إني- والحمد لله- بنعمة وافية، وصحة وعافية، غير عافية. الله نسأل أن يمنّ باللقاء، ويدفع عنا بلطفه خطوب اللأواء آمين.
وممن زارنا الشيخ العالم المتضلع من سائر العلوم، البليغ في سبك المنثور وسكب المنظوم، سيدي الشيخ قاسم البكره جي، له بديعية بديعة شرحها بشرح نحو خمس عشرة كراسة، وذكر في آخر كل شرح سبع بديعيات، الأولى بديعية الصفي الحلي، والثانية للعز الموصلي، والثالثة لابن حجة الحموي، والرابعة لعائشة الباعونية، والخامسة لأبي الوفا العرضي الحلبي، والسادسة والسابعة للشيخ عبد الغني النابلسي فإن له بديعيتين، بديعية ذكر فيها ألقاب البديع لكنه لم يشرحها. وللشيخ قاسم شرح الخزرجية في العروض لكنه شرح مختصر، وله نظم العلل وألقاب العروض وشرحها، وله نظم كثير من تغزّل ومديح وألغاز وأحاجي. ثم إنه- رحمه الله تعالى- التمس مني أن أقرّض على شرح بديعيته، فأجببته إلى ذلك، وصورة ما كتبته: نحمدك اللهم على ما أطلعتنا من بديع هذه الفرائد التي عزّ لها مراعاة النظير، وأوقفتنا على افتنان تفريع هذه الفوائد التي حسن فيها نوادر تدبيج للتصريف والتصدير، ونصلي ونسلم على من اتسم بالاشتقاق من مصدر أشرف العرب، ووسم بأنه المبعوث إلى كافة الخلق بالقول الموجب، وطلع من حسن مطلع فكانت البراعة فيه حين الاستهلال، وسبق الفصحاء في المذهب الكلامي وإن جدوا في الاستطراد والإيغال، سيدنا محمد الذي نزاهته أحرى
بإرسال المثل، وذاته أجدر بالتأديب والتهذيب في القول والعمل، وعلى آله وأصحابه الذين قوّى للتشريع بهم الاحتباك، وانتظموا في سلك حسن الاتباع بلا استثناء ولا استدراك. أما بعد، فإني وقفت على هذه البديعية وشرحها وقوف ذي انتقاد، ثم التفتّ إليها التفات مستدر نقّاد، وكررت إليها المراجعة وثنّيت عنان التوجيه بلا موادعة، وطابقتها مع أمثالها مطابقة القذة بالقذّة على الترتيب، وقايستها مع نظائرها، مقايسة تحديد لا تقريب، فألفيتها في حسن الانسجام جلّت عن المقابلة، وفي سلامة الاختراع عظمت عن المزاوجة والمشاكلة، قد جانس مبناها المعنى فكان الجناس التام، وأعجزت من بعدها فكانت لعقد رسائل البلاغة ختام. ولعمري- ولا مبالغة في ذلك ولا غلو ولا إغراق- أنها في تلخيص البيان وإيضاح المعاني من بنات الحقاق، أقامت مبانيها دلائل الإعجاز، وفضّت معانيها بأسرار البلاغة من غير مجاز، فإذا كان الواجب على ما تقرر، أن أنشد فيها من الارتجال ما حضر:
عقود من لجين أم نضارودر ما رأينا أم دراري
نعم! ذي درة الغواص باهتعلى كيوان تسمو بالفخار
قضت أن لا يدانيها نظاموأن لا يزدهيها من مبار
أرتني من بديع النظم وشيافأنّى للبديع بأن يجارى
شذاها يخلب الألباب طيبافأزرى بالحميا والعقار
لقد رقّت مبانيها وراقتمعانيها وجلّت عن عوار
تنادي من يناديها بنصححذار اليوم من فتكي حذار
كيف وهي نسيج من هو نسج وحده، فريد عصره وفريد عقده، البليغ الذي سحب ذيله على سحبان بن وائل، وألحق بإبداع بديعته البديعة الأواخر بالأوائل، فصحّ قول الأديب الشاعر:
كم ترك الأول للأواخر
نعم! لو رآها جرير لجر ذيول الخجل، أو سمعها بليغ تغلب لغلب وصمت أذناه ودعي بالأخطل، أو قرعت أذن الحلي لحل بنود حلّته وحل في زوايا حلّته، وصرّح بأن الرفض مذهبه، وأن التقية منهله ومشربه، أو شهدها ابن حجة لسجل على نفسه بالعجز عن الحجة، وقال: وهت ودحضت حججي بأبي المعالي القاسم البكرة جي، لا زال فمه ينثر الدرر، ولا برح قلمه يوشي الحبر، آمين. أيّها الناظر في هذا التقريض لا يذهب عليك أني جمعت فيه غالب أنواع البديع، فتأمل وتدبر!.
ثم إنه- حفظه الله تعالى- أرسل لي ورقة صورتها: سيدي ومولاي، علم التحقيق والتدقيق، وإنسان عين أهل التحرير والتوفيق، من جمع كل العلوم والتقوى وله القول الراجح وعليه الفتوى، فارس المنثور والمنظوم، ومالك أزمة المنطوق والمعلوم:
فلا تعجبوا من فضله وذكائهفكم في ضمير الغيب سر يحجب
من إذا نظم فلا ينكر النظام أنه الجوهر الفرد، وإذا نثر قضى له القاضي أنه مالك
الحل والعقد، لا زالت أغصان روضة فضائله يانعة، وكواكب سماء كمالاته نيرة طالعة، إلى الله أبسط أكف الابتهال بأن يمن عليكم بانشراح البال، ولا يزال أهل الفضل والأدب تطفل على موائدك، وتلتقط درر المعاني من فرائدك، ولا برح لسان المجد ينطق ببراعتك ورياض الفضل تغدق ببراعتك وصلت الفقير الفريدة والعقود النضيدة فجنيت بأنامل الفكر جني ثمراتها، واجتليت بإنسان التأمل محاسن مخدراتها، فإذا هي روضة فارقة وريحانة عبقة، ويتيمة مجد، ومطالع بدور كمال، ومشارق شموس إقبال من نثر مفتّق الفكر، ونظم متسق الدرر، فلم أدر أقطع جمان أم وشي حبر أم قلائد غوان، أم حدائق زهر، كلا! بل هو سحر حلال يؤثر، بروق يمان أم بيان تألقت شوق صدور، أم سطور تألفت، فحنوت على فرائد جواهرها لكونها يتامى، وترشفت من كؤوس ألفاظها مداما، ومذ ملأت محاجر مسامعي درّا قلت:
سبحان الله! إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا، فأقول:
بدور أسفرت تلك القوافيبليل الوصل أم خل موافي
أهاتيك الفواصل وصل حبأتانا زائرا والليل صافي
أتت تختال من تيه وعجبأرتنا كيف تنتظم القوافي
فحيّت ثم أحيتنا وقالتحذار حذار من قول منافي
وكيف وقد أتت من عند ندبهمام بالفضائل غير خافي
أبي البركات عبد الله من جالداء النظم بالإتقان شافي
فريد العصر مولانا السويديكريم الخيم ذي ود مصافي
زكي ألمعي لو ذعيطويل الباع من غير اختلاف
إليك أبا الفضائل بنت فكرشتيت ذي عبارات ضعاف
وعذرا أيها المولى وصفحاعن العبد المقصر ذي اعتساف
لأني قد تركت النظم شغلابما أبغيه من أمر العفاف
إذا أنا كنت في سري وجهريأقول الله حسبي وهو كافي
وأرسل لي بعض أبيات من نظمه أحب أن أودعها في الرحلة، فمنها قوله متغزلا:
قف بالمعاهد يا معنّىوانشد هناك فؤاد مضني
قلب به حرق الأسىلمّا رأى كمدا وحزنا
تلك المعاهد جادهاصوب الدموع حيا ومزنا
وغدوت أنشد عندهامن كل مغنى رق معنى
يا ظبية سفكت دميبالبيض من سود فتنا
ورمت حبال سوالفشركا تصيد القلب منا
رفقا بمن سلب الهوىمنه القوى وكساه وهنا
أضناه حب شويدنملأ الورى هيفا وحسنا
لا زال أسمر قدهالعسال يعمل فيّ طعنا
وعيونه النجل المراضبفعلها الماضي فتكنا
أمعذّبي كم ذا الدلالبنار خديك احترقنا
يا مالكا رقي أمايكفيك تعذيب المعنّى
أضرمت نار الحب فيكبدي إذا ما الليل جنا
وله مشطرا:
هاك عهدي فلا أخونك عهدايا حبيبا لديه أمسيت عبدا
لا- وحق الهوى- سلوتك يوماوكفى بالهوى ذماما وعقدا
إن قلبي يضيق إن يسع الصبرلأني فنيت عظما وجلدا
وفؤادي لا يعتريه هوى الغيرلأني ملأته فيك وجدا
يا مهاة الصريم عينا وجيداوأخا الورد في الطراوة خدا
وشقيق الخنساء في الناس قلباوقضيب الأراك لينا وقدا
كيفما كنت ليس لي عنك بدفأبحني ودا وإن شئت صدا
قد ملكت الفؤاد منّي كلافافعلن ما أردت هزلا وجدا
يا ليالي الوصال كم لك عنديخلوات مع الغزال المفدّى
كم جنينا ثمارك وهي عنديمن يد كان شكرها لا يؤدّى
فسقتك الدموع من وابلالغيث المديد البحار جزرا ومدا
وبكتك دما عيوني من دمعيبديلا فهن أغزر وردا
هل لماضيك عودة فلقد آنجمال الحبيب أن يتبدا
كنت قدما أعرتك اللهو وقد حقلذاك المعار أن يستردا
وقال مضمنا:
وشادن من بني الأتراك ذي هيففي ضيق مقلته النجلاء تخييل
يختال تيها على عشاقه وغدامن عجبه كثرت فيه الأقاويل
له محيا كبدر لاح في غسقوخط عارضه للحسن تكميل
فيروزج الخال في ياقوت وجنتهكأنه أثر أبقاه تقبيل
وله مخمسا:
كوامن داء الحب حل بقلبناوإن الذي نهواه ضن بطبنا
فعدنا نداوي ما بنا مع أننابكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدار خير من البعد
تدانيت منها كي أفوز بشافعإلى وصلها من كل ضد ومانع
فنادى منادي الحي في كل شارعألا إن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
وله معمّى في كامل:
قال من كان في المحبة مثليمذ رآني في ذي المحاسن مغرم
أيّ بدر تهواه؟ قلت مجيباكلّ بدر قد حاز قدّا ومبسم
وله معمى في اسم محمد:
يا عاذلي دع الملام واتئدواتبع طريقتي ولازم معها
فوجه محبوبي وجيده النقيقد أجريا من مقلتي مدمعها
وله معمى في اسم صادق:
وصاحب كان عديل مهجتيومنحه الوداد كان دأبي
صار بلا عاقبة فالجةإذ رام قطع وده عن قلبي
وله معنى في اسم طالب:
وذي دلال وعجبيجرّ أذيال فخر
قوامه غصن بانوقلبه قلب صخر
وله معمى في اسم علي:
أيا جيرة قد صيّروا القلب والهاأما للفتى من هجركم سبب يدرى
فرقّوا لحال المستهام ترحمافمن هجركم قد صار في تعب شهرا
وله محاجيا باسم سلامة:
أيا من غدا مغرمبكشف خفاء ذي الأحرف
أفدني مثل ما قالالمحاجي اطلبا أكفف
وله محاجيا باسم مريم:
يا فاضلا من ذكاهبين الملا حاز فخرا
ما مثل قول المحاجيلذي الحجا جاز بحرا
وبقي من الأبيات التي أرسلها شيء كثير تركته خوف الإطالة.
ولما جاءت ورقته، وفي صدرها نثر، ونظم يتضمن الثناء عليّ شطرت النظم وأرجعت مدح الكل إليه، وذكرت نثرا يضاهي نثره وإن لم يفضل عليه:
سيدي ومولاي العالم الذي بلغ في العلم أطوريه، ومارس المعضلات فانقادت إليه، جرّ على مجرى المجرة أذيال فضله، ونصب على هام السماكين فساطيط نبله، ذو التحقيقات التي هي أعز من بيض الأنوق، والتدقيقات التي دونها مناط العيوق، علامة العلماء، واللج الذي لا ينهى، ولكل لج ساحل، كيف وهو النحرير الذي إذا باحث أفحم، وإذا ناظر ألز، وإذا قرر أفهم، وإذا ألف أحكم، والبليغ الذي نثره يزري بالدر المنثور، وشعره يسمو على الشعرى العبور، أقرت له بذلك أقرانه، وأذعنت له أخدانه، وأترابه، وشهدت بتفرده أضداده، وحكمت بأنه العلم المفرد أنداده، والفضل ما شهدت به الأعداء، ولا بدع في مزيته على أبناء نوعه، ولا غرابة في إذعان كل بطوعه، فإن المسك بعض دم الغزال،
وليلة القدر من جملة الليال:
لا غرو إن فاق الأنام بفضلهومن الحجارة أثمد في الأعين
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع