تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

خاتمة (٢)

) ومنها (ما جرى في عبارة للعاملي في ديباجة رسالة الحساب. حيث ناولني ورقة كتب فيها ما نصه) لما رجعت من الحجة الرابعة. بعد اقتطافي من أثمار رباعها اليانعة. ووصلت إلى ثغر الإسكندرية. وبي زناد الأن ورية. اجتمعت بصاحبي الألمعي. وصديقي اليلمعي. زهر الروض الأنسي السيد محمد الصفاقسي. كان الله تعالى له. وبلغه غاية ما أمله. فأخبرني أن بعض الأذكياء. الحاكي مني ذكاءه سناء ذكاء. أورد عليه. مختبراً ما لديه. في أول رسالة خلاصة الحساب. عند قول المؤلف عمدة الإنجاب) نحمده يا من لا يحيط بجميع نعمه عدد (أنه قاصر عن إفادة المقصود مدى المدد. لكون الواحد غير عدد عند أهل الحساب حيث أنهم عرفوه بما ساوى نصف مجموع حاشيتيه فيكون أول الأعداد عندهم اثنين. فيبقى احتمال إحاطة الواحد بلامين. فعجز عن إزالته. وألجم بمقالته. فترجى مني كيف الجواب والتجمل في الخطاب. فقلت مسعفاً لمرامه. وكاشفاً لغمامه. أن الشروع في الديباجة أول دخولٍ قبل تعلم الاصطلاح. فيلزم أن تحمل ألفاظ الدبابيج على المعاني اللغوية الفصاح. لأنها هو المتعارف المشهور. كما قرروا في المحلات المناسبة وزينوا به السطور. والواحد عدد عند أهل اللغة. وفي هذا أغنية وبلغه. على أن الواحد عدد أيضاً عند بعض المحاسبين. وإن كان مرجوحاً فاقنع بذلك وكن من الشاكرين. انتهى.) فقلت (يا واحد الإسلام. وثاني الوسادة على منصة الأحكام. لعل الأظهر الأجلى. والأعذب الأحلى. أن يقال في الجواب يعلم عدم إحاطة الواحد من عدم إحاطة العدد من باب الأولى. على أنه قد قيل لا يعقل ولا يكاد. إحاطة واحد بجميع النعم وهي ذات آحاد. وإحاطة الله تعالى بالأياء حفظه لها من جميع جهاتها. واستيلاؤه ﷿ على جزئياتها وكلياتها. وأحاطت به خطيئته الإضافة فيه جنسية. فيجوز أن يدعي في الخطيئة التعدد دون الوحدة الشخصية. وجوز أن تكون الإحاطة فيه بمعنى المنع كما في قوله تعالى) إلا أن يحاط بكم (فأحاطت الشواغل. ومنعت الموانع عن سماع ما أنا قائل. فها كلا الكلامين لديك. فعليك بالإنصاف والله ﷿ رقيب عليك.

) ومنها (ما جرى في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً (وذلك أن حضرة السلطان. رأى منقوشاً على مهر الإيالة لبعض الوزراء بعض آي القرآن. فلم ينشرح بذلك صدراً. وقال القرآن أجل من أن ينقش في الخواتم قدراً. وأمر حضرة شيخ الإسلام. أن ينظم بيتين يكتبان على كل مهر أيالة للحكام. فاتفق أن حكى لي هذه القصة حضرة ولي النعمة. وناولني بيتاً قد نظمه في ذلك وأمرني أن أشفعه بآخر وأتمه. وهذا قوله وقولي:

إن الوزارة نعمة من نالهافليشكر المولى ببسط عدالته
وليتصف بأمانة وبعفةوليخدمن سلطانه بصداقته

وكان هذا المضمون. مراد ذلك السلطان الأمين المأمون. فقلت على سبيل المفاكهة يا مولاي ما ضر لو كان النقش تركياً. فقد ورد عنه عليه الصلوة والسلام) لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً (فاستغرب ما ذكرته. وقال هذا حديث حتى الآن ما سمعته. فقلت يوجد في الإسقاط. ما لا يوجد في الأسفاط. وهذا الهدهد قال لسليمان ﵇ بين صحبه. كما قص ذلك في الكتاب) أحطت بما لم تحط به (. فقال أين رأيته يا خاتم فضلاء آلوس. فقلت رأيته يا ابن سيد العرب في عدة كتب منها القاموس. فجيء بذاك. وأوقفت القاعدين على ما هناك. فخاضوا في التأويل. وكثر القال والقيل. فقرأت في ذلك النادي. ما ذكره الفيروزآبادي.) ونصه (:

) لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً (أي له تنقشوا محمد رسول الله كأنه قال عليه الصلوة والسلام نبياً عربياً. يعني نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى. فرأيت حضرة شيخ الإسلام على أعراف الرد والقبول. وكذا رأيت من حضر من رجال العلم في إسلامبول. ولا بدع أن ترددوا في القبول والرد. فإنه توجيه لا يخلو عن شيء وإن كان توجيه المجد. وذلك لأن قوله كأنه قال نبياً عربياً يعني نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم ظاهر في أن النهي عن نقش اسمه الشريف ولكون محمد أشهر أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم يكون هو المراد فيكون المعنى لا تنقشوا في خواتيمكم اسمي أو لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً. وقوله أولاً كابن الأثير في النهاية أي لا تنقشوا) محمد رسول الله (ظاهر في أن النهي عن نقش مجموع هذا المركب أعني لفظ محمد ولفظ رسول الله. ويقتضيه تعليل ابن الأثير النهي بأنه كان نقش خاتمه عليه الصلوة والسلام فإن ما كان باتفاق الروايات محمد رسول الله محمد سطر ورسوله فوقه سطر والله فوقهما سطر. فإن اعتبرنا ما دل عليه كلامه أخيراً أشكل بأن عمل الأمة سلفاً وخلفاً على نقش ذلك الاسم الشريف في الخواتيم. وإن اعتبرنا ما دل عليه كلامه أولاً أشكل عليه تقدير الموصوف المحذوف نبياً وكان اللازم عليه تقديره مركباً أو كلاماً أو نحوهما. وإن اعتبرنا ما دل عليه كلامه أخيراً الظاهر في النهي عن نقش الاسم الشريف وحملنا ما دل عليه كلامه أولاً من اعتبار مجموع المركب على أنه إشارة إلى اعتبار ضم رسول الله إلى الاسم الشريف ليتحقق بذلك كونه اسماً له عليه الصلوة والسلام مقصوراً هو منه جاء عليه أن هذا في غاية البعد. ويرد على الكل أن اللائق بمن مخضت له الفصاحة زبدها. ومجت في ألفاظه نحلة البلاغة شهدها. أن يقول في إفادة ذلك المراد لا تنقشوا في خواتيمكم اسمي. أو لا تنقشوا في خواتيمكم محمد رسول الله وإن حذف ما اعتبر موصوفاً أعني نبياً مما ليس عليه قربنة ظاهرة ولا تتبادر إرادته للشيوع أو اختصاص الصفة به. وأنه يبعد ذلك التقدير حديث عمر رضي الله تعالى عنه لا تنقشوا في خواتيمكم العربية. ولمزيد المناقشة في توجيه المجد قيل في التوجيه أن المراد لا تنقشوا في خواتيمكم كلاماً عربياً ويراد به الفرد الكامل أعني القرآن فكأنه قيل لا تنقشوا في خواتيمكم قرآناً. ولك أن تقدر قرآناً من أول الأمر وهو الأولى أي لا تنقشوا في خواتيمكم قرآناً عربياً. وعلة النهي خشية الامتهان. قيل ومن هنا كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في النهاية يكره أن ينقشوا في الخاتم القرآن وفيه ما لا يخفى ومع هذا أظنه أقرب من الأول وقيل الخبر على ظاهره وهو النهي عن نقش الكلام العربي مطلقاً في الخواتيم وكراهة نقش القرآن التي رويت عن ابن عمر لدخول ذلك في العموم إلا أنه نسخ النهي عن نقش غير القرآن بالإجماع على إباحته. ورد بأن الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. وقيل نسخ بالسنة وهي تقريره عليه الصلوة والسلام من نقش خاتمه عربياً بعد اعلم به أو فعله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث نقش خاتمه) محمد رسول الله (واعترض الشق الأول بأنا لا نسلم أن أحداً في عصره عليه الصلوة والسلام غيره نقش خاتمه عربياً. ولئن سلمنا فلا نسلم علمه به ﵊. ولئن سلمنا فلا نسلم تقريره وسكوته صلى الله تعالى عليه وسلم عن النهي. ولئن سلمنا فلعل ترك الإنكار في الحال لعلمه بأنه علم منه ذلك وبأنه لا ينفع في الحال) واعترض الشق الثاني (بما يشعر به تعليل ابن الأثير السابق من أن النهي المذكور بعدما كان منه عليه الصلوة والسلام من اتخاذ الخاتم ونقشه فهو خاص بالمخاطبين فتأمل ولا تغفل. وأنا أختار التأويل. بعد القال والقيل. بأن يراد لا تنقشوا في خواتيمكم نبياً عربياً والمعنى على هذا لا تنقشوا اسم نبي عربي يعني اسم نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم واختار عليه الصلوة والسلام هذا الأسلوب على لا تنقشوا اسمي تذكيراً لهم بما يحضهم على امتثال نهيه. ويلتزم القول بوجود قرينة تدل على تعيين المحذوف إذ ذاك وإن لم توجد الآن أو بأن يراد لا تنقشوا في خواتيمكم قرآناً عربياً ويلتزم في القرينة ما سمعت أو أن عربياً كان إذ ذاك شائعاً شيوع قرآناً بحيث إذا أطلق يتبادر منه ذلك. وعلى هذا لا يحتاج العدول عن قرآناً إلى عربياً

إلى نكتة. وعلى ما قبله يحتاج إلها ولعلها إشعار عربياً بما لا يشعر به قرآناً فإنه صفة مدح له كما يرمز إله قوله تعالى) إنا أنزلناه قرآناً عربياً غير ذي عوج (فتأمل فلمسلك الذهن اتساع. وفضل الله تعالى قد ملأ البقاع. بقي أن في الحديث كلاماً لا حاجة بنا إلى ذكره. فلنطوه الآن على غرة.

) ومنها (ما جرى في تناقض المجد في القاموس حيث قال فيه) المرهم دواء مركب نافع للجراحات وذكر الجوهري له في رهم وهم والميم أصلية لقولهم مرهمت الجرح ولو كانت زائدة لقالوا رهمت (وقال قبل ذلك بورقات معدودة) الرهمة بالكسر المطر الضعيف إلى أن قال والمرهم كمقعد طلاء لين يطلى به الجرح مشتق من الرهمة للينة انتهى (. فلم يظهر لي في دفعه شيء. ولم آت فيه بحي ولآلئ. سوى أني أنشدت لما تحيرت:

ومن ظن ممن يلاقي الحروبأن لا يصاب فقد ظن عجزاً
للشاعر الخنساء، من قصيدة «تعرقني الدهر نهسا وحزا»

وقلت قد رمى بسهم مصيب. من قال من عاب عيب.

) ومنها (ما جرى في قوله في العم) ويقال هما ابنا عم لا خال وابنا خالة لا عمة (فقال شيخ الإسلام ومولى العلماء. وجه ذلك أنه لم يسمع من العرب العرباء. وكان في المجلس من صيغ من كمال. ومن صدق جده كما صدق في مدحه العم والخال. العارف الذي على وكر فتاويه وقائع مجلس الأحكام تحوم. حضرة عارف أفندي قاضي عسكر الروم. فقال وجه دعواه أنه لا يقال ابنا عمة ولا ابنا خال وابنا عم. ثم تفاوض الحديث العارفان. فاستقر رأيهما على عدم تصور وقوع ذلك في العيان.) وأنا أقول (القول بالوقوع أمر معقول. فالأولى التوجيه بعدم السماع. ثم بيان المقتضي له والداع.) وقد سألت عن ذلك (غير واحد. من الفضلاء الأماجد.) فكتب (نور الذبالة الدرية. ونور شجرة السلالة الحيدرية. ذو الخلق العطر الرندي. صبغة الله أفندي زادة إبراهيم أفندي) ما نصه بعد نقل العبارة (:

وجهه انه لما كان كون أحد ابن عم لآخر مستلزماً لكون الآخر ابن عم له وكذا كان كون أحد ابن خالة لآخر مستلزماً لكون الآخر ابن خالة له صحت الإضافة المذكورة وأغنت عن تثنية المضاف إليه بخلاف ابني الخالة والعمة فإنه لما لم يكن أحدهما مستلزماً للآخر بل وقوعه في بعض المواد كما لا يخفى تصوره لم تصح الإضافة فيهما إلى المفرد بل احتيج إلى تثنية المضاف إليه بأن يقال ابنا عمتين وابنا خالين انتهى) وكتب (الذكي اللوذعي. والفطن الألمعي. خزانة علم آبائه. وتذكرة أقدام حيدر وآبائه. ذو الخلق العطر الندي. حيدري زاده محمد أمين أفندي.) ما نصه بعد نقل عبارة القاموس السابقة (قيل سبب حة إطلاق القولين الأولين دون الأخيرين مجرد الاستعمال وعدمه وهذا لا يسمن ولا يغني من جوع. وقيل تحققهما دونهما. وفيه أنه لا فرق بينهما في التحقق والوقوع بل لا بد عند التحقق من تحقق الأخيرين كليهما جميعاً في صورة واحدة ولا يمكن انفكاك كون الابنين ابني خال عن كونهما ابني عمة وبالعكس بلا مرية وصورة ذلك ما إذا تزوج عمرو بأخت زيد وزيد بأخت عمرو وولد لكل منهما ولد فإنه لا شبهة في أنه يصير عمرو خالاً لابن زيد وزيد خالاً لابن عمرو فيكون الولدان ابني خال وابني عمة جميعاً بغير فرية. فلعل السبب في ذلك هو أن المراد من قولهم هما ابنا عم كون كل منهما ابن عم الآخر فيكونان ابني عمين لا عم مع أنه قيل ابنا عم لكن لما كان للعمين جهة وحدة جامعة هي الأخوة مصححة لأن يجعلا عماً واحداً ويسند الولدان إليه فيقال هما ابنا عم. لم تكن للعمتين جهة وحدة وكذلك مصححة لأن تجعلا واحدة ويسندان إليها صح هناك ولم يصح هنا وكذلك لوجود تلك الجهة المصححة في الخالتين وعدم وجودهما في الخالين صح الجعل المذكور في الإسناد فيهما دونهما. ويمكن أن يكون السبب في صحة إطلاق الأولين دون الأخيرين استلزام كون أحد ابن عم أو ابن خالة لآخر كون الآخر ابن عم أو ابن خالة له وليس هذا الاستلزام موجوداً في الأخيرين لأن كون أحداً ابن خال أو ابن عمة لآخر لا يستلزم كون الآخر ابن خال أو ابن عمة له بالبداهة فلوجود الاستلزام وعدمه في الأخيرين صح إطلاقهما دونهما وهذا ما خطر لفكري الفاتر. وأرجو أن يكون مقبول كل خاطر. انتهى وما عبر عنه يتمكن هو توجيه ابن ابن ابن عم أبيه وكان قد سبقه إليه. وتوارد الخاطر. لا ينكر وقوعه بين الأذكياء الأكابر. ويمكن أن يقال في سبب ذلك أن غالب العرب في كل عصر حتى اليوم لا يميلون إلى الخال ومن هنا العامة يقولون الخال مخلي. وربما يستأنس فس ذلك بأنهم لا يستعملون مخول بمعنى كريم الأخوال إلا مع معم وكذا غالب الأخوال لا يميلون إلى أبناء أخواتهم ومن هنا تسمع العامة أيضاً يقولون اصنع لك ابن أخ تمن طين. واضرب رقبته وربما يقال اقطع منه الوتين. ولعدم الميل الطبيعي إلى الأخوال لا يعدون ابني الخالين ابني خال. أي ابني شخص واحد حكماً فلا يفردون. وهذا بخلاف العم فإنهم يميلون إليه حتى أنهم يطلقون عليه الأب ومنه قوله تعالى) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر (بناء على ما ذهب إليه غير واحد من أن آزر كان عماً لإبراهيم ﵇ وأن أباه الحقيقي تأرخ أخو آزر وجاء رجل معم من غير أن يضم إليه مخول ولذلك الميل يعدون ابني العمين ابني شخص واحد حكماً فيفردون ويقولون ابنا عم وهم في الميل إلى الخالة والعمة على العكس فيعدون الخالة كالأم وقد ورد في الحديث الخالة أم. وقيل في قوله تعالى في قصة يوسف ﵇ ورفع أبويه على العرش (أن المراد بأبويه أبوه وخالته لأن أمه قد ماتت قبل القصة وإحياؤها غير مسلم والاستدلال عليه بهذه الآية استدلال بمحل النزاع وكذا ميل الخالة إلى ابن أختها أشد من ميل العمة إلى ابن أخيها ومن هنا قدمت الخالة على العمة في الحضانة فيقال في سبب توحيد الخالة في ابنا خالة وعدم توحيد العمة نحو ما قيل في سبب توحيد العم في ابنا عم وعدم توحيد الخال. مما سمعت آنفاً من المقال. ويمكن أن يجعل مجموع ما نقلناه وما قلناه سبباً لما ذكره صاحب القاموس. فتأمل فكم خبايا أودعها الله تعالى في زوايا النفوس.

) ومنها (ما جرى في قوله أيضاً) السرور توقيع جائز وأن التركيب فيه هل هو وصفي أو إضافي أو كلا الأمرين جائز (فإني سألت في المجلس عن ذلك. فقيل نرجع إلى أقيانوس في تحقيق ما هنالك. وقال المولى الصفي. يغلب على الظن أنه تركيب وصفي. فقلت نعم يا شيخ الإسلام. هو كذلك عند جمعٍ من العلماء الأعلام. وقد كتب على ذلك العلامة السري. شيخ مشايخنا السيد صبغة الله أفندي الحيدري) ونصه (بعد نقل العبارة التوقيع خط وعلامة للسلطان في الأحكام والمناشير يدل على أن الحكم من طرفه وهو أوقعه فقولهم) السرور توقيع جائز (كلام ذكر أولاً على ما في سمط النجوم بحضور قتيبة بن مسلم حين قال لوكيع بن الأسود ما السرور قال لواء منشور وجلوس على السرير والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لحصين بن المنذر ما السرور قال امرأة حسناء. في دار قوراء. وفرس بالفناء. وقيل لعبد الله بن الأهتم ما السرور قال رفع الأولياء. وخط الأعداء. وقال بعضهم السرور توقيع نافذ وأمر جائز. وقيل لفتاة ما السرور قالت زوج يملأ قلبي جلالاً. وعيني جمالاً. وفنائي جمالاً. فما قيل من أن وزانه وزان قولهم كلامك سيف قاطع يعني إذا ظهر السرور في وجه من أنهى إليه الأمل أو في وجه الممدوح عند الشاد الشعر بحضوره فهو بمنزلة توقيع نافذ لحصول المقصود وإن كان من محتملات اللفظ ليس بمطابق مورده انتهى.

) وأقول (نوقش عليه الرحمة في دعوى أن ذلك المعنى غير مطابق المورد فقيل إنه إنما يتم لو كان قد أورد لبيان السرور على نحو ما أورد كلام وكيع ابن الأسود وذلك غير معلوم. وجميع ما ذكر من قول حصين بن المنذر وعبد الله بن الأهتم ومن معهما لا نسلم أنه كان بحضور الأمير قتيبة بن مسلم جواباً له والنقل السابق ليس بنص في ذلك وكذا لا نسلم أن ذلك مختصر من قول البعض) السرور توقيع نافذ وأمر جائز (نعم ذلك المعنى في نفسه بعيد والمتبادر من الكلام نحو المتبادر مما تقدم. ثم أن كلا المعنيين ظاهر في أن التركيب وصفي وجوز كونه إضافياً على معنى السرور توقيع. أمير أو ملك جائز أي معطى الجائزة أي العطية فكأن قائل ذلك شاعر أدعى لمزيد حبه الجائزة أن السرور توقيع ممدوحه من الأمراء والملوك ليعطيه أمنية الجائزة على شعره فيه. ويتصور أن يكون قائله ممن يحب الكرم وإعطاء الشعراء الجوائز.

تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

على أن يكون المعنى السرور هو الأمر بإعطاء الجوائز وإمضاء الأوراق في ذلك والتوقيع عليها فتأمل.

) ومنها (ما جرى في قوله أيضاً) النموذج بفتح النون مثال الشيء مقرب والأنموذج لحن انتهى (فإنه نقل أن العلامة ابن قاسم العبادي أشار في بعض تعليقاته إلى اعتراض عليه وجواب عنه) حيث قال (والفقهاء يعبرون بالأنموذج فيلزم أن يكون لحناً فتأمل انتهى. وقرر حاصل الاعتراض بأن الفقهاء يعبرون بما ادعى أنه لحن وهم أجل من أن يعبروا بما هو لحن وقرر حاصل الجواب المشار إليه بتأمل أنهم يراعون في كلامهم تفهيم العامة فلا بأس عليهم إذا استعملوا في تفهيمهم لفظاً هو لحن في نفس الأمر لكنه شائع الاستعمال فيما بينهم دون ما هو الصحيح بل يجوز أن يخفى عليهم كون اللفظ الفلاني لحناً وليس من شرط الفقيه الوقوف على الصحيح الثابت عند العرب في كل لفظ يستعملونه وجلالتهم تأبى الغلط في استخراج الأحكام لا استعمال لفظ هو لحن عند العرب لكنه شائع عند العوام وقد صح أنه عليه الصلوة والسلام عدل عن لغة قريش الفصحى التي نزل بها الكتاب. إلى لغة دونها رعاية لتفهيم من هي لغته من الأعراب. على أن كون الأنموذج لحناً مما لم يتفق عليه الأجلة فقد ذكره العلامة أحمد الفيومي في مصباحه المنير من غير تنبيه وجعل النموذج لغة فيه. فقلت يا سيدي لقد أبدعت في المقال. وهذا غاية ما يخطر بالبال.

) وكم في القاموس (ما هو من هذا القبيل. وأشياء أخر طال فيها ذيل القال والقيل. كدعواه أغلاطاً تسعة في قول الشاعر. الذي استشهد به الجوهري الماهر:

أجاعل أنت بيقوراً مسلعةوسيلة لك بين الله والمطر

وقد بينها الشيخ عبد الرحمن العمادي ونقلها الفاضل المحبي. في تاريخه فقال بعد ذكر البيت وما قبله وهو:

لا در درأ ناس خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر

قد لاح في هذه الألفاظ تسعة أغلاط خطرت بالبال. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.) الأول (إدخال الهمزة على غير محل الإنكار وهو جاعل والواجب إدخالها على المسلعة لأنها محل الإنكار نحو أغير الله أبغي حكما) الثاني (تقديم المسند أعني جاعل على المسند إليه أغني أنت الذي هو خلاف الأصل فلا يرتكب إلا لسبب فكان الواجب تقديم المسلعة وإدخال الهمزة عليها وترك التقديم بأن يقال أمسلعة تجعل ذريعة) الثالث (أن نرتب البيت على ما قبله يقتضي أنه فصد الالتفات من الغيبة إلى الخطاب قطعاً وأنه بعد أن حكى حالهم الشنيعة التفت إلى خطابهم ومواجهتهم بالتوبيخ حتى كأنهم حاضرون يستمعون وحينئذٍ يكون قد أخطأ في إيراد أحد اللفظين بالجميع والآخر بالإفراد ولا شك أن شرط الالتفات الاتحاد) الرابع (إن الجاعلين الذين حكي عنهم في البيت الأول هم العرب في الجاهلية فلا وجه لخصيص واحد منهم بالإنكار عليه دون البقية. لا يقال هذا الوجه داخل في الذين قبله. لأنا نقول هذا وارد مع قطع النظر عن كون الكلام أشتاتاً أو غير التفات من حيث أنه نسب أمراً إلى جماعة ثم خص واحداً منهم بالإنكار من غير التفات إلى الالتفات أصلاً.) الخامس (تنكير المسند إذ لا وجه له مع تقدم العهد حيث علم أن مراده بالجاعل هم الأناس المذكورون في البيت الأول فكان حق الكلام أن يقال أمسلعة أنتم الجاعلون.) السادس (البيقور اسم جمع كما في القاموس واسم الجمع وإن كان يذكر ويؤنث لكن قال الرضى في بحث العدد) ما محصله (أن اسم الجمع إن كان مختصاً بجمع المذكر كالرهط والنفر والقوم فإنها بمعنى الرجال فيعطى حكم المذكر في التذكير فيقال تسعة رهطٍ ولا يقال تسع رهط كما يقال تسعة رجال ولا يقال تسع رجال. وإن كان مختصاً بالمؤنث فيعطى حكم جمع الإناث نحو ثلاث مخاض لأنها بمعنى حوامل النوق وإن احتملهما كالخيل والإبل والغنم لأنها تقع على الذكور والإناث فإن نصصت على أحد المحتملين فإن الاعتبار بذلك النص انتهى (. فقد صرح بأنها إذا استعملت مراداً بها الذكور تعطى حكم الذكور. وقد نص صاحب القاموس وغيره على أنهم كانوا يعلقون السلع على الثيران فبهذا الاعتبار لا يسوغ وصف اليبقور بالمسلعة) السابع (إيراد المسلعة صفة جارية على موصوف مذكر والذي يظهر من عبارة صاحب الصحاح اسم للبقرة التي يعلق عليها السلع للاستمطار لا صفة محضة حيث قال) ومنه المسلعة الخ (ولم يقل ومنه البقرة المسلعة. وقال السيوطي في شرح شواهد المغني نقلاً عن أئمة اللغة أن المسلعة ثيران وحش علق عليها السلع وحينئذٍ فلا يجري على موصوف كما أن لفظ الركب اسم لركبان الإبل مشتق من الركوب ولم يستعمل جارياً على موصوف فلا يقال جاءني رجال ركب بل جاءني ركب) الثامن (إن المنصوص عليه في كتب اللغة أن الذرية بمعنى الوسيلة لا غير وأن الوسيلة مستعملة في التعدية بإلى فاستعمل الذريعة فيها بدون إلى مع لفظ بين مخالف لوضعها واستعمالها المنصوص عليه. وأما اللام في لك فإنها للاختصاص فلا دخل لها في التعدية كما يقال أرسل هذا الكتاب تحفة لك) التاسع (قوله بين الله والمطر لا معنى له والصواب بينك وبين الله لأجل المطر. وذلك لأنهم كانوا يشعلون النيران في السلع والعشر المعلقة على الثيران ليرحمهما الله تعالى وينزل المطر لإطفائها عنها كما تقدم في الكتاب والله تعالى أعلم انتهى) وتعقب ذلك (المحبي بقوله) أقول لا يخفى أن ما استخرجه لا يسمى أغاليط فأجل فكرك فيما هناك تصب المحز انتهى (ولعل الحمادي حمل الغلط على ما يشمل خلاف الأولى بناء على أنه في البليغ غلط فذكر ما ذكر ومع هذا لا يخلو عن بحث) وقد سئل (شيخنا علاء الدين علي أفندي الموصلي عن هذه الأغلاط فأجاب بما وافق بعضه بعض ما ذكر وبما خالف وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية. فارجع إليه إن أردته. وهو أيضاً مبني على حمل الغلط على ما سمعت آنفاً. ولا يكاد يسلم وجود أغلاط تسعة في البيت والغلط بمعناه المتبادر فتأمل وانصف) ومن مشهور العيارات (التي يسأل عنها من عبارات القاموس أيضاً عبارته في الكلام على العسر والأمر فيها أسهل من الأمر في الأغلاط ولعل الرجوع إلى الأقيانوس يتكفل بحلها) وقد كتب (عليها شيخ مشايخنا العلامة السيد صبغة الله أفندي لكنه نوقش فيما كتب ولولا خوف الإطالة لذكرت

ذلك) ومما استشكل من ذلك أيضاً (قوله وكعب الحبر ويكسر ولا تقل الأحبار معروف انتهى. ووجه الإشكال ان كعب الأحبار. مما شاع وذاع وروده في الأخبار. ولا مانع من حيث الصناعة لذلك. كما لا يخفى على من سلك في هاتيك المسالك.) وأجيب (بأن ما ورد من باب التركيب الإضافي وما منعه المجد من باب التركيب الوصفي فإن الظاهر عدم جواز وصف كعب المفرد بالأحبار الجمع وإدخاله في باب نطفة أمشاج وثوب أسمال مما يأباه الذوق السليم. وتعقب بأنه ليس المقصود إلا النهي عن استعمال ما هو المشهور وليس ذلك إلا لتركيب الإضافي فيكون غلطاً وقد نبه على ذلك بعضهم أيضاً بقوله:

عوج بن عوق ثم كعب الحبر صحفالغلط المشهور فيه ما نضح

ووجه كون ذاك غلطاً بأن كعب الحبر بهذا اللفظ صار كالعلم فتغييره إلى كعب الأحبار بالإضافة أو الوصف غلط إذ الأعلام لا تغير فتأمل.) ثم اعلم (أنا لو ذكرنا جميع ما هو من هذا القبيل من عبارات القاموس لطال ذكره. ولوقعنا في بحر عميق لا يدرك ولو أمعن في الغوص قعره. ويكفي ما ذكرناه في الاستطراد. فاحفظ ذلك واسأل الله تعالى من فضله الذي ليس له من نفاد.) ومنها (ما جرى من تذكر قصيدة أمن تذكر وهو أن البوصيري قال فيها مادحاً له عليه الصلوة والسلام:

لو ناسبت قدره آياته عظماًأحيي اسمه حين يدعى دارس الرمم
للشاعر محمد جواد عواد البغدادي، اقرأ القصيدة

وهو مشكل. وأمر معضل. فإن مقتضى لو وكون القرآن داخلاً في آياته صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يكون القرآن العظيم. مناسباً قدره عليه أفضل الصلوة وأكمل التسليم. وذلك مما لا يكاد يقال. لما أن القرآن كلام الملك المتعال. فقلت لعل المراد من الآيات غير القرآن. وتخصيص العام بالعقل مما يضيق عنه نطاق البيان. فقال هذا عكاز أعمى لا أرتضيه لك. فاسلك هديت غير هذا المسلك. فقلت لعل الإضافة في آياته للعهد والمراد ما جاء بنحو الرسل ﵈. ولم يجيء أحد منهم بنحو القرآن كما جمع عليه العلماء الأعلام. وكون الجمع المضاف للعموم. ليس على إطلاقه كما هو معلوم. فقال لم تصنع شيئاً سوى أنك غيرت الكلام. إلى عبارات ذات انسجام.

فإن لم يكنها أو تكنه فإنهأخوها عذته أمه بلبانها

فقلت لعل المراد نفي المناسبة عظماً باعتبار الظهور. وإعجاز القرآن خفي على بعض الناس بالنسبة إلى إحياء واحد من أهل القبور. فقال هل يخطر ببالك. غير ذلك. فقلت نعم. يا ولي النعم. لكنه يتوقف على تحقيق المراد بالقرآن. الذي لا يسوغ أن يفضل عليه النبي إنسان. أهو الكلام النفسي الذي هو من صفاته تعالى الذاتية. أم الكلام الأغلى الذي ذهب إلى أنه مخلوق كالمعتزلة لعظم الأشاعر. والماتريديه. فإن كان كالأول فالقول بأنه غير مناسب غير مناسب قطعاً. بل هو باطل بلا شبهة عقلاً وسمعاً. وإن كان الثاني فالقول بعدم مناسبة عدم المناسبة مما تتردد فيه الأذهان. لقول معظم أهل السنة أنه عليه الصلوة والسلام أفضل المخلوقات ما يكون وما كان. وحيث أن البوصيري عبر بالآيات أي المنجزات أراد بالقرآن المعنى الثاني من المعنيين. إذ الكلام النفسي ليس بمعجزة ولم يتحد به سيد الكونين. صلى الله تعالى عليه وسلم. وشرف وعظم وكرم. والظاهر أنه أشعري يقول بأن الكلام اللفظي مخلوق. ضرورة اشتماله على بداية ونهاية وسابق ومسبوق. وأنه ممن يفضل النبي عليه الصلوة والسلام على جميع المخلوقات. من مضى منهم ومن هو آت. فقد قال. وأحسن في المقال:

فمبلغ العلم فيه أنه بشروأنه خير خلق الله كلهم
للشاعر البوصيري، من قصيدة «أمن تذكر جيران بذي سلم»

فقال سلمه الله تعالى مداعباً لقد أبعدت مغزاك. وسأخبر علماء إسلامبول بذاك. فقمت إليه. ووقعت عليه. وقلت يا سيدي وحرمة القرآن. لو كان أحدهم حاضراً ما فهت بما فهت لديه. فضحك وقال مسألة القرآن طويلة الذيل. وظهر لي منه أن له إلى الجواب باعتبار الظهور غاية الميل. ثم قلت يا مولاي يحتمل أن يكون لذلك أجوبة أخر. وقبل الشروع بشيء منها حضر من حضر. فانقطع الكلام. وترك ذلك لذوي الإفهام) وأنا أقول الآن (مستعيناً بالملك المنان. قد ظفرت بنحو ما ذكرته في مختصر شرح المرزوقي للقصيدة المشار إليها) ونصه (بعد كلام في هذا البيت) قال الشارح (لم يزل الناس يعترضون هذا البيت لاقتضائه أن ليس فيما أعطيه صلى الله تعالى عليه وسلم من الآيات ما يناسب قدره لأن لو حرف امتناع لامتناع أي امتنعت الخاصة المذكورة لامتناع أن يناسب قدره العظيم شيء من آياته صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا باطل فإن من آياته صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن العظيم وهو كلام الله تعالى والكلام صفة وشرف الصفة بشرف الموصوف ثم قال وعنه أجوبة) وأقول (السؤال مغالطة فإن القرآن يراد به كلام الله الذي هو صفة الذات وهو المعنى القائم وهذا لم يعطه صلى الله تعالى عليه وسلم لأن الذي أعطيه معجزة والمعجزة فعل الله تعالى خارق للعادة وهو غير صفة الذات. ويراد به أيضاً الحروف الملفوظة والأصوات المسموعة وهذا هو الذي أعطيه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المعجزة وإطلاق القرآن على الحروف والأصوات شائع) وحينئذٍ (لا نسلم أن تكون الحروف والأصوات مناسبة لقدره عليه الصلوة والسلام انتهى بعض كلامه. ثم قال المختصر وما ذكره من كون الحروف والأصوات لا تناسب قدره صلى الله تعالى عليه وسلم قال مثله السبكي فيما قيده على القرآن قال: في قول تعالى) إن الله اصطفى آدم (إلى قوله سبحانه) العالمين ما نصه (ألفاظ القرآن التي وقع بها الإعجاز من جملة العالم لحدوثها فنبينا عليه الصلوة والسلام أفضل منها يعني لأنه من آل إبراهيم ﵇ قال وبهذا يتقرر قول صاحب البردة) لو ناسبت قدره آياته البيت (انتهى ما في المختصر. ووالله العظيم لم أره قبل أن أقرر في المجلس ما تحرر. والحمد لله ﷿. على ما أنعم به علي وتفضل. ومن الأفاضل من أجاب بأن المراد من صدر البيت نفي مناسبة جميع آياته قدره عليه الصلوة والسلام. ولا يلزم من نفي مناسبة الجميع نفي مناسبة القرآن إذ مع مناسبة البعض وعدم مناسبة البعض الآخر يصدق نفي مناسبة الجميع كما يصدق من عدم مناسبة كل واحدة من الآيات.) وحاصله (أن المراد نفي العموم لا عموم النفي ولا يضر في ذلك مناسبة القرآن. ولا يرد عليه أنه مشعر بأنه لو تحققت تلك الخاصة يلزم أن تتحقق مناسبة الجميع لقدره عليه الصلوة والسلام. إذ ليس الكلام مساقاً إلا لدعوى أنه لو ناسب الجميع قدره لتحققت تلك الخاصية دون العكس. نعم في الملازمة التي ادعاها الناظم رحمه الله تعالى خفاء حيث لم يكن السؤال عن ذلك تركنا بيان ذلك للأذكيا. فتأمل وافهم. والله تعالى أعلم.

) ومنها (ما جرى في قول البوصيري أيضاً:

إن لم تكن في معادي آخذاً بيديفضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

وذلك إن إلا مركبة من أن الشرطية ولا فيكون مآل المعنى بعد التقدير.) وإن كنت ف معادي آخذاً بيدي فقل يا زلة القدم (ولا يخفى ما فيه على خبير. وكون المآل هذا لأن لا النافية تدخل في التقدير على لم تكن فيدخل النفي على النفي فينفيه ونفي النفي إثبات. فقلت يا مولاي لا يتعين تقدير الشرط لم تكن داخلة عليه لا النافية بل يجوز تقديره تكن داخلة هي عليه فيكون هذا الشرط تكريراً للشط السابق والجواب لهما قوله فقل الخ. والمقام لا يأبى ذلك بل يقتضيه. فسكت سلمه الله تعالى ولم ينقر فيه. ثم رأيت في شرح مختصر الرزوقي) ما نصه (قال المحقق الجلال المحلي في شرح البيت إن لم تكن في معادي أي عودي يوم القيامة للجزاء آخذاً بيدي بأن تشفع في فضلاً ومنةً وإلا أي إن لم تكن كذلك. فهو بمعنى الشرط الأول تأكيد له وجوابه فقل. يخاطب من جرده من نفسه أي فقل لي يا زلة القدم وهذا يكنى به عن سوء الحال انتهى. فشكرت المولى. على ما أولى. ورأيت في مختصر ذلك الشرح توجيهاً آخر قال قوله وإلا شرط حذف فعله وجوابه لدلالة السياق والعقل عليه. أي وإن كان آخذاً فقل يا ثبوت قدمه أو يا سعادته أو يا فوزه أو ما أشبه ذلك. وبعد هذا الشرح لا يبقى لك في كلامه إشكال انتهى. وقال غير واحد إن إلاً هنا بالتنوين اسم معطوف على فضلاً مثلها في قوله تعالى) لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة (ورجح بأنه أنسب بقوله:

فإن لي ذمة منه بتسميتيمحمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «مالي أراك أخا الإيناس والسلم»

ولا أرى في ذلك من بأس. كما يراه فيه بعض الناس.) بالجملة (وقد ذكرنا لك ما ذكره علماء جلوا. فذق ذلك بفم فكرك واختر لنفسك ما يحلو.

) ومنها ما جرى (في قول الشاعر:

حلفت يميناً غير ذي مثنويةيمين امرئ إلا بها غير آثم
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

فإني ذكرت أن جملة من الأقوام. زعموا تناقض هذا الكلام. فقال ما منشأ ما زعموه. وما الذي فهموه. فقلت يا مولاي قال بعض الناس اليمين المغايرة ليمين ذي المثنوية. هي اليمين الصادقة التي لا كذب فيها بالكلية. فإن ذا المثنوية فيما يقولون هو المنعطف عن الصواب. إلى الباطل والكذاب. فقد تضمن الشطر الأول أنه حلف يميناً لا كذب فيها. ولا مخالفة للواقع تعتريها. وقوله إلا بها غير آثم. يدل على أن تلك اليمين كاذبة. وإلى حضيض الافتراء ذاهبة. حيث إن بها متعلق بآثم. فكأنه قال يمين امرئ غير آثم إلا بها والاثم باليمين كناية عن الكذب بها. فيكون الشرط الثاني متضمناً نقيض ما تضمنه الأول. فقال هل ذكروا لذلك من جواب. فقلت نعم أجاب عن ذلك بعض الأصحاب. بأن إلا زائدة مثلها في قوله) حر أجيج لا تنفك إلا مناخة (فتوقف في قبول ذلك. ولم أسأله عن علة ما هنالك. واتفق أن أراني بعض الكتب الأدبية. فعندما فتحته وقع نظري على هذا البيت وفيه بدل إلا آلى فعلاً ماضياً. من الآلية فتعجبت من هذا الاتفاق. وانحل من الإشكال محكم النطاق.) ثم إني أقول (إن دلالة غير ذي مثنوية على الصدق إنما هو في العرف وإلا فقد قال الخفاجي في حواشي البيضاوي المثنوية كالمعنوية بمعنى الاستثناء صرح به أهل اللغة وورد في الحديث الشريف وفي كلام الفصحاء كقول النابغة) حلفت يميناً غير ذي مثنوية (ولا أعلم إلا حسن الظن بصاحبي وقال في النبراس أصل معناه الرجوع والانصراف كما في قول حمزة سيد الشهداء:

فلما التقينا لم تكن مثنويةلنا غير طعن بالمثقفة السمر

المثنوية منسوبة إلى المثنى مصدر بمعنى الاستثناء وقيل بمعنى اثنين اثنين وهو كلام من لم يقف على ما ذكر انتهى. فاحفظ.

) ومنها ما جرى (في قول جرير من أبيات رائية منصوبة القافية يرثي بها عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه:

فالشمس طالعة ليست بكاسفةتبكي عليك نجوم الليل والقمرا

فإنه سألني عن توجيه نصب نجوم الليل بغير ما ذكره الجوهري واختاره غير واحد من علماء العربية وهو جعل نجوم مفعولاً به لكاسفة وجعل جملة تبكي عليك اعتراضية وهي في معنى التعليل لكون الشمس ليست بكاسفة. وعما على وجه ذلك الحكم من الخفاء كاشفة. فقال هل وقفت على توجيه غير هذا وجيه. فقلت بلى وأحس من هذا التطويل كله ما ذكر في لسان العرب في مادة كيف) ونصه (:

عن أبي زيد كسفت الشمس إذا اسودت بالنهار وكسفت الشمس النجوم إذا غلب ضوءها على النجوم فلم يبد منها شيء فالشمس حينئذ كاسفة النجوم يتعدى ولا يتعدى. قال جرير:

فالشمس طالعةً ليس بكاسفةٍتبكي عليك نجوم الليل والقمرا

قال ومعناه أنها طالعة تبكي عليك ولم تكسف ضوء النجوم ولا القمر لأنها في طلوعها خاشعةً باكيةً لا نور لها. قال وكذلك كسف القمر إلا أن الأجود فيه أن يقال خسف القمر والعامة تقول انكسفت الشمس. قال وتقول خشعت الشمس وكسفت وخسفت بمعنى واحد. وروى الليث البيت:

الشمس كاسفة ليست بطالعةٍتبكي عليك نجوم الليل والقمرا

فقال أراد ما طلع نجم وما طلع قمر ثم صرفه فصبه. وهذا كما تقول لا آتيك مطر السماء أي ما مطرت السماء وطلوع الشمس أي ما طلعت الشمس ثم صرفته فنصبته. وقال شمر سمعت ابن الأعرابي يقول) تبكي عليك نجوم الليل والقمرا (أي ما دامت النجوم والقمر. وحكي عن الكسائي مثله. وقال وقلت للفراء أنهم يقولون فيه أنه على معنى المغالبة باكيته فبكيته فالشمس تغلب النجوم بكاءً فقال إن هذا لوجه حسن. فقلت ما هذا بحسن ولا قريب منه. اه. يا شمس المعارف والعلى. وهو جعل نجوم مفعولاً به لتبكي وجعل تبكي من أفعال المغالبة نحو خصمت زيداً أي غلبته في الخصام. فالمعنى تغلب في البكاء عليك نجوم الليل والقمرا. ويتضمن ذلك الأخبار ببكاء النجوم والقمر عليه. وأظن أن صاحب الكشف اختار هذا فليتأمل. وزعم صاحب القاموس أن ما ذكر أولاً تكلف قال وقول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه:

فالشمس كاسفة ليست بطالعةتبكي عليك نجوم الليل والقمرا
للشاعر جرير، من قصيدة «تنعى النعاة أمير المؤمنين لنا»

أي كاسفة لموتك تبكي عليك أبداً. ووهم الجوهري فغير الرواية بقوله) فالشمس طالعة ليست بكاسفة (وتكلف لمعناه انتهى. ومن تتبع الكتب وقف على كثير من الرواة وافقوا الجوهري. ثم أن صاحب القاموس لم يبين وجه نصب النجوم وما عطف عليه على روايته والظاهر تعين ما ذكرناه أخيراً فيه. والله تعالى أعلم.

) ومنها (ما جرى في قول المتنبي:

أمن ازديارد في الدجا الرقباءإذ حيث أنت من الظلام ضياء

قال لي ما توجيه بيت المتنبي وأنشد هذا البيت. فقلت ذكروا له عدة توجيهات أظهرها على ما قيل إن إذ ظرف لا من فيه معنى التعليل وحيث للتعليل بدل منه ومن فيه للبدل وجملة المبتدأ والخبر في موضع المضاف إليه لحيث والمعنى أمن رقباؤك أن تزوري ليلاً لأنك ضياء بدل من الضياء واستظهر بعضهم إن إذ ظرف لا من وأنت مبتدأ خبره محذوف أي موجودة والجملة في موضع الجر بإضافة حيث وهي ظرف لضياء وهو مبتدأ ومن الظلام خبره ومن للبدل أيضاً والمعنى أن من الرقباء أن تزوري ليلاً إذ ضياء كائن بدل الظلام حيث أنت موجودة أي مكان أنت موجودة فيه. أو قيل إذ ظرف لا من وضياء مبتدأ ومن الظلام صفة له قدمت عليه فأعربت حالاً منه وحيث ظرف لكائن أو ثابت أو نحوه خبر له وأنت مبتدأ خبره محذوف أي موجودة والجملة في محل الجر بإضافة حيث أي أمن الرقباء زيارتك ليلاً لما أنه ضياء كائن بدل من الظلام ثابت حيث أنت موجودة. ومما قيل عليه أن فيه جعل الحال من المبتدأ وفي صحته خلاف. وقيل حيث مبتدأ وضياء خبره ومن الظلام حال من ضياء ومن للبدل كما فيما تقدم وأنت مبتدأ خبره محذوف أي موجودة والجملة في موضع المضاف إليه لحيث أي أمن الرقباء ذلك إذ مكان أنت فيه ضياء بدل من الظلام. وفيه ما فيه مع إخراج حيث عن الظرفية وجعلها مبتدأ ولم يسمع. وقد ذهب ابن مالك إلى وقوعها اسماً لأن واستدل عليه بقوله:

إن حيث استقر من أنت راعيهـ حمىً فيه عزة و

ولم يقبل ذلك منه وقالوا لا دليل له في البيت لجواز تقدير حيث خبراً وحمى اسماً. وجوز على هذا الوجه كون من الظلام بياناً لحيث المراد به نفس المكان والمراد بالظلام المكان المظلم وكونه في موضع الصفة لها أي المكان الموصوف بأنه بعض الظلام. أي بعض الأمكنة المظلمة. وهو كلام صادر عن قريحة مظلمة كما لا يخفى على ذي قريحة مضيئة. ومما يقتضي منه العجب ما قيل ضياء مبتدأ وحيث كانت خبره ومن الظلام صفة للمكان الذي يحضر فيه وحيث متعلق بضياء. وإذ متعلق بأمن هذا. ويروى إذ حيث كنت فقيل عليه ضياء مبتدأ خبره محذوف أي ضياء هناك والجملة خبر كان. وقيل كان تامة فلا تحتاج إلى خبر ومن الظلام في موضع الخبر لضياء ومن للبدل وحيث متعلق بضياء وهو أولى مما قبله) وخلاصة المعنى (أن الرقباء أمنوا زيارة هذه المحبوبة ليلاً لأن نورها ينم عليها لما أنها حيث كانت ضياء بدل الظلام أو لما أن ضاء بدل الظلام حيث كانت وحصلت. وهذا على ما قيل مأخوذ من قول علي بن جبلة:

بأبي من زارني مكتتماًحذراً من كل واشٍ فزعاً
للشاعر علي بن جبلة، من قصيدة «بأبي من زارني مُكتَتِماً»
طارق ثم عليه نورهكيف يخفي الليل بدراً طالعاً

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.